المحبة في الله عز وجل السعادة التي تدوم{الجزء الثاني}

50

بقلم د/محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

و من أهم صور الحب في الله الحب بين المهاجرين والأنصار ذكر الله

تعالى أعظم حالات الحب في الله تعالى، حيث قال تعالى في سورة

الحشر: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ

وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ
وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.[سورة الحشر، آية: 9]

وتجد أثر حب المؤمنين لبعضهم البعض يظهر في صفة حب المؤمنين

لبعضهم بأنهم يأمرون بعضهم بالمعروف ويتناهون عن المنكر فيما

بينهم، حيث قال تعالى في سورة الحشر: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ

بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ

الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.[سورة التوبة، آية: 71]

كما ألقى الله تعالى الألفة والحب في الله في قلوب الذين آمنوا وجعل بينهم المودة والرحمة، حيث قال تعالى في سورة الأنفال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.[سورة الأنفال، آية: 63]

وتجد الأثر لهذه المحبة في أخوّة المؤمنين أمر الله تعالى بإصلاح ذات البين بين المسلمين، وجعلهم أخوة فيما بينهم تربطهم ببعضهم علاقة الحب في الله، حيث قال تعالى في سورة الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.[سورة الحجرات، آية: 10]

ومن عظيم المحبة الفوز للمتقين الذين جمعهم حب الله تعالى أشار الله تعالى إلى أنّ الأخلاء المتّقين يوم القيامة لهم العاقبة والفوز العظيم، أمّا الأخلاء الذين اجتمعوا على غير الحب في الله فتجدهم يومئذٍ أعداء فيما بينهم، حيث قال تعالى في سورة الزخرف: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.[سورة الزخرف، آية: 67]

و أولياء الله تعالى هم من اجتمعوا على حبّه ذكر الله تعالى أوليائه بأنهم كلّ من اجتمع على الحبّ في الله، وذلك بقوله في سورة يونس: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.[سورة يونس ، آية: 62]

والتواصي بالحق من صور الحب في الله ذكر الله تعالى إحدى صور الحبّ في الله وهي التواصي بالحق والحثّ على الصبر، وذلك في قوله في سورة العصر: {والْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.[سورة العصر، آية: 1-3]

ومن أهم ما ورد في قصص الصالحين حول المحبة في الله:

حيث يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم ” لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي” ، وفي هذا الحديث حث لنا على اختيار الصحبة الصالحة، وفي حديث سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ذكر من ضمن السبعة إثنان تحابا في الله إجتمعا عليه وتفرقا عليه، إليكم بعض من قصص هؤلاء المتحابين في الله.

قصة محمد بن قيس مع صاحبه:
زار محمد بن قيس صاحب له وأخ في الله في أحد المساجد، فلما وصل عنده وجده يصل قبل الفجر، فذهب محمد بن قيس لزاوية أخرى من زوايا المسجد وظل يصل حتى الفجر، ثم أهنى صلاته قبل الفجر وذهب لمسجده حيث كان إماما لأحد المساجد الأخرى، فلما اذن الفجر ذهب أحد الاشخاص الموجودين في المسجد إلى صاحب محمد بن قيس وقال له، لقد جاء صاحبك يسأل عنك فلما وجدك تصل ذهب لأحد زوايا المسجد وأخذ يصلي إلى قبيل الفجر.

فلما أنهى الرجل صلاة الفجر قرر الذهاب إلى محمد بن قيس كي يزوره، ثم التقيا في الطريق فعانق كل منهما الآخر وأخذا يبكيان ويضمان بعضهما البعض من شدة محبتهم لبعض في الله ولأن كل منهما ظن أنه قصر في حق صاحبه.

