بين كــافـــكا ونابليـــون

بقلم الأديب المصرى

د.طارق رضوان جمعـه

“لم أمضِ يومًا واحدًا دون أن أحبكِ، ولا ليلة واحدة، دون أن أعانق طيفكِ‎ وما شربت كوبا من الشاي دون أن ألعن العظمة والطموح‏‎ اللذين اضطراني إلى أن أكون بعيدًا عنكِ وعن روحكِ الوثّابة، التي أذاقتني عذوبة الحياة‎، إن اليوم الذي تقولين فيه أن حبكِ لي قد نقص، هو اليوم الذي يكون خاتمة حيات”، ( من رسائل القائد العظيم نابليون بونابرت لجوزفين)
ايها الحب القاسى العنيد ،كم جعلت من العُباد الزُهاْد زنادقة أثمين بقلوب غُلف ، وكم حولت العصاة الجناة إلى أتقياء أنقياء. كم بنيت من قصور وأحلام جميلة، كم دمرت ممالك وأساطير كبيرة.نظل نبجث عنك ونلهث ، لكن حين نجدك نخشاك ونبتعد عنك . فقد يعود خوفنا هذا غلى تربيتنا وما بها من أخطاء نفسية وإجتماعية وقد تربكنا احوال الحياة والمعيشه،فنؤثر الوحده والعزله. وصرنا لا ندرى أنحب الحب أم نلومه على فلعه وأفعاله بقلوبنا التى صارت أسيرة له.أى جبروت هذا فقد اصابت سهامك الصغير والكبير ،الغنى والفقير، ممالك وامبراطوريات تتبدل وتتغير وعروش يتنازل عنها الملوك والأمراء والسفراء باسمك وتحت شعارك …ما اسعدك ، ولكن ما أظلمك وما أقسى سهامك التى لا تتعقل ولا ترحم نفوسنا.
لقد فاق جبروتك جبروت الزعيم الألماني صاحب نظرية تفوق العرق الآري أدولف هتلر. مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية، منيت الجيوش الألمانية ا بهزائم متتالية اضطرتها للإنسحاب أمام جيوش الحلفاء، بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالرغم من ذلك قررهتلر عقد قرانه على عشيقته إيفا براون قبل أن ينتحرا سويا بعدها بـ40 ساعة، في مشهد رومانسي يتباين مع الدمار الهائل الذي ضرب العاصمة برلين بل وجميع التراب الألماني بسبب الحرب العظمي. فمن هي إيفا براون؟ وُلدت إيفا في مدينة ميونيخ الألمانية وتلقت تعليمها في أحد الأديرة، والتقت بالزعيم النازي أدولف هتلر عندما كانت تعمل مساعدة لأحد موظفيه ومصوِّره الشخصي هَينريخ هوفمان في عام 1929م، ويحكى عنها أنها دست رسالة غرامية في جيب هتلر فقام على إثر هذه الرسالة بدعوتها لمنتجعه الجبلي.
ويأتي كتاب «رسائل إلى ميلينا» في مقدمة كتب أدب الرسائل في العالم؛ ففي رسائل كافكا إلى ميلينا، كان كافكا مشغولًا انشغالًا بالغًا بنقل أعمق مشاعره إلى إنسانٍ آخر، وكانت ميلينا التي قامت بترجمة بعض قصصه من اللغة الألمانية إلى اللغة التشيكية امرأة مرموقة لتميزها بمميزات عدة
لقد كانت رسائل كافكا إلى ميلينا بمثابةِ ثرثرات يومية يروي لها فيها أدق تفاصيل يومه. فرجلٌ مثل كافكا، بكآبته وسودويته لا يسعه أن يكون بمثل هذا الوضوح أمام أي مخلوق. فقط محبوبة تتمثّل له في نفسه، يهدم أمامها قلاعه، ويخاطبها بتوسل جنديٍّ أعزل، فقدَ معها أسلحته عن عمد، رافعًا الراية البيضاء وقد خُطَّ عليها رسائل العشق والفن. تمنحه السعادة.. فيمنحها الثرثرة، وبعض الرسائل.
