المقالات والسياسه والادب

بنضحك وإحنا بننزف بصمت

بنضحك وإحنا بننزف بصمت

كتبت/ د/ شيماء صبحي 

في أوقات كتير بنحس إن الدنيا ماشية بينا على سكة إحنا أصلًا مش عايزنها، بنمشي فيها غصب، ونحاول نقنع نفسنا إن كل ده هيعدّي، وإننا أقوياء كفاية نتحمّل.

بس الحقيقة؟ إحنا مش دايمًا قويين. إحنا بس اتعلمنا نلبس وشّ القوة كويس.

 

بنضحك في وش الناس، وبنرمي نكت خفيفة كأن ما فيش حاجة وجعانا، وبنرد على كل “عامل إيه؟” بابتسامة باهتة و”الحمد لله”، رغم إن جوا القلب في حرب شغالة، وصوت الدمار محدش سامعه غيرنا.

 

بنتعامل كإن الحمل اللي على كتافنا ولا حاجة، وبنحاول نفتح إيدينا للعالم، نحضنه، نساعد غيرنا، نطبطب، نكون الظهر والسند، رغم إن جوانا محتاج حد يطبطب علينا إحنا الأول.

مش بنطلب شفقة، ومش مستنين حد يفهمنا، لأننا خلاص عرفنا إن مش الكل بيقدر يشوف اللي وراء الضحكة، ولا يحس باللي وراء الصمت.

 

كل اللي نفسنا فيه لحظة واحدة بس، لحظة نرمي فيها تعبنا على كتف أمان حقيقي، مش أمان مزيف ولا مؤقت.

لحظة نغمض فيها عينينا وننسى كل اللي وجعنا، نحس إننا مش مضطرين نتمالك نفسنا، ولا نضحك غصب، ولا نكون الأبطال في كل مشهد.

 

أوقات كتير مش بنبقى محتاجين حلول، إحنا بس محتاجين حضن، أو كلمة صادقة، أو حتى سكوت من غير أحكام.

محتاجين نسمع “أنا حاسس بيك” من غير نصيحة بعدها، ومن غير تحليل ولا مناقشة.

 

الخذلان علمنا نخاف نحكي، والخذلان خلانا نحط جدار بيننا وبين العالم. بس جوه الجدار ده، فينا طفل صغير لسه بيتمنى الأمان، لسه بيحلم بإنه ينام وهو مطمن، من غير خوف، من غير واجع، من غير تظاهر.

 

فـ لما تشوف حد بيضحك دايمًا ومبين عليه إنه قوي، متصدقش الصورة على طول…

يمكن جواه وجع أضعافك، ويمكن لو سألته “عامل بجد؟” بدل “عامل إيه؟” هتسمع القصة اللي عمره ما قالها.

 

إحنا مش دايمًا بخير، بس بنتظاهر، علشان الحياة علمتنا إن الضعف بيتحاسب، وإن الصمت أأمن من الكلام.

بس بين كل تنهيدة والتانية، لسه جوانا أمل بسيط… أمل في يوم نلاقي فيه السلام اللي بندور عليه، وكتف الأمان اللي نقدر نغفو عليه من غير ما نخاف نصحى لوحدنا تاني. 

 

التحليل النفسي

اللي بيتظاهر بالقوة وهو مكسور من جوّه مش بيعمل كده عشان بيحب التمثيل، ولا لأنه عايز يضحك على الناس، بالعكس… هو بيعمل كده لأنه اتكسر كتير، واتعلم إن الضعف في العالم ده بيتحاسب عليه.

بيخاف لو ورّى وجعه يتقال عليه “ضعيف”، أو يتاخد منه اللي باقي له من كرامة. فبدأ يحط وشوش، واحدة ورا التانية، لحد ما نفسه نسي شكله الحقيقي.

 

فيه ناس بتتظاهر بالقوة لأنها شايفة إن محدش هيستحمل حكايتهم، أو لأن كل مرة حكوا فيها وجعهم، الناس خذلتهم أو استخفّوا بيه. فبقوا يخفوه، ويضحكوا بدل ما يشرحوا، ويسكتوا بدل ما يبرروا.

القوة الظاهرية دي في الحقيقة هي آلية دفاع نفسي، بيحاول بيها الإنسان يحافظ على اتزانه، وما ينهارش قدام الناس، لأن الانهيار بالنسباله معناه فقد السيطرة تمامًا.

 

وفيه سبب أعمق كمان…

اللي بيتظاهر بالقوة هو في الغالب شخص حسّ بالخذلان من أقرب الناس، فبنى جواه جدار اسمه “الاكتفاء بالنفس”، وبدأ يعتمد على نفسه في الترميم، حتى لو الترقيع بيؤلمه.

هو فاهم إن مفيش أمان مطلق، فبيصنع لنفسه أمان شكلي على الأقل، أمان في الهدوء، في الصمت، في “أنا تمام” اللي بتتقال وهيا عكس اللي جواه تمامًا.

 

لكن الحقيقة النفسية بتقول إن الإنسان لما يفضل يخبّي وجعه فترة طويلة، بيتحوّل الوجع ده لضغط داخلي بيمزّق روحه بهدوء.

لأن التظاهر بالقوة مش علاج…

هو مسكّن مؤقت بيخدّر الألم، بس ما يشيلوش.

 

العلاج الحقيقي يبدأ لما يعترف الإنسان بوجعه لنفسه، مش لازم قدام الناس، يكفي يعترف بينه وبين ربنا أو نفسه إنه تعبان، محتاج يرتاح، محتاج مساحة أمان.

ومن اللحظة دي يبدأ التعافي.

 

القوة الحقيقية مش إنك ما تقعش،

القوة الحقيقية إنك تقع، وتعرف تقوم،

من غير ما تفقد إ

نسانيتك، ومن غير ما تكره نفسك لأنك ضعفت يوم.

مقالات ذات صلة