تربية القيم التربية علي القيم

بقلم/دكتور محسن قاسم

تربية القيم تعني اكساب الطلاب معرفة واتجاهات ومهارات وعادات معينة وتنميتها بحيث توجه سلوكه كفرد وعضو في المجتمع ، وهي بذلك تعد وسيلة المجتمع لنقل قيمه وما تعارف عليه من عادات وتقاليد وما يؤمن به من معتقدات إلي النشئ ، بما يضمن سلامته من الانحلال ، وتطورهم نحو الحياة الفاضلة ليصبحوا أعضاء متوافقين مع المجتمع. ( ) ويتم ذلك من خلال تلقين الفرد المعتقدات والقيم أو توضيح الصواب والخطأ ، عن طريق تنمية القدرة علي التفكير لدي الشباب حول القيم السائدة ، ومن ثم تفهم معني ومدلول المبادئ الأخلاقية والقيم التي تحكمها ، الأمر الذي يؤهلهم لاستخدامها في مواجهة ما يَعِن من مشكلات قيمية وأخلاقية ، هذا بالإضافة إلي تنمية مشاعر الاهتمام والرعاية بالآخرين.

ومن الوجهة الأخري فإن القيم تؤدي دوراً مهماً في التربية وبناء الفكر العلمي السليم، الذي يعد قِوَام حياة المجتمعات في العصر الحالي ، والتي تصاحب ثورة تكنولوجية تعتمد علي الاستخدام الأمثل للمعلومات والنظريات العلمية ، ومن ثم أصبحت حياة المجتمعات الجديدة في سياساتها وحربها وسلمها منظمة تنظيماً علمياً منضبطاً ودقيقاً ، ولم يعرف وسع مجتمع ما لديه أدني قدر من الطموح أن يُسَيِّر أموره بالطريقة العفوية التي كانت سائدة في عصر ما قبل العلم.( )إن القدرة علي التفكير السليم يتطلب إعداد وتربية تستمر زمناً طويلاً ، وهو في ذلك لا يقوم علي المعرفة وحدها ، فالحصول علي المعلومات ليس شرطاً ضرورياً للقدرة علي التفكير الجيد ، وزيادة علي ذلك فإن التدريبات علي التفكير السليم لا يمكن أن يؤدي تكرارها وحده إلي تكوين المفكر والعالم ، ولكن المعلومات والتدريبات علي قدر كبير من الفائدة ، ولكن لا يصبح الفرد مفكراً جيداً ولا نعني هذا الفكر العلمي المنضبط بالقواعد والمصطلحات، ولكن نقصد قدرة الفرد علي التكيف مع المجتمع واستخدام طرق مناسبة لفك عقد الحياة التي تعترضه ، ولا يتم ذلك إلا إذ اكتسب الفرد اتجاهات أساسية معينة تصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصيته ، أي إذا اكتسب قيماً بعينها تجعله يستخدم أفضل الطرق للبحث والتفكير، فللحياة العقلية كما لأي حياة أخري شروط تكفل لها النماء والبقاء منها ما هو هدف وهو ما يتعلق بالقيم ، ومنها ما هو وسيلة وهو ما يتعلق بطرق البحث.( )

ومن ثم فالتفكير السليم هو قدرة مكتسبة من خلال عملية التربية ، تجعل الفرد يحترم أو يقدر أو يستحسن بعض القيم ويزدري ويهمل بعضها الآخر علي ضوء محكات ومعايير يتعرف عليها ويتقبلها ويتبناها خلال حياته التعليمية ، ووفقاً لذلك يمكن أن نطلق عليه تفكير موجه نحو تحقيق تكيف الفرد تكيفاً اجتماعياً مبدعاً.

إن تعليم القيم وتعلمها بمثابة أهم غايات التربية ووظائفها حيث أن تأصيل النظام القيمي السائد في نفوس أبناء المجتمع هو ما يُعَد من أساسيات العمل التربوي الهادف ، ويؤدي النظام التربوي في هذا المجال دوراً محورياً فاعلاً ، من حيث بنائه لمجموعة من القيم الإيجابية ونبذ السلوكيات السلبية لدي الناشئة ، ويستلزم ذلك العديد من الوسائل والاساليب التالية:( )

– توفير كافة أنواع الخبرات المدرسية المختلفة من خلال ما تقدمه المدرسة من أنشطة ، بأساليب تطبيقية عملية ترتبط بحياة المتعلم اليومية.