«المرء على أية حال لا يثرثر إلا عندما يشعر مرة بشيٍء من السعادة.»
«وأنتِ يا ميلينا لَو أحبكِ مَليون فأنا مِنهم، وإذا أحبكِ واحد فهذا أنا، وإذا لم يحبك أحد فأعلمي حينها أنّي قد مُت.»
أنني أحاول طوال الوقت أن أنقل إليكِ شيئًا لا يمكن نقله، أن أشرح لكِ شيئًا لا يقبل التفسير. أن أخبركِ بشيٍء يسكن في عظامي ولا يمكن أن تعاني تجربة معرفته فقط سوى هذه العظام وعسى ألا يكون ذلك في الأساس شيئًا سوى ذلك الخوف الذي تحدثنا عنه مرارًا بالفعل. إلا أن الخوف قد امتد إلى كل شيء. الخوف من عظائم الأمور كالخوف من التوافه. الخوف المتشنج كي لا ينطق كلمة. ومن ناحية أخرى فلعل ذلك الخوف ألا يكون خوفًا فقط، لكنه توق في الوقت نفسه إلى شيٍء هو أكبر من كل الأشياء التي تبعث الخوف.»
وكانت ميلينا عندما التقت بكافكا امرأة متزوجة، أما كافكا فكانت قد استغرقته بالفعل علاقاته وخِطباته المتعددة؛ لهذا لم يكن لتعلقهما أيةِ غاية سعيدة، بل لقد بدأ هذا الافتتان العاشق يتحطّم بالفعل بعد فترة لم تكد تبلغ العام.
«نصحتك بالأمس بعدم الكتابة إليّ يوميًا، وما يزال هو ما أراه اليوم وسوف يكون هذا خيرًا لكلينا، ومرة أخرى أعود إلى هذا الاقتراح اليوم، وفوق ذلك فإنني أطلبه بمزيد من الإلحاح – فقط، أرجوك يا ميلينا ألّا تلتزمي بهذا الاقتراح، بل اكتبي إلي يوميًا، على الرغم من ذلك، قد تكتبين في اختصار شديد، رسائل أقصر من الرسائل التي ترسلينها إلي الآن، سطرين فقط، أو سطر واحد، المهم هو أن حرماني من هذا السطر الواحد، سيكون معناه عذابي الرهيب.»
كانت ميلينا في الثالثة والعشرين من العمر حين بدأت علاقتها الزوجية تنهار، وهو ما أدى للانفصال التام. كما فسخ كافكا خطوبته من فليسيه باور التي ترجاها الليالي لمدة خمس سنوات كي تقبل به.ويحقّ القول أنّه كان يعاني من فوبيا الزواج.
«قليلة هي الأشياء المؤكدة، و أحدها هو أننا لن نعيش معًا مطلقًا.. في نفس الشقة، جسدًا لجسد، و نجلس إلى نفس المائدة.. أبدًا.»
لكن الإحساس بالسعادة والإرتياح لا يدوم طويلًا مع كافكا، فها هي الغيرة تنخر قلبه، ويبدأ كل منهما في إلقاء اللوم على الآخر، كانت كثيرًا ما تلقي اللوم عليه لخوفه الشديد، غير المبرر في كثير من الأحيان، والذي أصبح مسيطرًا عليه حتى أصبح كـتهديد دائم له.
على عكس مُعظم قصص الحُب التي كانت ترويها لنا الجدّات والتي عادةً ما تُتوَّج بنهاياتٍ سعيدة يُقبّل فيها الأمير حبيبته، كانت نهاية كافكا وميلينا لا تختلف كثيرًا عن حياتهما، بائسة وحزينة؛ فبعد عامٍ من غرامهما، هاجمَ السُّل جسد كافكا المسكين، وأما ميلينا فقد قبعت سجينة في السجون النازية لا يعلم عنها أحدٌ شيئًا.. في حكايةٍ لن ترويها الجدّات أبدًا!