قصة محبة الصديق لسيدنا بلال في الله:
دئما عندما يذكر الصحابة سيدنا أبو بكر الصديق يقولون هو سيدنا وأعتق سيدنا، وسبب هذه المقولة أن سيدنا الصديق أبو بكر رضي الله عنه أراد أن يحرر سيدنا بلال من الرق والعبودية والعذاب الذي يكيله له أمية بن خلف، فلما وصل إلى مكان سيدنا بلال وطلب من أمية أن يشتريه، أراد أمية بن خلف أن يهين سيدنا بلال فقال لسيدنا أبو بكر لو أعطيتني فيه درهما لبعتك إياه، فرد عليه الصديق رضي الله عنه رافعا قدر سيدنا بلال والله لو طلبت فيه مائة ألف لأعطيتك إياها، ثم دفع المبلغ وانحنى وحمل سيدنا بلال من تحت ابطيه وقال أنت أخي حقا.

قصة محبة الإمام الشافعي للإمام أحمد بن حنبل:
كان الإمام أحمد بن حنبل طالب عند الإمام الشافعي، وكان كل منهما يحب الآخر في الله محبه عظيمة، ومن القصص التى وردت في هذا الشأن أن الإمام الشافعي كان يتقرب إلى الله بمحبة الإمام احمد بن حنبل وطلاب الحديث الشريف وقال في هذا الأمر:

أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة

وأكره من تجارته معاصي وإن كنا سويا في البضاعة

فرد عليه الإمام أحمد بن حنبل:

تحب الصالحين وأنت منهم لعلهم ينالوا بك الشفاعة

وتكره من تجارته المعاصي حماك الله من تلك البضاعة

وفي قصة أخرى أن الامام احمد بن حنبل مرض فعاده الإمام الشافعي وقال في ذلك شعرا

قال الشافعي:

قالوا يزورك أحمد وتزوره
قلت الفضائل لا تغادر منزله

إن زارني فلفضله أو زرته
فلفضله فالفضل في الحالين له

وقال أحمد بن حنبل ردا على ذلك:

إن زرتنا فبفضل منك تمنحنا
أو نحن زرنا فللفضل الذي فيك

لا عدمنا كلا الحالين منك ولا
نال الذي يتمنى فيك شانيك

وفي مرة أخرى مرض الإمام احمد بن حنبل مرضا شديدا فزاره الإمام الشافعي، فلما رآه مريضا حزن عليه حزنا شديدا، وبعد فترة قصيرة علم الإمام أحمد بن حنبل بمرض الإمام الشافعي، فتحامل على نفسه رغم مرضه وذهب لزيارة الإمام الشافعي، فلما رآه الإمام الشافعي قال بيت الشعر هذا:

مرض الحبيب فزرته
فمرضت من اسفي عليه

شُفي الحبيب فزارني
فشُفيت من نظري إليه

وهنا أوقفك علي وصف عظيم حيث يصف ابن القيم رحمه الله المحبة في كتابه “مدارج السالكين” عند حديثه عن منزلة المحبة قائلًا:

“المحبة هي المنزلة التي تنافَس فيها المتنافسون، وعليها تفانى المحبُّون، وبروح نَسيمِها تروَّح العابدون؛ فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقُرَّة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرِمها فهو في جملة الأموات، والفوز الذي مَن فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عُدِمه حلَّت بقلبه جميعُ الأسقام، واللذَّة التي مَن لم يظفَر بها فعيشُه كله هموم وآلام…”؛ (تهذيب مدارج السالكين، ص50، طبعة المكتبة القيمة، هذَّبه عبدالمنعم صالح العلي).

وللمحبة ثمرات وثمرات عظيمة:

فلعلك تعلم أنه لا تُثمر شجرةُ المحبة إلا إذا تتبَّعتَ الطريقَ الصحيح في زراعتها ورَيِّها، وتعهدتَها بعد ذلك بالرعاية والعناية والمحافظة عليها من جميع الآفات حتى تؤتيَ أُكُلَها.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: “إذا غُرست شجرة المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواعَ الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلُها ثابت، وفرعُها في السماء مُتَّصِل بسدرة المنتهى.

لا يزال سعيُ المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجُبه دونه شيء؛ ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [سورة فاطر، الآية: 10]

ومن ثمار المحبة:

1- استشعار حلاوة الإيمان في القلب:
ففي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، وجد بهن حلاوةَ الإيمان: أن يكون اللهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكرهَ أن يعودَ إلى الكفر بعد إذ أنقذه اللهُ منه كما يكرهُ أن يلقى في النار).

