تجديد الخطاب الديني

9

تجديد الخطاب الديني

بقلم الإعلامي/ يوحنا عزمي

 

أشفقت على الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي وهو يتحدث عن نظرته المستقبلية للتطوير في المملكة.

 

في الأمور الحياتية هو أمر عادي ، لكنه دخل بجرأة شديدة إلى الكلام عن أمور فقهية شديدة الصلة بقواعد وأصول الدين ، فالرجل ليس مؤهلا للخوض في هذه المسائل الدقيقة لكنه تكلم.

 

رأيي أنه نجح في تفادي الانزلاق إلى مناطق جدلية كان يمكنها أن تجلب له مشاكل كبيرة.

 

أولا .. هو تجديد وليس تبديلا أو تبديدا حتى نقطع الطريق على من يريدون بقاء الوضع على ما هو عليه كالقضايا المتوقفة أمام المحاكم ، نحن في حاجة ماسة لأن نشرك الدين في حياتنا وحل قضايانا ولا نتخذه مجرد طقوس تؤدى.

 

– اشرح تصوري للموضوع في عدة نقاط..!!

 

• مهم جدا الاتفاق أولا على وضع فهم محدد وواضح لقواعد الاستنباط والاستدلال والتحديد الدقيق للاصطلاحات من شأنه أن يؤسس لقواعد متينة في عملية البحث وتقريب المفاهيم المشتركة ويقلل كثيرا من مساحة الاختلاف.

 

• مراجعة النصوص “التفاسير” لا يجب إطلاقا أن تترك للدهماء والدخلاء وعامة الناس من خلال الإعلام والسوشيال ميديا أو غيرهما ، سيكون خطأ قاتلا ، بل يجب أن يكون بوساطة علماء مستنيرين من داخل وخارج مصر فالموضوع ليس مصريا بل يخص المسلمين في كل بقاع الأرض.

 

بصراحة تعاطفت مع فضيلة شيخ الأزهر عندما أبدى تخوفا من مسألة التجديد هذه لأن المتربصين والكارهين لدين الله لا يخفون نواياهم ويظهرونها علنا في وسائل الإعلام وأسماؤهم معروفة للجميع ، لهم قدرة كبيرة على التأثير في الناس.

 

• نجاح الخطاب الديني شديد الصلة بنجاح من يقدمه ويشرحه للناس ، فالأمر إذن مرتبط بتطوير قدرات الإئمة والدعاة من حيث لغة البيان والقدرة على إيصال المعلومة ثم الدراسة المتعمقة للمسائل التي تخص المجتمع وتقديم إجابات وافية تشبع رغبة الناس في المعرفة .. إلخ.

 

هذا يستدعي إعادة هيكلة كاملة لمؤسساتنا الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف ومنابر الدعوة ثم الاهتمام بخطبة الجمعة والمطبوعات الدينية وكذالك اقتحام البث الفضائي لإيصال الدعوة الإسلامية إلى أكبر عدد من الناس.

 

وهنا بعض النماذج التي يمكن للخطاب الديني المستنير أن يسهم فيها إسهاما فاعلا ..!!

 

– الخطاب الديني لابد وأن يكون متوازنا يربط الدنيا والآخرة معا ، من المهم أن يصل إلى فهم الناس أنهما شيء واحد وليسا شيئين منفصلين ، فالعمل الصالح في الدنيا هو السبيل إلى الفوز بالجنة في الآخرة ، سيتبين فيما بعد أننا سنبني عليه كثيرا من القواعد في عملية التجديد.

 

– التوفيق بين آيات القرآن الكريم والأحادث النبوية التي تحث على قيم العمل والسعي في طلب الرزق والاجتهاد في طلب العلم والتأكيد على أن قوة الإسلام تأتي من قوة المسلم ، جانب كبير من الدعوة يزهد الناس في الدنيا على اعتبار أنها نقيض الآخرة.