“قَدْ حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافُّونَ مِنْ أَجْلِي ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَبَاذَلُونَ مِنْ أَجْلِي ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي(حديث)
فلولا وصاية الكريم به ما وقرناه ولا عرفنا بابه. لكنك سر الوجود وإنما أخشاه وويل لى من نقصه أو فيضانه.فالإعتدال الإعتدال …وإلا فالكوارث والحزن فى اعتناقه.
كانت سعادة نفسي في تصوّرها
و النفس يسعدها و هم و يشقيها
بالوهم توجد دنيا لا وجود لها
و تنطوي عنك دنيا أنت رائيها
فكم ظمئت و في روحي جداولها
و كم رويت و غيري في سواقيها…(إيليا أبو ماضى)
وكان حسني مبارك يلبي دعوة احد تلامذته في الكلية الجوية للعشاء، في منزل أسرته، بمناسبة نجاحه. وهناك وقعت عيناه على سوزان التي تزوجها في عام 1958.
ولا ننسى قصة حب وزواج (محمد السادس وسلمى)، و سر النظرة الأولى التي جمعت بين ملك وفتاة فقيرة، في حفل لشركة تملكها العائلة المالكة المغربية، عام 1999، إذ كانت سلمى تعمل فيها كمهندسة.
وإليك عزيزى القارىء 1200 رسالة حب بعث بها الرئيس الفرنسي الأسبق ”فرانسوا ميتران“ على مدى ثلاثين عاما لعشيقته ”آن بينجو“ ووالدة ابنته مازارين، التي اختارت أن تنشرها في كتاب بعد عشرين عامًا من وفاته.
إنها 6 سنوات خط خلالها ميتران رسائل لعشيقته في 22 دفتراً من القطع A4، حيث كان يقص ويلصق المقالات السياسية والبورتريهات التي تكتب في الصحافة عنه والرسومات الكاريكاتورية، وحتى الإعلانات، ويكتب ملاحظات عليها، وحين ينتهي الدفتر يسلمه لها، كدليل على عشقه وولعه بها، لتتحول تلك الرسائل بعد نشرها إلى شهادة تاريخية، تكشف الوجه الآخر للرئيس، أي “ ميتران“ الأديب من خلال رسائله الرومانسية.
أيضاً القائد العسكري الفذ ”نابليون بونابرت“، الذي غزا بحصانه الأبيض الأشهب، بلدانًا، وهز عروشًا، وأقلق مضاجع ملوك أوروبا بأسرها، كان حينما يسدل الليل ستاره، ويجلس في خيمته وحيداً، يتحول إلى عاشق مفتون بحبيبته، التي لم يستطع أن يغزو قلبها ويتربع داخله، إنها مأساته العاطفية مع فاتنته وزوجته ”جوزفين“ وعصره المليء بالاضطرابات التي ثارت إبان الثورة الفرنسية، وأعمال العنف التي أعقبتها، وبروز وسطوع نجم ”بونابرت“ نفسه وأفوله.
فحينما رحل عنها، بعد 11 يوماً من زفافهما على رأس الجيش الفرنسي إلى إيطاليا، وفي الحرب، ورغم انتصاراته، كان هناك شيء أقوى يضفي على نابليون الحزن العميق، ألا وهو فراق حبيبته، وكان يكتب لها أروع الخطابات، بلغ عددها 33 ألفا، وكان يبعثها لها، ويشكو لها حاله، وما وصل إليه من الشوق، وهو في غمار المعارك، وزهو الإنتصارات.

وختاماً يقول الحبيب عليه الصلاة والسلام ” لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا . وإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ , فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ , ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ(حددث)