تحويل القبلة وتحول القلوب إلي الله

40

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
إن القلب إذا كان متعلقا تمام التعلق والحب بالله تعالي هيأ الله له من الأسباب وسبب له من المسببات ما يعينه على ذلك .
وهذا ما هو حاصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي كان دائم التعلق والاتصال بالله تعالي .
فقد كان من حكمة الله تعالي أن تكون الكعبة المُشرفة قبلة للمسلمين بعد أن حازوا شرف التوجه إلى بيت المقدس ليكونوا من أهل القبلتين، وليتميزوا عن المشركين قبل الهجرة، وعن اليهود بعد الهجرة[القول المبين ، ص168].
وقد كان الهادي البشير بأبي وأمي ونفسي وكل جوارحي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتبط قلبه بالكعبة المشرفة وبمكة، ولم لا؟!
وهي أحب المدن والبلاد إلي قلبه صلي الله عليه وسلم، حتى قال الدعاء المعروف عند هجرته من مكة، وتركه لأراضيها المقدسة، فكان يقول صلى الله عليه وسلم: «والله إنك لأحب أرض الله إليَّ وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»
وقد استجاب الله تعالى فيه رجاء رسوله صلى الله عليه وسلم حقق الله تعالى لرسوله فى هذا الشهر ما كان يأمل ويرجوا.
وقد فرضت الصلوات الخمس علي رسول الله وعلى أمته فى ليلة الإسراء والمعراج وكانت الإسراء والمعراج قبل الهجرة ، والمعنى أن المسلمين أقاموا الصلاة المكتوبة وهم فى مكة قبل الهجرة وقد أمر الله نبيه والذين آمنوا معه أن تكون القبلة فى صلاتهم إلى بيت المقدس
فكان المسلمون يصلون ومعهم رسول الله فيجعلون الكعبة فيما بينهم وبين بيت المقدس فيجمعون بذلك بين القبلتين ثم يصلون ..
وقد بقى المسلمون يجمعون فى الصلاة بين القبلتين ما شاء الله زمنا ، ثم أُذن لهم فى الهجرة من مكة فخرجوا إلى المدينة ولحق بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى المدينة تعذر على النبى والذين آمنوا معه الجمع بين القبلتين ..
فكان المسلمون يصلون مع رسول الله ويستقبلون بيت المقدس ، وبيت المقدس لم يتخذه اليهود قبلة تبعا لوحى من اللَّه تعالى بل كانوا يستقبلونه باختيار منهم ..
فقد روى الإمام أبو داود رحمه الله في الناسخ والمنسوخ أن اليهود لم تجد فى التوراة القبلة ولكن تابوت السكينة كان على صخرة بيت المقدس فلما غضب اللّه عليهم رفعه وكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشورة منهم
ولما كان عدد كبير من اليهود يسكنون المدينة ورأوا رسول الله يصلى إلى قبلتهم فرحوا وقالوا عرف محمد أننا على الحق فاتبع قبلتنا وقال فريق منهم كيف يزعم محمد أنه على ملة إبراهيم ثم يستقبل فى صلاته قبلةً غير قبلة إبراهيم ؟
وصل هذا الكلام وغيره إلى رسول الله وإلى الذين آمنوا فحزنوا واستمر حزنهم هذا عاماً ونصف العام يسمعون من اليهود ما يكرهون ولا يدرون ماذا يفعلون
وفى يوم من الأيام ، وجبريل عليه السلام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريل يا نبى الله ما لى أراك محزونا فقال يا جبريل وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقال جبريل يا نبى الله أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسله”
فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء ويقلب وجهه ويدعو رجاء أن يأذن له ربه أن يولى وجهه فى
الصلاة جهة المسجد الحرام
وليس غير واحد يصله أن ما فعل رسول الله ذلك بغضاً للصلاة إلى بيت المقدس :
كلا…وإنما قلب النبى صلى الله عليه وسلم بصره فى السماء وتمنى على ربه أن يحول قبلته إلى البيت الحرام لأن البيت الحرام مفخرة العرب لأنه البيت الذى جعله الله مثابة للناس وأمنًا لأنه البيت الذى جعله الله مزارًا ومطافًا للناس
وفى الصلاة الى البيت الحرام كذلك فتح الباب أمام العرب للدخول في الإسلام وهي حكمة جاءت بها الأحداث بعد ذلك ، ثم إن الصلاة الى البيت الحرام هى أقدم القبلتين وقبلة الخليل عليه السلام كانت إلى البيت الحرام
،وقد أثبت القرآن أن أولى الناس بملة إبراهيم وهديه ودينه هو نبى آخر الزمان محمد صلى الله عليه وسلم .
قال الله عز وجل :{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }(سورة آل عمران، الآيات67،68)
فقد قلب النبى صلى الله عليه وسلم وجهه فى السماء وسأل ربه وتمنى عليه فلبى السميع القريب رجاء حبيبه صلى الله عليه وسلم ونزل الأمين بالبشارة يقول يا نبى الله إن السلام يُقرأك السلام ويقول لك
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}(سورة البقرة، الآية: 144)
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود ، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) إلى قوله : ( فولوا وجوهكم شطره ) فارتاب من ذلك اليهود ،
وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب [ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ] ) وقال : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) [ سورة البقرة، الآية : 115 ]
وقال الله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه )
وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري ، عن عمه عبيد الله بن عمر ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء فأنزل الله : ( فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) إلى الكعبة إلى الميزاب ، يؤم به جبرائيل عليه السلام .
هذه الكلمات نزلت على قلب رسول الله برداً وسلاماً نزلت فغسلت هموماً وغموماً وأذهبت حزناً وكمداً كان قد ابتلى به المسلمون على مدار العام ونصف العام
{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}
فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته التى استجاب الله لها وفرح المسلمون بالقبلة الجديدة التى تخالف قبلة اليهود
قال أبو سعيد بن المعلى كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصلي فيه قال فمررنا يوما وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقلت لصاحبٍ لى هذا رسول الله على المنبر أحسب أنه قد حدث أمر قال فجلست أنا وصاحبى فسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية :
{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .
قال أبو سعيد فقلت لصاحبي تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى إلى البيت الحرام من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال فتوارينا فصليناهما. ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ .
وفى الوقت الذى نزل فيه الأمر بتحويل القبلة برداً وسلاماً على قلب النبى والذين آمنوا نزل تحويل القبلة على اليهود كريح صرصر عاتية نزلت الآيات تقول إن اليهود كذابون أفاقون يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون ويكتمون الحق وهم يعلمون.
{ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
أَتَى رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وآخرون من اليهود فَقَالُوا يَا مُحَمّدُ مَا وَلّاك عَنْ قِبْلَتِك الّتِي كُنْت عَلَيْهَا ؟ ارْجِعْ إلَى قِبْلَتِك الّتِي كُنْت عَلَيْهَا نَتّبِعْك وَنُصَدّقْك فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِمْ ..
{سَيَقُولُ السّفَهَاءُ مِنَ النّاسِ مَا وَلّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}
فأمر الله أن يرد عليهم بقوله :
{قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
ثم مدح الله تعالى أمة محمد وميزها عن سائر الأمم فقال{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }
وهنا لما تسائل المسلمون عن إخوانٍ لهم ماتوا وقد كانوا يصلون إلى بيت المقدس ما يفعل الله بأعمالهم أجابهم الله تعالى بقوله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }
حضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة الجديدة رجال ونساء وشباب وشيبان فأرسل النبى شاباً من الأنصار يقال له عباد بن بشر فقال اذهب إلى بني سلمة في مسجد قباء وأخبرهم أن القبلة قد حولت فليتحولوا فى الصلاة إلى البيت الحرام فأتاهم عباد رضى الله عنه وهم يصلون الفجر وافاهم فى المسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت كانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة فرضى الله عنهم وأرضاهم ..
فقد صدق فيهم قول الله تعالى {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
وقد جاء حادث تحويل القبلة ليكشف وليظهر عن بيان لا لبث فيه عن شدة عداوة اليهود للإسلام وللمسلمين عداوة ستبقى ما بقيت الدنيا وفى الحديث « لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود »
قال الله تعالى لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) وقد تأكد ذلك فى حادث تحويل القبلة فسفه الله ما هم عليه وقال ( {سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} )
ثم جعل الله تعالى من حادث تحويل القبلة اختباراً وامتحاناً للناس ليميز الله الخبيث من الطيب حول رسول الله صلى الله عليه وسلم امتحان سينجح فيه أقوم وسيرسب فيه آخرون { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}
ثم بين الله رحمته بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه سبحانه لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى فقال { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
ثم بين الله تعالى شرف رسوله وعظم شأنه حين حقق له ما كان يرجوه وشرع له ما يرضيه فقال {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ }
ثم أكد الله سبحانه أن خاتم رسله صلى الله عليه وسلم معروف وموصوف عن الذين أوتوا الكتاب من قبلنا يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وربما أكثر وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون
قال عمر لعبد الله بن سلام قد أنزل الله على نبيه { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} فكيف يا عبد الله هذه المعرفة ؟ قال يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته بين الصبيان وأنا أشد معرفة بمحمد مني بإبني فقال عمر كيف ذلك؟ قال إنه رسول الله حق من الله وقد وصفه الله في كتابنا أما ولدى فلا أدري ما صنعت أمه.

اللهم لا تعلق قلوبنا بغيرك وأسعدنا بلقائك ولقياك وارزقنا رضاك وهدايتك وجنتك يا أرحم الراحمين.