أخبارالسياسة والمقالات

اليقين والبشرى ورؤية الرسول الكريم إضاءات مع سيف الدين قطز والعز بن عبدالسلام

إعداد/ د. محمد احمد محمود غالى
اليقين بالله من أجمل كنوز الدنيا وأبهى ثروات الحياة، فالحياة التى نحياها تحتاج منا إلى يقين بأن هناك رب لهذا الكون، قوي لا يضاهيه أحد في قوته وفي ملكه، كريم ليس لكرمه حد،
عليم بنا حين يجهل حالنا الجميع، جواد يمنحنا النعم، ولطيف يدفع عنا النقم،
سينقذنا بلا شك من أي محنة نتعرض لها.
إن غلقت جميع الأبواب في وجهك،
وأفلت الناس يدك، فلا تنس أن باب الله دائمًا مفتوح لك، بل وينتظر عودتنا إليه،
ونحن دائمًا في رعاية الله وحفظه. فلا يجعلك الشيطان إذا مر بك ابتلاء، أو شدة تظن أن الله سيوكلك إلى نفسك، ويتركك وحدك دون سند، تعالى الله عن ذلك، فعطاء الله عز وجل وجوده وكرمه كبير جدا وقريب منا فى كل الأماكن وكل الأوقات. إن عاملت الله بالثقة، وحسن الظن به؛ عاملك باليقين، وأعطاك ما تتمنى، فقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي: “أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً”. فاليقين بالله يفلق الصخر ويصنع المعجزات، فالله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فثقوا بالله وتوكلوا عليه واعلموا أن عطاء الله وكرمه ليس له حد. بعد اليقين تأتى البشرى فالله تعالى يبشرنا دائما بما يسر نفوسنا، ويسعد حياتنا، ويطرب أرواحنا، ويشرح صدورنا، ويثلح قلوبنا. وقد تجسد اليقين الذي يعقبه البشرى مع سيف الدين قطز، والذي يُعدّ بأنه أحد أبرز ملوك مصر، والذى كان أميرا من أسرة خوارزم شاه الملكية الحاكمة للدولة الخوارزمية الإسلامية بفارس، والتي كانت مجاورة لإمبراطورية المغول، وكان خاله السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه هو سلطان هذه الدولة. واسم قطز هو اسمٌ أطلقه التتار عليه؛ حيث قاومهم بشراسة خلال اختطافهم وبيعهم إياه وهو صغير. اسمه الحقيقي الأمير محمود بن ممدود الخوارزمي، وأبوه الأمير ممدود ابن عم وزوج أخت السلطان جلال الدين الخوارزمي. نشأ قطز نشأة الأمراء، وتدرَّب على فنون القتال على يد خاله السلطان جلال الدين نظرًا لاستشهاد أبيه وهو لايزال رضيعًا في حروب المسلمين الأولى ضد التتار. بعد سقوط الدولة الخوارزمية بِيع مملوكًا في الشام، بعد أن كان أميرا ينتظره التتويج على عرش مملكة أجداده. لم ييأس قطز، ولم يزجع أو يقنت، للتغير الرهيب الذى طرأ على حياته، ولم يلتفت للحال الذي وصل إليه كمملوكا بعد أن كان أميرا متوجا، بل كان قلبه مليئا بمحبة الله والثقة واليقين بعطائه ورحمته وكرمه. كان قطز كثير الصلاة في الجماعة، بطلاً شجاعاً كثير الخير، يرجع إلى دين وإسلام، وكان الناس يحبونه ويدعـون له كثيراً. وثق قطز فى ربه وزاد يقينه وثقته بالله عز وجل، واطمئن قلبه لمستقبل أفضل يملأه المولى عز وجل توفيقاً وجودا وكرما ونصرا، فجائته البشرى وزفت إليه السعادة والفرح والسرور برؤيا الرسول الكريم ﷺ . جاء قطز فى يوْم إلى الشيْخ عزالدين ابن عبد السلام مُتهَلِلَ الوجْهِ طيِّبَ النَّفْس.