تذوق الكلام وفهم معناه

تفلم محمد الدليمي 

القارئ الجيد هو من تذوق الكلام وفهم معناه، والقارئ المتمرس هو من قرأ وفهم، ثم أنتج من ذلك ثمارا مختلفا ألوانه، والقارئ العالم هو من قرأ وفهم وأنتج وطبق كل ذلك بحرفية عالية الدقة ، فلا يظن المتلقي كل ما يقرأ يستطيع الأستفادة منه، لكنها ستكون ملكة فكرية ؛ أما القراءة المفيدة تلك خاصية جاءت لإناس فضلهم الله عن كثير من خلقه .

العلماء هم صفوة الله على الأرض من بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال تعالى ( واسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ) ٨٦ الانعام .

كما فضل الله سبحانه الناس على بعضهم البعض قال تعالى ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللأخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) ٢١ الاسراء ؛ كذلك قسمت البشرية قال تعالى ( وكنتم أزواجا ثلاثة ) ٧ الواقعة ؛ على ثلاثة أصناف : الصنف الأول العربي الخالص ؛ وهو صفوة الله على الأرض منهم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ومنهم علماء الأرض بكل أطيافهم ، ومنهم اصحاب الأنبياء والرسل الأوائل الذين ضحوا بما يملكون ليفتدوا به رسلهم وأنبيائهم ؛ وكذلك منهم المنضبطين أي العادلين بشرع الله والقائمين على حقوق الناس ألا وهم القضاة ، عدلهم في فكرهم ولسانهم ، ومنهم العاملين بأخلاص لا ينظرون للدنيا إلا من خرم الباب فلا تسعدهم رؤيتها إلا بأقامة العدل وسعادة الناس بحقوق الشرع سبحانه .

النسب العربي هو كالساعة لضبط الناس في أعمالهم ؛ وهم منتشرون في جميع قوميات العالم حتى عند المبتذلين خلقا وأخلاقا ، والقائمين على إنشاء الكيانات البشرية تجدهم أيضا معهم ؛ ولكن ليس كما يظن القارئ إنهم كالنسب العربي الذي يسكن أرض العرب قال تعالى ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) ٦٨ آل عمران . النسب العربي له شأنه الخاص عن باقي نسبه في باقي القوميات قال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ١٦٤ آل عمران ؛ وأيضا نسبه في القوميات الديانات السماوية أفضل من القوميات التي تؤمن بالله ولكن لا تؤمن بشرعه ، وكذلك هؤلاء أفضل من النسب العربي في القوميات التي لا تؤمن بالله ( الملحدين ) قال تعالى ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) ٨ آل عمران ، وهكذا هو التقسيم قولا واحدا في البشرية ، وهنا تقسم رحمة الله فيما بينهم وكلهم حسب مقتضى حالهم وأحوالهم ( وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين ) ١٢٤ البقرة ، وهذا الضبط البشري لا يمكن أن يأتي من تلقاء البشر أو كما يتوهم الواهمون إنه من صنع الطبيعة فال تعالى ( الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) ٢ الفرقان .

إن التنظيم الذي قدره سبحانه للبشر لن يأتيه الباطل ، ولن يسيء به للبشر بل على العكس هو رحمة منه للبشرية قال تعالى ( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ٤٢ فصلت ، ولن يخذل النسب العربي المهاجر بالبته بل يرحمهم ويظلهم في ظله قال تعالى ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ) ١١٧ التوبة ، وكل على ما يقدمه للبشر من هداية وتصحيح الطريق ، فنرى رحمة الله تحيط بهم من كل جانب ، بل هؤلاء عند الله خير من مؤمن عبد الله في محرابه وظل مختليا به. قال تعالى ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) ٩٥ النساء ؛ ربما يظن الظان إن عبادة الله سبحانه من حفظ نفسه من الأذى خير من أن يلوج في المجتمع ويصلحه ، أو عبادة الله على ضعف كما نجده في بعض أطياف الديانات المسلمة هو خير العبادات ، أو عبادة في ولوج المجتمع ويعلم بخطيئتها ولكنه فضل الجماعة على الأنفراد الصحيح وهذا أيضا من المخطئين أو الذي ينشر الدين وهو يأخذ الأرشاد من الفاسقين أو المناهج الغربية الفلسفية بحجة نشر الدين وتوعية الناس ، والأفضع من ذلك في بلاد العرب بلاد الدين والإيمان بلاد الرسل والأنبياء بلاد صفوة الله على الأرض قال تعالى ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ) ٩٦ آل عمران ، قال تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) ١ الأسراء ، قال تعالى ( فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إني أنا الله رب العالمين ) ٣٠ القصص ؛ قسم من دعاة الدين واصلاح المجتمع الذين ظهروا بشكل فاحش ومبتذل هم أكبر مؤسسة لنشر الرذيلة أهل السينما والبرامج الترفيهية ( المقصودون منهم هنا ) كما يسمونها ، أخذوا ساحة كاملة للدعوة التي لا يستحقونها ، وذلك لأنهم أعراب وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزله الله بمعنى تفسير ما يكون من حالهم أن يكونوا تبعا ولا يتعلمون حلالا وحراما من الشريعة وذلك لكثرة ألتوائهم بألسنتهم وفكرهم الذي لا ينبئ إلا عن قلة أصلهم وعداوتهم للصلاح قال تعالى ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزله الله على رسوله والله عليم حكيم ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم ) ٩٧ التوبة، فلو تتبعنا مشيئة الفساد على أرض العرب هو أمساك أهل السينما قيادة المجتمع فالبسوهم لبس التوعويين وعلموهم كيف يستدرج المجتمع للحضيض ومن ثم يبدأ أخوانهم من الأعراب أتباع تلك التعاليم ونشرها في المجتمع على إنه التطور الثقافي .