 

– إعادة البحث المتعمق حول الأحاديث التي نسبت للنبي حول الفهم الصحيح لمصطلح الجهاد ومضاهاته بما ورد في القرآن الكريم وذكر الظرف الذي قيل فيه الحديث والمناسبة التي نزلت فيها الآية للخروج بفهم أوسع وأعمق لمسألة تسبب الفهم الخاطيء لها في إراقة دماء كثيرة وضحايا أبرياء ليس بعشرات بل مئات الألوف ومازال مسلسل سفك الدماء مستمرا بسبب تقصير العلماء في توضيح وشرح مفهوم الجهاد الصحيح الموثق بالآية والحديث .. أليست مسألة تستحق البحث.

 

– التأكيد على مفهوم التعايش بمعناه الأوسع “الشراكة الكاملة في كل مناحي الحياة ” وكذالك قبول الآخر ثم الاستعداد الكامل للتعامل معه بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو جنسه حتى وإن كان ملحدا من أصله ، فالقاعدة الذهبية للتعايش “الدين لله والوطن يسع الجميع” هي التي يجب أن تسود ويخضع لها كل من يعيش داخل حدود هذا الوطن.

 

حساب العقائد والضمائر اختص بها المولى المعبود نفسه ولم يوكل بها أحدا من عباده ، أما التعامل فتحكمه قوانين البشر

نحن في حاجة إلى تأصيل هذه المفاهيم من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية وهما زاخران بما يدعم هذه المعان بشكل مبسط وجميل.

 

– بيان مواطن الجمال والحث على القيم الجمالية التي وردت في القرآن الكريم وهي التي تحث على النظافة والنظام واحترام حقوق الآخرين في الجوار والطريق والعمل … إلخ

 

لا يخفى أن الحال المزري للمجتمعات المنسوبة إلى الإسلام أعطى انطباعا غير حقيقي عن دين عظيم حرص على تقديم القيم الجمالية بأفضل صورة.

 

أنظر إلى حالات التعدي على الطريق أو إلى أكوام الزبالة في شوارعنا ولن تكون في حاجة إلى معرفة كم نحن بعيدون كل البعد عن ديننا الجميل.

 

– إعادة النظر في مواضيع مستحدثة مثل الفنون بأنواعها والآداب وكل ماله صلة ببناء الذوق وتحريك الوجدان ..

 

هناك من يحرم السماع للموسيقى مثلا ولا نعرف على وجه الدقة هل هو حرام أم حلال ؟

 

قس عليه .. ما هي الحدود التي يجب أن يتوقف عندها الإبداع والخيال ؟ أسئلة بلا شك في حاجة إلى أجوبة.

 

– التشديد على حرمة المال العام وقبول أو دفع الرشاوي أو التعدي على الأملاك العامة وأراضي الدولة أو مخالفة القوانين الحاكمة على أساس أنها وضعية وليست شرعية.

 

مثال .. ستجد من يحرص على إخراج الزكاة لكنه يتفنن في التهرب من دفع الضريبة ، هنا يوجد فصل بين طاعة الله في أمر الزكاة وطاعة ولي الأمر في موضوع الضرائب ، مع أن اقتران طاعة الله والرسول وولي الأمر جميعها أتت واضحة بصريح النص الكريم ، هو مجرد نموذج فقط.

 

وضعنا مأساوي بسبب تخلف الخطاب الديني في هذه المواضيع ، ألا يستحق إعادة النظر.

 

– وضع حد للتشكيك المستمر في عمل البنوك والبورصات وشركات التأمين والتعامل مع الموسسات المالية العالمية والارتباط بالاقتصاد العالمي ، هناك من يتهم الدولة بالكفر ومحاربة الدين لأنها تسمح بذلك.

 

السؤال .. عندما نفتح بابا للحوار والنقاش من أجل تنقية الخطاب الديني ، سمه تجديدا أو تطويرا أو تحديثا فلن نختلف كثيرا على المسمى ، المهم الهدف والمضمون.

 

ألا ياتي ذلك من حبنا وحرصنا الشديد على الدين الذي هو بصدق ثروتنا ورأسمالنا.