عليْهِ أثرُ الاغْتِسَال، والطِيْبُ ينْفَحُ من رأسِهِ وثِيابه. فسألهُ الشيخ مُلاطِفا: “ما هذا يا قطز.هلْ تزوَّجْتَ البارحة؟” فتبسَّمَ الشابُّ وقال: لا يا مَوْلاى.لقد أقْسمْتُ ألاَّ أتزوَّجَ إلاَّ بابنة خالى جُلْنار!. ولكنى رَأيْتُ (النبى صلى الله عليه وسلم) البارحة فى المنام. فأخبرت سيدى ابن الزعيم. فأمَرَنِى بالاغتِسال والتطيُبِ فجِئْتُ كما ترى! فقال الشيخ :خيْرا صنعْتَ، وبخيْر أشار عليك سيَّدُك. فحدَّثُنى عن رُؤْياكَ.فقال قطز: “أرقْتُ البارحَة ونابنى ضِيقٌ شديد،فقمْتُ فتوَضأتُ،وصَليْتُ النَّفْلَ وأوْترْتُ.ودَعَوْتُ اللهَ. ثم عدْتُ إلى فِراشِى، فغَلَبَتْنِى عيْناى ورَأيْتُ كأنى ضلَلْتُ طريقى فى بَرِّيَّة قفْراء. فجلستُ على صخْرة أبْكِى، وبينما أنا كذلك،إذا بِكَوْكَبَةٍ من الفِرْسان قدْ أقْبَلتْ يتقدمُها رَجُلٌ أبْيضُ جميلُ الوَجْهِ، على رأسِهِ جُمَّةٌ تضْربُ فى أُذُنيْهِ. فلما رَآنى أشار لأصْحابه، فوَقفوا ، وترجَّل . وَدَنا مِنِّى فأنْهَضَنِى بقوَّةٍ! وضربَ على صَدْرى، وقال لى: {قم يا محمــــود فَخُذْ هذا الطريقَ إلى مصـــــر فستمْلِكُها وتهزمُ التتارَ} فعجِبتُ من مَعْرِفَتِهِ اسْمِى . وأردتُ أنْ أسْأله: من هو؟ فما أمْهلنى أن رَكِبَ جَوادَهُ. فانْطلق. فصحْتُ بأعلى صَوْتى: ( مَنْ أنت ) فالتفتَ أحد أصْحابه وهم ينطلقون فى أثره: (وَيْلك ! هذا محمـــــــــــدٌ رســــــــــــولُ اللــــــــــــــــــــه صلى الله عليه وسلم)، وانتبهتُ من نوْمى وأنا أحسُّ برْدَ أنامِلِهِ فى صَدْرى” . فما ملكت نفسى من الفرَح أن انطلقت إلى سيِّدِى ابن الزعيم، فحدَّثْته بما رأيتُ فى منامى ففرح وبشَّرَنى وأمَرَنِى بالاغتسال فطيَّبَنى بيده، وقال لى: اذهب إلى مَوْلانا الشيْخ عز الدين ابن عبد السلام فاقصُصْ رؤياكَ عليه، وانْظرْ ماذا يقول لك فى تعْبيرها. تعجَّب الشيخُ من الرُّؤْيا، ثم قال:” مازلت تفكِّرُ فى المُلْكِ وهزْم التتار يا قطز، حتى أتاكَ النبىُّ ﷺ فبشَّرَكَ بهما، وإنها لرؤيا عظيمة فإن تكن صِدْقا فستملك مصــــرَ حقا وتهزم التتارَ، فإنَّ النبى صلى الله عليه وسلم يقول: {من رآنى فقد رآنى حقاً فإنَّ الشيْطانَ لا يتمثَّلُ بى} ” فجعل الشاب يُقبِّلُ رأسَ الشيخ ويلثمُ ظهر يده وهو يقول : بشَّرَكَ الله يا سَيِّدِى. فى هذا اليوم الطيب المبارك بعد ان قص سيف الدين قطز علي شيخه العز بن عبد السلام رؤياه للرسول الكريم سيدنا محمد
ﷺ مبشرا له انه سيصير ملكا علي مصر ويهزم التتر. دعا له شيخه بهذا الدعاء “اللهم حقق رؤيا عبدك قطز كما حققتها لنبيك يوسف عليه السلام “. نظر قطز الي شيخه و تمني منه ان يدعو له ان يلتقي بابنه عمه وحبيبته كي يتزوجها فتقر عينه. حينها دعا له شيخه بدعاء رائع قال فيه : “اللهم إن في قلب هذه العبد الصالح مضغة تهفو إلي إلفها في غير معصية لك فأتم عليه نعمتك واجمع شمله بأمتك التي يحبها “.