– أن يكون مجتمع المدرسة مثال للقدوة الحسنة ، وتعزيز العلاقات الانسانية والاحترام المتبادل للذات والعاملين ، وتقدير جهود الآخرين والعمل بروح الفريق والمشاركة الجماعية.

– وضع برامج علاجية وتأهيلية تعمل علي توجيه المتعلم بعيداً عن السلوكيات السيئة والتعرف علي طرق مواجهتها من خلال التمسك بقيم التربية الأخلاقية.

– الاهتمام بتوفير مواقف عملية لممارسة القيم ، ولا يتم الاكتفاء بالوعظ والنصح والتلقين، بل عن طريق توفير مواقف حياتية واقعية، من خلالها يمارس الفرد السلوك المعبر عن القيمة. بدلاً من التأطير النظري مع العلم بأهمية التعرف النظري لماهية القيمة والسلوكيات التي تعبرعنها.

– الاهتمام بإتجاهات وميول ورغبات المتعلم داخل حجرة الدراسة واستخدام اساليب الحوار الهادف في تعزيز القيم الايجابية ونبذ القيم السلبية.

– إدارة العلاقات الانسانية والحوار والتفاهم واحترام الرأي والرأي الآخر، والتي يجب أن تسود منظومة العمل المدرسي بهدف خلق مناخ يكتنفه الحب والاستقرار والأمن النفسى للطالب والمعلم وكافة العاملين بالمؤسسة التعليمية.

– القدوة الصالحة للمعلم المربي الذي يُضْمِر في قرارة نفسه أنه مكلف أن ينشئ جيلاً مثقفاً علمياً وخلقياً ونفسياً واجتماعياً، وتوجيه سلوكه نحو أسس المواطنة الصالحة وتحمل تبعات: المسئولية الوطنية تجاه مجتمعه وعروبته.

ويذكر (بيلير – Beller) أنه من الممكن أن تهيئ المدرسة الفرصة للطلاب لاكتساب المهارات والقيم الايجابية كالصدق، والأمانة، والتضحية، الايجابية، التسامح، وذلك من خلال تهيئة المناخ الاجتماعي لهم لاكتساب القيم الشخصية والاجتماعية والسلوك الجيد والمواطنة الصالحة، وفي المقابل فالمدرسة لديها الفرصة لاكساب الطلاب المهارات والقيم السلبية كالكذب والنفاق، والخيانة، اللامبالاة، وضعف الانتماء، وهذا يعني أنه سواء أكان دور المدرسة ايجابياً أو سلبياً فهي تملك السلطة الفعالة لتشكيل الشعور والقيم والاعتقادات لدي الطلاب وتنقل إليهم جوانب الثقافة العامة للمجتمع.( )

وتربية القيم من أهم وظائف التربية الرسمية وغير الرسمية. حيث يحتاج أبناء المجتمع (أطفاله – وشبابه-) إلي تربية متكاملة، من خلالها يستطيع أن يتبني القيم الأخلاقية في سلوكه وأفعاله وأقواله، وأن يكون قادراً علي حفظ قيم المجتمع وهويته في ظل عصر العولمة وما يصاحبه من تغيرات أثرت علي كافة جوانب الحياة، وعندما تؤسس التربية علي القيم فإنها تهدف إلي تحقيق الخير الأسمي للإنسان بحيث يصبح مطمئناً ومؤمناً، وهو ما يعرف بتربية القلب.

وتزداد أهمية تربية القيم لدي الناشئة من أبناء المجتمع كلما تقدم المستوي الحضاري والثقافي للإنسان، وذلك للعديد من الأسباب أهمها: ( )

(1) ظهور المجتمع المتنوع الأجناس والأعراق (Pluralistic Society) صَاحَبَ هذه المجتمعات ظهور مشكلات نفسية واجتماعية وبيئية بسبب تأخر سلطات المؤسسات التربوية التقليدية لمتغيرات هذه المجتمعات الجديدة في تركيبها وعلاقاتها.

(2) شيوع الآلية في العلاقات الانسانية وفقدان الدفء و روح الألفة والتراحم، وذلك بسبب التوسع في استعمال التقنيات والتركيز علي العمليات والوسائل والأدوات.

(3) التغيرات التي أحدثتها التكنولوجيا في الحياة المعاصرة ، وما صاحبها من أزمات في حياة الشعوب وعلي رأسها الأزمات الأخلاقية.

(4) الحاجة الي معالجة أمراض المجتمع والجوانب السلبية فيه، وتنمية الجوانب الإيجابية في شخصية الإنسان وسلوكه.

(5) الحاجة إلي نضج شخصية الإنسان وعدم الرضا بالتربية المعاصرة التي تقتصر علي التدريب العلمي والمهني، فهي تربية جافة تكتفي بتنمية المعارف والمهارات وإعداد الناشئة للعمل فقط، ولا مجال للحياة الروحية التي توجه جوانب حياة الإنسان الأخري.

(6) ثورة الحريات في العالم ضد الظلم علي المستوي الفردي والجماعي.

إن الوضع الراهن وما يطرحه لبعض مشاهد التحديات الخارجية المتمثلة في العولمة، وسيادة ثقافة القطب الواحد، يؤكد علي أهمية دور التربية في بناء جوانب شخصية الإنسان مع التأكيد علي البعد القيمي والأخلاقي الذي يستطيع به الإنسان أن يميز الخبيث من الطيب، والجيد من الغث ، ويستطيع أن يختار من بين بدائل ، ويتحمل مسئولية اختياره ويتطلع إلي المثل والقيم العليا التي تحقق انسانيته ، لأن شعوب ودول الجنوب أو ما يسمونه العالم الثالث باتت مهددة ومستهدفه من قبل الغرب بصفة عامة ومن الأمريكان وذيوله من الصهاينة بصة خاصة ، خاصة الدول العربية والإسلامية.

وهنا نتساءل: لا من قبيل العقلية التآمرية عند العرب كما يصفهم خلدون النقيب، وإنما بالمنطق الذي يؤكد عليه الجابري وهو “الإختراق الثقافي”، فكما تبين لنا من مشاهد تحديات الخارج بات الغرب ينفرد بالوضع الثقافي الدولي الراهن، بعد انفراده بقيادة العالم بما لديه من امكانيات وقدرات هائلة علي كل الجبهات، وفي مقدمتها تكنولوجيا المعلومات، وأصبح بهذا يكرس لاستراتيجية ثقافية جديدة هي “ثقافة الاختراق” قوامها الهيمنة والسيطرة علي كل الاطراف التي ما عداه من بلدان القارات الثلاث أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وفي القلب منها البلدان العربية.( )

وفيما يلى يمكن استعراض أهم الآثار التربوية والقيمية التي حدثت نتيجة ذلك الإختراق الثقافي وتستوجب اطلاع التربية بمسئوليتها في مواجهتها وتنمية الجانب الروحي والقيمي في الانسان المصري.

ويذكر (ماجد الزيود) بعض المجالات التي تأثرت بهذه الهجمة الشرسة من الإختراق الثقافي علي النحو التالي:( )

_في المجال الاجتماعي: فمن خلال النظرة المتفحصة لواقع الحياة نلحظ شيوع القيم النفعية (المادية)، وتنميط أذواق الشباب وتوحيدها، وضعف التفاعل الأسري، ثم تراجع الوازع الديني لدي أبناء المجتمع، والإغتراب، تحرر المرأة، الشفافية، الفردية المنجزة، والتفاعل الإجتماعي من المحلي الي العالمي،…الخ.

_ في المجال الاقتصادي: رواج ثقافة الاستهلاك، وضعف قيمة العمل والانتاج، وانتشار اسلوب المنافسة، وبث روح التواكل، وتراجع قيم الإبداع والإبتكار، وانتشار قيم الربح السريع، والخصخصة،…الخ.

_ في المجال السياسي : تراجع الروح القومية والوطنية، وضعف المواطنة ، وتزايد دور المنظمات غير الحكومية ، وتعدد مصادر التوجيه السياسي، عدم الثقة في النخب السياسية المحلية، تنامي التفاعل مع القضايا القومية، وتزايد مساحات الحرية للفرد…الخ. إن وطننا العربي يطمح إلي الحركة، ولكنه بطئ، ويرنو إلي الانطلاق ولكنه يكبل نفسه أو يسمح للآخرين بتكبيله، “إنه وطن تتحرك شعوبه إلي الوحدة ولكن أنظمته تكرس الإنفصال، وتتشوق شعوبه إلي الديمقراطية الكاملة، ولكن أنظمته تكرس الإستبداد”.( )

ومما سبق يتبين أن النسق القيمي لدي الشباب من أبناء المجتمع أصبح مهدداً أكثر من أي وقت مضي، وهذا يتطلب تكثيف الجهود داخل مؤسسات التربية وخارجها لحماية الشباب من الإنحراف الأخلاقي، بسبب تلك التغيرات