المحبة في الله عز وجل السعادة التي تدوم{الجزء الأول}

65

بقلم د/محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فالمحبة لله وفي الله دون غرض إذ الغرض هو المرض، ودون مصلحة

زائلة تزول بزوال المنفعة لهو من أعظم الفضائل والقربات عند الله تعالي.

والمحبة الدنيوية دعك منها ودعك عنها لا خير فيها ولا في أصحابها.

كيف والمحبة في أعمق صورها مبني ومعني هي التي تكون لله وحده

رغبة فيما عنده من ثواب وطاعة(وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)

قال تعالى: {والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر

إليهم} [سورة الحشر ، الآية:(9) ] .

فالمراد بالدار: المدينة. والآية نزلت في الأنصار لأنهم لزموا المدينة، والإيمان وتمكنوا فيهما قبل.

فعن أنس – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:

«ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب

إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في

الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار» .
(متفق عليه).

حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أغراض الدنيا.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم –
قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب
نشأ في عبادة الله – عز وجل -، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان
تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب
وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» . (متفق عليه).

قوله: «سبعة يظلهم الله [في ظله] » ، أي: ظل عرشه. وفي الحديث: الحث على هذه الخصال والتخلق بها. وقد نظمها بعضهم فقال:
أناس روينا في الصحيحين سبعة.
يظلهم الرحمن في برد ظله

محب، عفيف، ناشئ، متصدق
وباك، مصل، والإمام بعدله

وقد أورد بعضهم الخصال التي توجب إظلال الله لأصحابها، فبلغها تسعة وثمانين، منها الجهاد، وإنظار المعسر، والصبر، وحسن الخلق،

وكفالة اليتيم، والصدق، والنصح، وترك الزنا، والحلم، وحفظ القرآن،

وعيادة المرضى، وإشباع جائع، وصلة الرحم، ومحيي سنة للنبي – صلى الله عليه وسلم – وبناء مسجد، ومعلم دين.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:
«إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم

في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» .( رواه مسلم).

وتأمل سؤال الله تعالى عن المتحابين مع علمه بمكانهم، لينادي بفضلهم في ذلك الموقف.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:
«والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى
تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» . (رواه مسلم).

ففيه: الحث على إفشاء السلام، وبذله لكل مسلم عرفته أو لم تعرفه،
وفي إفشائه ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم مع ما فيه من التواضع.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أن

رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكا … »

وذكر الحديث إلى قوله: «إن الله قد أحبك كما أحببته فيه» .( رواه مسلم)،

وفيه: فضل الحب في الله لما يؤول به إلى محبة الله للعبد، ومن أحبه

الله فقد فاز فوزا عظيما. وفي الدعاء المأثور: (اللهم ارزقني حبك،

وحب من يحبك والعمل الذي يقربني إلى حبك) .

وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن النبي – صلى الله عليه وسلم

– أنه قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق،

من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» .( متفق عليه).

وهنا تسمية من نوع خاص حيث يسمى الأوس والخزرج الأنصار

لنصرهم الإسلام، وإيواء أهله، قال الله تعالى: {والسابقون الأولون من

المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا

عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز

العظيم} [سورة التوبة، الآية (100) ] .

وعن معاذ – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -،
يقول: «قال الله – عز وجل -: المتحابون في جلالي، لهم منابر من نور

يغبطهم النبيون والشهداء» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) .

وفيه: دليل على أن لهؤلاء العباد منازل شريفة عظيمة في الآخرة، ولا

يلزم من ذلك أن يكونوا أفضل من الأنبياء، وإنما أريد بذلك بيان فضلهم وشرفهم عند الله تعالى.

وعن أبي إدريس الخولاني رحمه الله، قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء، أسندوه إليه،

وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل – رضي الله عنه -. فلما كان من الغد، هجرت، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته

يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله؟ فقلت: الله، فقال: آلله؟

فقلت: الله، فأخذني بحبوة ردائي، فجبذني إليه، فقال: أبشر! فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، يقول: «قال الله تعالى:

وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في» . (حديث صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح).

قوله: «هجرت» أي بكرت، وهو بتشديد الجيم قوله: «آلله فقلت: الله» الأول بهمزة ممدودة للاستفهام، والثاني بلا مد. فيه: تنبيه على أن

الأدب لمن جاء إلى مشغول بطاعة الله تعالى إن لا يلهيه عما هو فيه. وفيه: أن الأدب قصد الإنسان من قبل وجهه. وفيه: فضل التحاب
والتجالس والتزاور في الله.

عن أبي كريمة المقداد بن معد يكرب – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا أحب الرجل أخاه، فليخبره أنه يحبه» .

رواه أبو داود والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح غريب» .

وفيه: استحباب إخبار المحبوب في الله بحبه، لتزداد المحبة والألفة.

وعن معاذ – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم –

أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله، إني لأحبك، ثم أوصيك يا معاذ لا

تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن

عبادتك» . حديث … صحيح، رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.

وفيه: فضل معاذ. قال بعضهم: لما صحت محبة معاذ للنبي – صلى الله عليه وسلم –
جازاه بأعلا منها كما هو عادة الكرام.

وعن أنس – رضي الله عنه – أن رجلا كان عند النبي – صلى الله عليه وسلم –
فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، أني لأحب هذا، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم -:

«أأعلمته؟» قال: لا. قال: «أعلمه» فلحقه، فقال: إني أحبك في الله،

فقال: أحبك الذي أحببتني له. رواه أبو داود بإسناد صحيح.

وفيه: دليل على استحباب إظهار المحبة في الله، والدعاء لفاعل الخير مثل عمله.

إنها المحبة الحقيقية الصادقة لله وفي الله لذلك يجب أن تدوم طاعة وعبادة لله تعالي..رزقنا الله وإياكم محبته….(يتبع إن شاء الله)