نهض قطز وقبل شيخه وصار يهتف الحمد لله سالقاها سأتزوجها
ويرد شيخه مبتسما ” إن شاء الله “
وصار قطز من بعدها يكرر دعاء شيخه في كل سجدة له غير انه كان يحذف منه كلمه ” الصالح ” ويكتفي ب ” العبد “.
وقد حقق الله تعالى لعبده قطز رجائه وأمنيته، بحسن يقينه وصدق إيمانه وتوكله على الله. فقد لقي ابنة عمه جلنار وتزوجها، وأصبح ملكا لمصر ، وحارب التتار فى معركة عين جالوت التى جرت أحداثها في ٢٥ رمضان عام ٦٥٨ هـ، الموافق ٣ سبتمبر ١٢٦٠ م. نصر الله عبده قطز وجيش المسلمين فى هذه المعركة نصراً عزيزاً مؤزَّراً، ورزقهم فتحاً مُبيناً، ويقيناً بأنه لا فعَّال ولا ناصر في الأرض إلا الله مصداقا لقوله عز وجل :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لقوي عزيز﴾ (الحج: ٤٠). إن أثر قطز والمجاهدين معه في معركة عين جالوت كان عظيمًا، وحين اطمأن قطز إلى نصر الله ترجل عن فرسه، ومرغ وجهه في التراب تواضعًا، وسجد لله شكرًا على نصره، وحمد الله كثيرًا وأثنى عليه ثناءً عاطرًا. لقد كان انتصار المسلمين في “عين جالوت” على التتار انتصار عقيدة وحسن ظن ويقين فى الله لا مراء. أنقذ الله تعالى بهذا النصر المبين الإسلام من الفناء، وأنقذ البشرية والحضارة من الإبادة والضياع. كانت هذه المعركة من أبرز المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي، وهي الأولى التي خسر فيها التتار، وبهذه الخسارة الفادحة تم ضم وتوحيد العالم الإسلامي تحت حكم المماليك لأكثر من ٢٧٠ عاما. كان لمعركة عين جالوت أيضا أثر عظيم في تغيير موازين القوة بين القوى العظمى المتصارعة في منطقة الشام، فقد تسببت خسارة التتار في المعركة من تحجيم قوتهم، فلم يستطع القائد التتاري هولاكو الذي كان مستقرا في تبريز من التفكير في إعادة احتلال الشام مرة أخرى، وكان أقصى ما فعله ردا على هزيمة قائده كتبغا هو إرسال حملة انتقامية أغارت على حلب. ووقف زحف التمدد المغولي في غرب العالم سواء في شمال أفريقيا والمغرب أو في أوروبا، وحمى العالم الأوروبي أيضًا من شر لم يكن لأحد من ملوك أوروبا وقتئذ أن يدفعه، وهذا ما أقرته بعض المصادر الغربية. لقد كان النصر والفتح بحسن اليقين والثقة بالله وصدق التوكل عليه، فلما كان الأمر كذلك وجب اليقين بحسن صنعه، فيما أحبَّ الإنسانُ وكَرِه، وأُعطيَ ومُنِع. فالخير كلُّه بيد الله، والأمر أجمعه إليه، فما أحسنَ اليقين بجميل فعله، وحسنِ صنعه جل جلاله. ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ (الشورى: ٣٦).

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى