تركيا في خدمة الأصيل الأميركي ترامب لنهب ثروات ليبيا

41

بقلم الإعلامي/ يوحنا عزمي

لم يكن التدخل الأميركي

المفضوح في الشأن الليبي وليد

اللحظة ، وإن غيب إعلاميا لفسح

المجال لشريكه التركي لتنفيذ

الأجندات التخريبية المشتركة في

ليبيا. فتمويل ودعم الميليشيات

الإرهابية بالسلاح وضخ المرتزقة

إلى الأرض الليبية لم يكن من

صنع النظام التركي وحده إنما

ب

بين الحليف الأمريكي.

 

مناسبة هذه المقدمة هي أن

الخلاصات الرئيسية التي تمخضت

عنها تسع سنوات من الحرب على

ليبيا تتمثل اليوم، أولاً، في

الانكشاف التاريخي للإخوانية

السياسية “المحلية” شعارات

وممارسة، باعتبارها وصفة

أيديولوجية للتبعية والارتهان

للخارج، الأطلسي والعثماني

الجديد، وثانياً في عودة تجلي

حقيقة أن الأطماع الأردوغانية

في ليبيا، مطعمه بالنزعات

العنصرية الطورانية، تنسحب على

التراث الروحي والثقافي

والعقائدي والديني الليبي، عدا عن

الإلحاق بالسياسات

والاستراتيجيات العسكرية

الأمريكية.

 

فعلاقات أردوغان الوثيقة مع ترامب

تعد واحدة من أهم العوامل التي تعزز

الموقف العدائي لرجل تركيا القوي،

بالإضافة إلى شغفه الشديد لاستخدام

القوة العسكرية. كما يدعم ترامب

أردوغان من خلال مبعوثيه، الذين

يستخدمون مهاراتهم في اللغة التركية

لتشجيع أعمال أردوغان دون أي إدانة

للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان،

والتي تم توثيقها مؤخرا، حيث قالت

ماينزا رئيسة اللجنة الأميركية للحريات

الدينية الدولية، إن الحكومة التركية تدير عملية تؤدي إلى التطهير العرقي. ومع ذلك، لم يكن هناك انتقاداً موجهاً من واشنطن. ولكن على العكس من ذلك، أصبح ترامب بمكالماته الهاتفية المتكررة لأنقرة، الداعم الكبير لأردوغان ضد ليبيا.

في الواقع، تبين للقاصي والداني، أن واشنطن غير بعيدة عن الملف الليبي، وبخاصة عندما دخل المشهد الليبي مرحلة جديدة من التوتر والتعقيد بعد احتدام المعارك والمواجهات الدامية بين الجيش الوطني الليبي الذي يقوده الجنرال خليفة حفتر وقوات ما يسمى حكومة الوفاق المدعومة من تركيا في العديد من المناطق ولا سيما حول مدينتي سرت والجفرة الاستراتيجيتين، واتساع رقعة الخلاف بين الطرفين فيما يتعلق بإيرادات النفط الليبي، وبعد التصريح الحاسم للرئيس المصري باعتباره خطا أحمر، وبِأن تجاوزه يهدد الأمن القومي المصري وسيستدعي تدخل الوحدات المصرية مباشرة. خط سرت ـ الجفرة، يحمل من الأهمية الاستراتيجية الكثير، وتجاوزه يعني وصول وحدات الوفاق، والمدعومة بشراسة من الأتراك ومن مجموعات مسلحة سورية، إرهابية وغيرها، إلى تخوم الهلال النفطي الليبي، بين الزويتينة غرب بنغازي وبين السدرة شرق سرت، مرورا براس لانوف وبالبريقة، وبأغلب مصافي النفط الليبية التي تحضن مع الموانىء المذكورة 80 بالمائة من النفط الليبي، الأمر الذي يعطي من يسيطر عليه (الهلال النفطي) امتيازات ومكاسب سياسية ضخمة، مع التسوية السياسية لو سلكت أو من دونها.