فمتى أحب المسلمُ ربَّه ونبيَّه حبًّا صادقًا خالصًا، وجد للإيمان حلاوة ولذة في قلبه.

2- ومن ثمارها اليانعة حب الطاعات، وعمل كل ما يحبه الله ورسوله:

ففي دنيا الناس إذا أحب شخصٌ شخصًا حبًّا صادقًا، فإنه يسعى لإرضائه والتقرب إليه، وذلك بفعل كل ما يطلبه منه؛ بل يتعدَّى الأمرُ إلى أبعد من ذلك؛ فهو لا ينتظر حتى يطلبَ منه حبيبُه طلبًا معينًا، لا، بل يسعى هو ويجتهد ويسأل حتى يتعرف على كل ما يُرضي حبيبَه فيفعله، ولله تعالى المثل الأعلى، فإن العبد إذا أخلص الحب لربه جل وعلا، فإنه يتفانى في طاعته، ويُسرِع في تنفيذ أوامره وفرائضه، وربما لا يكتفي بذلك؛ بل إنه يُكثِر من النوافل والسُّنن وأعمال البر والخير؛ إرضاءً لربه.

ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمْعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأُعطيَنَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

والحديث يرسم طريقَ الوصول إلى محبة الله تعالى عن طريق فعل الفرائض والإكثار من النوافل، ويبيِّن كذلك ما يجري وما يحصل للعبد المحبوب من فضل وخير؛ فهو – أي العبد المحبوب – إن نظر فبالله، وإن تكلم فبالله، وإن مشى فبالله، وإن تحركت يداه فبالله…؛ لقد أصبح عبدًا ربانيًّا؛ إن سأل اللهَ أعطاه، وإن توكل عليه كفاه، وإن استعاذ به أعاذه، وإن دخل في حِماه حَماه.

3- ومنها أنه يحبه أهل السماء، ويوضع له القَبول في الأرض:

ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب اللهُ عبدًا، دعا جبريلَ فقال: إني أُحب فلانًا فأَحبَّه، فيُحبُّه جبريلُ ثم ينادي في السماء: إن اللهَ يحب فلانًا فأَحبُّوه، فيُحبُّه أهلُ السماء، ثم يُوضع له القَبول في الأرض).

ولقد أثمرت محبةُ الله تعالى لك حبًّا وقَبولًا عند الناس، وهذا لا يُشترى بالمال؛ لكنه سِرٌّ وروح تسري بين القلوب، فتتآلف وتتحابُّ بروح الله؛ فالأرواح جندٌ مجنَّدة، ما تعارف منها ائتلف؛ يقول تعالى: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [سورة الأنفال، الآية: 63].

ويقول تعالى أيضًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [سورة مريم، الآية: 96].

لكن ما هي الأسباب الجالبة للمحبة؟

من أنفع ما ذُكر في ذلك قولُ ابن القيم رحمه الله تعالى في (تهذيب مدارج السالكين ):
“الأسباب الجالبة للمحبة الموجِبة لها، وهي عشرة:

أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أُريد به.

الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض؛ فإنها تُوصِّله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان وبالقلب والعمل والحال؛ فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر.

الرابع: إيثار محبته على محابِّك عند غلبات الهوى، والتَّسنُّم إلى محابِّه وإن صعُب المرتقى.

الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدته، ومعرفتها وتقلُّبه في رياض هذه المعرفة؛ فمَن عرف اللهَ وصفاتِه وأفعاله، أحبه لا محالة.

السادس: مشاهدة بِرِّه وإحسانه وآلائه ونِعَمِه الظاهرة والباطنة.

السابع: وهو مِن أعجبِها -: انكسار القلب بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات.

الثامن: الخَلْوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدُّب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما يُنتقى أطايب الثمر.

العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.

اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحبا يقربنا إلي حبه واجمعنا اللهم مع المتحابين فيك تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظله.