بناء على طلب الجمهور المصري يعاد مقال ذكرى “الغائب الحاضر” “حبيب الملايين”

27

اعداد الكاتب سمير الشرنوبي. “العندليب” الأسمر عبد الحليم حافظ (٣٠ مارس ١٩٧٧)

“في يوم ، في شهر ، في سنة ، تهدى الجراح و تنام ، و عمر جرحي أنا أطول من الأيام ، وداع يا دنيا الهنا ، وداع يا حب يا احلام ، ده عمر جرحي أنا أطول من الأيام”

صدق حليم فحياته كانت على الرغم من النجاحات سلسلة من الجراح و آلآلآم ، بدأت بحرمانه من أمه و هو الرضيع الذي لم يتعدى عمره أيام قليلة ، ثم حرمانه من أبيه و هو في عامه الأول ، ليأتي بعدها الألم الذي دمر جسده النحيل عندما كان يلعب مع أبناء عمومته في ترعة القرية و أصيب على اثرها بالبلهارسيا و التي أدت الى تليف بالكبد عانى منه طوال حياته و اخيراً جُرح قلبه الرقيق عندما فقد حب عمره السيدة جيهان العلايلي بعد اصابتها بفيروس في المخ أودى بحياتها أثناء ترتيبات زواجهما.

هو عبد الحليم علي اسماعيل شبانة ، ولد بقرية الحلوات بمحافظة الشرقية و كان ترتيبه الرابع بين أخوته اسماعيل و محمد و عليه. توفيت امه بعد مولده بأيام ثم لحق بها الأب قبل ان يتم حليم عامه الاول ، ليتولى تربيته خاله محمد عكاشة الذي الحقه بالكُتَّاب ثم المدرسة الابتدائية . اما عن حقيقة وضعه بدار للأيتام فهي شائعة لا تخلو من بعض الصحة ، فالمؤكد أن عبد الحليم شبانة ارتاد الملجأ العمومي لقريته الحلوات التابعة لمركز الإبراهيمية محافظة الشرقية، وكان يقيم فيه طوال النهار، لسبب بسيط وهو أن الملجأ كان المقر الوحيد للآلات الموسيقية فى القرية كلها، وهناك تعلّم حليم عزف الموسيقى ومهارات الغناء، وهناك أيضا قابل الشاعر الكبير الراحل أحمد فؤاد نجم.

بدأت بوادر حبه للموسيقى تظهر عندما كان بالمدرسة حيث ترأس فرقة الأناشيد و تبناه مدرس له و علمه العزف على آلة “الأُبوا” ، التحق بعدها بمعهد الموسيقى العربية عام ١٩٤٣ قسم تلحين و هناك قابل احمد فؤاد حسن ، فايدة كامل ، علي اسماعيل و كمال الطويل. و من مفارقات القدر ان حليم التحق بقسم التلحين بينما التحق كمال الطويل بقسم الغناء و الأصوات الا ان القدر شاء ان يتبادلا الأدوار فيما بعد فغنى حليم من اروع ألحان الموسيقار العبقري كمال الطويل.

نظراً لتفوقه الدراسي حصل حليم على منحة دراسية الا انه فضل البقاء بمصر و عمل مدرساً للموسيقى بمدرسة بطنطا ثم الزقازيق ثم القاهرة ، الا ان حبه للغناء ملأ عليه كيانه فترك التدريس و التحق بفرقة الإذاعة الموسيقية عازفاً على آلة الأبوا عام ١٩٥٠م.

كيف تحول اسمه من شبانة الى حافظ ؟ ذات ليلة من ليالي عام ١٩٥١ التقى حليم برفيق عمره الاستاذ مجدي العمروسي في منزل الاذاعي فهمي عمر و كان من بين الحضور الاذاعي الكبير حافظ عبد الوهاب الذي منح حليم اسمه إيماناً منه بموهبته الفريدة.

تواريخ هامة في حياة حليم :
“١٩٥٢” وقف امام لجنة الاجازة بالإذاعة و التي كانت مكونه من محمد عبد الوهاب و ام كلثوم و شدا رائعة “يا حلو يا أسمر” كلمات سمير محجوب ألحان محمد الموجي و قد لاقت استحسان اللجنة و أجيز في الإذاعة المصرية كمغني.
“١٧ اغسطس ١٩٥٢” أطل على جمهوره لأول مرة على المسرح القومي بالإسكندرية و غني صافيني مرة الا ان الجمهور لم يتجاوب مع هذا اللون الغنائي المختلف و طالبوه بأن يؤدي شئ لعبد الوهاب !! فما كان منه الا ان خاطبهم قائلاً بكل عزه نفس “انا مش عبد الوهاب ، انا عبد الحليم حافظ و جيت عشان اغني أغنياتي انا” الا ان هذه الاغنية لاقت نجاحا كبيرا عندما غناها على مسرح الأندلس فيما بعد في حضور ١٣٠٠٠ متفرج و منها كانت انطلاقته الحقيقة في عالم الغناء. قدم حليم ما يقرب من ٣٠٠ أغنية ما بين الأغاني القصيرة الخفيفة ، الإيقاعية ، الطويلة ، الموال ، الوطنية ، القصائد و غيرها الكثير.

السينما في حياة حليم :
كانت بداياته ان شارك بصوته فقط في فيلمي “ليه تحسب الايام” و “بائعة الخبر” حتى جاءته الفرصة ليقدم اول أدواره السينمائية و كانت فيلم لحن الوفاء عام ١٩٥٥م امام الفنانة شادية مرورا ب ١٤ فيلماً اخرين حتى نصل لآخر افلامه و هو ابي فوق الشجرة عام ١٩٦٩م. حيث بلغ رصيده في السينما ١٦ فيلم.

رحلته مع المرض :
على الرغم من إصابة حليم بالبلهارسيا و هو طفل الا انه لم يعلم بمرضه الا عندما تعرض لنزيف في المعدة عندما كان مدعواً على الافطار عند احد أصدقاءه حوالي عام ١٩٥٦. و عندها نلاحظ اختلاف اختياراته الغنائية بعدما كانت تميل الى التفاؤل و المرح أصبحت تميل الى الشجن و الحزن. و من هنا بدأت رحلة العلاج التي قضاها ما بين مصر و لندن رافقته فيها سكرتيرته الانسة سهير محمد علي حيث بدأت عملها معه من عام ١٩٧٢ و حتى وفاته ١٩٧٧. اجرى حليم خلال رحلة علاجه حوالي واحد و ستين عمليه جراحية.

وفاته :
وافته المنية يوم ٣٠ مارس عام ١٩٧٧ بمستشفى كنجز كولدج بلندن و ارجع الأطباء سبب الوفاة الى الدم الملوث الذي نقل له حاملا معه فيروس سي و الذي كان من الصعب علاجه في وجود تليف الكبد الذي تسببت به البلهارسيا كما انه تعرض لنزيف في اخر جراحة لم يتمكن الأطباء من ايقافه ، فتوقفت معه حياة العندليب الاسمر بعد رحلة قصيرة حافلة بالانجازات و الأحداث الا انها حملت معها الكثير من الجراح و الآلام.

جنازته :
عاد جثمانه على متن طائرة مصر للطيران قادماً من لندن و كان في رفقته شقيقته السيدة عليه شبانة ، الاستاذ مجدي العمروسي ، السيدة نهلة القدسي زوجة محمد عبد الوهاب و ابن خالته شحاته. وصل الجثمان الساعة الثالثة فجراً و كان في انتظاره اخويه اسماعيل و محمد و بعض الفنانين منهم الفنان بليغ حمدي.
و للشيخ الشعرواي الذي كان وزيراً للأوقاف في ذلك الوقت موقف انساني لا يمكن تجاهله فقد كان من المقرر ان ينتقل جثمان العندليب الى مستشفى المعادي و منها الى مسجد عمر مكرم صباحاً حيث خروج الجنازة الا ان الشيخ الشعراوي امر بفتح المسجد و ابقاء الجثمان مسجى به حتى صباح اليوم التالي.

كانت جنازته رحمه الله أسطورية حيث نقل الجثمان بعربة خضراء مكشوفة محاطة بالورد و لف جثمانه بعلم مصر و اعلى السيارة تقف صورته. بلغ عدد المشيعين ٣ مليون مشيع. حضر الجنازة معظم اهل الفن و الأدب و الثقافة الا ان الفنان عبد الوهاب قد تخلف عن الحضور نظراً لتعرضه لصدمة عقب سماعه الخبر. شهدت الجنازة إغماءات بين الشباب و الفتيات من محبي الفنان الراحل حتى ان جارته و كانت فتاة تبلغ من العمر ٢١ سنة قد ألقت نفسها من الدور السابع حزناً عليه. سارت الجنازة حتى وصلت الى مثواه الأخير حيث وارى جسده التراب في مقابر البساتين.

و نحن اليوم نهدى روح عبد الحليم “جواب” و بنقول له “بعد الأشواق بنهديك دعوات خالصة من القلب بالرحمة و المغفرة باْذن الله