من هنا، جاء التحرك الأميركي العاجل، والذي كما يبدو، حاول التغطية ومسابقة التحرك الدولي الآخر الذي عمل على تثبيت تقدم الوفاق شرقًا، والمتمثل بالروسي والفرنسي، والمدعوم طبعا من السعودية ومن الإمارات ومن مصر، حيث تشكل هذه الدول الخمس الأخيرة، دعامة اللواء حفتر ورافعته في هذه المواجهة. هنا، تدخل الأمريكيون على خط المواجهة مباشرة، وكالعادة من خلال غطاء من العبارات التقليدية في سياستهم، مثل تسوية سياسية وحل الميليشيات ووقف إطلاق النار، وبهدف مخفي يقوم على السعي مع تركيا لخلق جبهة قوية، تسمح لحكومة الوفاق بتجاوز خط سرت – الجفرة والوصول إلى الهلال النفطي. ونتساءل بكل هدوء: لماذا التحرك الأمريكي المفاجىء اليوم، وغياب أية مبادرة سابقة له، عندما كان القتال مستعِراً على مداخل طرابلس وعلى مناطق جنوب وشرق طرابلس، وعلى قاعدة الوطية أو منطقة غريان أو ترهونة وغيرها؟

وبدون فذلكات لغوية أو شطحات تحليلية، فالواقع، يؤكد أنّ الأميركيين داعمون أساسيون للموقف التركي. جبهات الحرب العدوانية العديدة التي فتحها أردوغان أضحت مثار تساؤل في كل الأوساط العالمية، ففي وقت واحد استمر في عدوانه الغاشم على سورية وزاد من احتلاله غرباً وشمالاً ودفع بقواته إلى شمال العراق إضافة إلى وجوده الاحتلالي سابقاً بالقرب من الموصل، كما أرسل مرتزقته إلى ليبيا وأصبح لديه أكثر من 14 ألفا من هؤلاء المرتزقة هناك لدعم “حكومة” السراج ونقل مرتزقته وجنوده إلى الصومال واليمن. وفي عرض البحر الأبيض المتوسط يقوم بالتنقيب غير الشرعي عن النفط والغاز ويطلق تصريحات نارية ضد كل من يعترضه، وفتح جبهة مواجهة مع اليونان وقبرص ومصر ووصلت الأمور بينه وبين فرنسا إلى حد لامس الصدام العسكري بسبب اختلاف مطامع الجانبين هناك، وتعالت الأصوات في أوروبا بفصل تركيا من حلف “ناتو”، ويهدد ويتوعد الدول الأوروبية بفتح حدود تركيا لتدفق المهاجرين وإغراقها بموجات جديدة منهم إذا وقفت ضد خططه التوسعية في البحر الأبيض المتوسط وفي ليبيا وشمال إفريقيا.

ولا يوجد مثيل لهذه “العنتريات” الأردوغانية وهذا “التنمر” غير المسبوق إلا ما قام به هتلر في ثلاثينيات القرن الماضي عندما فتح جبهات الحرب والمواجهة والعدوان في طول القارة الأوروبية وعرضها واحتلت جيوشه العديد من الدول شرقاً وغرباً في محاولة لتحقيق أحلامه المريضة في احتلال العالم وتنفيذ مشروعه النازي الأخرق وأشعل حرباً عالمية أكلت الأخضر واليابس وأزهقت أرواح أكثر من ستين مليوناً من البشر. ولا أعتقد أنه يخفى على أي متابع أن وراء هذا التمادي في العدوان والاحتلال تشجيع من إدارة ترامب، إذ لا يعقل أن يهدد أردوغان كل الدول الأوروبية وينقلب على اتفاقات حلف “ناتو” ويتجرأ على مساحات واسعة من مياه البحر الأبيض المتوسط وأن يمد يده إلى نفط وغاز ليبيا وثرواتها المعدنية الهائلة من دون رضا السيد الأمريكي وبالشراكة معه في النهب والأطماع ويبدو أن البيت الأبيض اعتمد نظام أردوغان من جديد مع بقايا التنظيمات الإرهابية في أكثر من مكان لتنفيذ أجندته التي فشلت مع دحر الإرهابيين في سورية والعراق.

وقد أكدت الأسابيع الماضية من المعارك الطاحنة بما لا يدع مجالاً للشك أن رأس النظام التركي مستعد للذهاب حتى إلى حرب إقليمية طويلة الأمد من أجل تثبيث أقدامه في ليبيا أو في غربها على الأقل، ومن الأدلة الكثيرة على ذلك نقله آلاف المسلحين المرتزقة ودعمهم بالأسلحة والضباط وعناصر المخابرات التركية لاقتحام مناطق عديدة كانت تحت سيطرة الجيش الليبي، وهو بذلك يؤكد أن عينه على أهم وأغنى مناطق الوسط الليبي الغنية بالنفط والغاز.

وتؤكد المعطيات القادمة من ليبيا والتي تكشف تباعاً من خلال تواتر الحديث عن النفط وإيراداته وتقسيم الحصص أن دوافع أردوغان للتدخل في ليبيا لا ترتبط بالعلاقات التاريخية بين البلدين أو الحرص على الحقوق الشرعية لليبيين كما يدعي، لا سيما أنه لا يقيم وزناً لمثل هذه الحقوق داخل تركيا، فليبيا بمساحتها الكبيرة وثرواتها الهائلة تعتبر مدخلاً لأردوغان من أجل اكتساب نفوذ سياسي واقتصادي في الدول المغاربية والعمق الإفريقي وحوض المتوسط عموماً، وبالتالي فإن دولة بمساحة جغرافية كبيرة وذات غنى نفطي كليبيا تعتبر كنزاً لحكومة تعاني اقتصادياً كالحكومة التركية. فتركيا تستورد سنوياً ما يعادل 40 مليار دولار من النفط والغاز، ورغم النهب الذي تعرضت له احتياطات ليبيا المالية خلال فترة حكومة السراج، فإن ما يزيد على 80 مليار دولار من الأموال الليبية غير الخاضعة للتجميد أو العقوبات ما زالت تحت إمرتها، وبالتالي من الممكن أن تنتقل هذه الأموال إضافة إلى إيرادات النفط والغاز إلى عهدة تركيا إذا ما نجحت مخططاتها في ليبيا.

وبكل أمانة، نقول لكل الواهمين: في ليبيا، لن تدوم لـ”حكومة الوفاق”… والأسباب لا علاقة لها بالقوة أو الضعف، بتقدم طرف وانحسار طرف، أو بالمساحة المُسيطر عليها، بل لأن المعادلة /المؤامرة/ المُرادة لليبيا لا تستقيم مع تقدم أو انتصار طرف، بل على معادلة “لا منتصر… لا مهزوم” بهدف أن تبقى نهباً لاقتتال لا ينتهي يستنزف طاقاتها البشرية والاقتصادية عاماً بعد عام حتى تغدو بلا حول ولا قوة. وهذا أمر وإن كان لا بد من الاعتراف به فهو بالمقابل غير حاسم في تحديد من هو المنتصر النهائي… لماذا؟

أولا: لأن الكثير من الأطراف الدولية، لن تسمح لتركيا أردوغان أن تكسب دوراً إستراتيجياً في ليبيا، حتى وإن كان ما تظهره لا يعكس ذلك. بالنسبة لهذه الأطراف فإن تركيا ليست سوى “مرحلة مؤقتة” في ظل الانشغال الدولي بأزمة كورونا (ولا يهم هنا أن تركيا تدعم الطرف الذي تعترف الأمم المتحدة به، أي حكومة الوفاق، هذا الاعتراف قيمته صفر في ميزان الصراع الدولي على ليبيا، وعلى تركيا ألا تُمني نفسها بالكثير، ففي لحظة يمكن لهذه الأطراف أن تسلبها كل ما كسبته في ليبيا).

ثانياً: لأن العديد من دول الجوار والدول الإقليمية لن تسلم بمسألة النفوذ التركي في ليبيا، وليس من المرجح أنها ستقف عند حدود إطلاق التصريحات والتحذيرات فقط.

ثالثاً: لأن الطرف الآخر- أي الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر- لا بد أن يرد، ويستعيد ما خسره، وهذا أمر ربما لن يتأخر، إنها مسألة وقت قصير فقط قبل أن تبدأ الهجمات المرتدة. أما مسألة أن الجيش الوطني الليبي “سيخرج من المعادلة الليبية في أي لحظة”، كما يقول أردوغان، فهذه أوهام تملأ رأسه وتجعله ينسى أن المعادلة في ليبيا دولية وليست داخلية.

خلاصة الكلام: الخطر الأردوغاني يتمثل اليوم في تهديد الأمن والاستقرار في ليبيا ومصر والمغرب العربي، والرغبة في التحكّم بعمليات استخراج وإمدادات الغاز في البحر المتوسط، وهو ما يتطلّب إعادة الاعتبار للأمن القومي العربي بمفهومه الواسع، فما يقوم به النظام التركي هو استباحة سافرة لا تعكس ميزان القوى على الأرض بقدر ما تعكس الاستقواء بأمريكا واللعب على المتناقضات بما يخدم جدول أعمال شوفيني متجلي بنوع من جنون العظمة. وإذا كان المتضرر الأكبر من هذا الصراع هو الشعب الليبي بالدرجة الأولى فإن دول الجوار الليبي العربية ستتلقى بعض الأضرار الفادحة لا سيما وأن أردوغان الطامح ذو جذور عثمانية ولن يتوقف عند حدود ليبيا، حيث شبح الإخوان المسلمين يخيم على جزء من المشهد المصري والمغاربي، وبالتالي لا بد للدول العربية من الحضور القوي في المشهد الليبي للحيلولة دون تجذر النفوذ التركي داخل ليبيا.