كل تلك الأخفاقات يحاسب عليها سبحانه لا يتركها تسير في منهجه القويم بأصابة العرب الذلة والهوان على الناس ، وذلك من السبب الأول وله اليد الطولا في ذلتهم ألا وهو ترك العربية الفصحى واستبدالها بلسان الشيطان الرجيم ( حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا ) ٩٣ الكهف؛ ونفهم من هنا إن جميع اللغات على الأرض هي نفسها عند الجن ومن ذلك قال تعالى ( إذ صرفنا إليك نفر من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولو إلى قومهم منذرين ) ٢٩ الأحقاف ؛ والأخر ( إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) ١٨ الحجر ؛ قال تعالى ( قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين ) ٣٩ النمل ؛ وهم ينتجون والإنسان يتبع فغلبوا على أمرهم ، ولو تتبعنا الآيات القرآنية لوجدنا حقيقة الأمر بأن الجن هم من يتبعون البشر قولا واحدا قال تعالى ( إذ صرفنا إليك نفر من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولو إلى قومهم منذرين ) ٢٩ الأحقاف ؛ وهذا دليل على شقوة بني آدم على الأرض .

إن فقه اللغة من أجل علوم العربية هو من يضعها على الطريق الصحيح ومن ثم تأتي باقي فنونها تباعا ليكونوا فن العربية برونقه وتألقه، وبعد أدخال الفلسفة على العربية أصبح من الصعب دراستها بل من المزعج للنفس قراءة كتبها، ونجد الخلط الواضح بين العربي والأعرابي ، والأقوام العربية من عرب وأعراب بل حتى اضطرب الأمر في كتب فقه اللغة بين العرب العاربة والمستعربة، وهذا اغلب الأمر الذي تركه أهل اللغة وبقي أمر البحث عن أصل اللغة في طي الكتمان ، ومن ثم نأتي إلى دراسة حروف الكلمة من الاستعلاء والاستطالة والخفة والهمس، وهل لهذه الأصوات دور غير نغمة اللفظ ؟ توقف البحث على نغمته دون سواها !؟ ومن ثم تأتي دراسة عدد حروف الكلمة الواحدة ومقاطعها ، وكثرة حروفها وقلتها وما السبب في ذلك توقفت الدراسة على علم الصرف وترك الحبل دون الوصل به !؟ ونأتي على أعظم موضوعات فقه اللغة بعد الأنساب وأصلها ألا وهو التطور اللغوي هذا الموضوع العميق في منهجه العظيم في فهم المعنى ويكفي تحدثت عنه ثلاث آيات من الذكر الحكيم ، فلم نجد أي رعاية فيه من قبل الأساتذة الكبار حتى وجدت نفسي أهمس فيه همسا كي لا يسمعني أحد فيقول لا تحدثني عن أمر جهل عني !؟ وتركت موضوعاته لحين الصحوة من الغفلة ! وهنا يتساءل الإنسان لماذا كان الأقدمون يقرأون ويعلمون، ونحن نقرأ ولا نفهم والأجابة لأننا لم ندرس ولا نهتم بموضوعات التطور اللغوي ؛ التي تدرس موت لفظ وأحياء أخر ، واستبدال معنى ومحو معنى قال تعالى ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) ١٠٦ البقرة ؛ وهذا الأمر غفل عنه الجميع ! ولا أحب الأطالة ولكن الموضوعات جمة وغزيرة المعاني، ولا تحل بألف مقال ولكن أحببت الأشارة إلى موضوعات التي لا تعيها الأذن الواعية . وأخيرا استغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين عسى ربنا يغفر لنا وبتلك المغفرة يفتح لنا بابا لتشرق منه شمس الإيمان والمعرفة والعلم المجيد .