أخبار العالم

تظاهر الأطفال والتحزب السياسي يصاحبان أحداث فرنسا

كتب وجدي نعمان
تتواصل أعمال العنف والشغب في فرنسا منذ ثلاث ليالٍ مضت، بعدما انطلقت شرارتها إثر وفاة شاب يبلغ من العمر 17 سنة في ضاحية “نانتير”، شمال باريس، على يد شرطي أطلق النار عليه من قرب، لعدم تجاوبه مع أمر تفتيش مروري.

واليوم الجمعة، كان موعد انعقاد القمة الأوروبية في بروكسل، لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اختصر مدة مشاركته للعودة إلى باريس، حيث ترأس اجتماعاً طارئاً لـ”خلية الأزمة” في وزارة الداخلية، وكان من المرجح أن يعلن على أثره حالة الطوارئ في البلاد، لكن الخطوات التي تم الإعلان عنها تقترب في بعض منها من حالة طوارئ.

قرارات طارئة

وأعلن الرئيس الفرنسي مضاعفة الوسائل في تصرف رجال الأمن، وإلغاء بعض الاحتفالات والتجمعات من أجل توفير الحماية لمراكز “العمد” ومؤسسات الجمهورية، كما تم الإعلان عن خطوات سيتم التقدم بها إلى المنصات المسؤولة عن ترويج ألعاب الفيديو ومشاهد العنف، إذ اعتبر أن الأطفال الذين يشاهدون هذه الأفلام يصعب عليهم التمييز بين الواقع والخيال. وطالب الأهل بممارسة سلطاتهم على أطفالهم.

مقتل المراهق شكل شرارة انطلاق تظاهرات الغضب والاستنكار التي تحولت إلى أعمال شغب وعنف طاولت معظم المدن الفرنسية وأحياء باريس، في مشاهد أعادت إلى الأذهان الأحداث التي انطلقت عام 2005 من ضواحي العاصمة الفرنسية إثر مقتل المراهقين زياد بنا وبونا تراوري، اللذين لجآ إلى مولد كهربائي هرباً من ملاحقة الشرطة لهما، مما أسفر عن مصرعهما صعقاً بالكهرباء.

فشل استراتيجي

من جهة أخرى، اعتبرت صحيفة “لوفيغارو” أن ما نجم عن الحادثة “يعني أن استراتيجية إعادة بسط سلطة الجمهورية التي أعلن عنها الرئيس ماكرون في 2017 لم تؤت ثمارها”، لأن أحداث اليوم تشهد متغيرات عما شهدته فرنسا في عام 2005، منها حدة المواجهات التي طاولت قلب العاصمة ولم تقتصر على ضواحيها، وكذلك مشاركة الأطفال دون الـ14 من العمر.
أما الباحث السياسي جان كريستوف غاليان فيعتبر أن ما صدر عن خلية الأزمة يظهر أن الحكومة تواجه وضعاً صعباً، لافتاً إلى أنه كان من الواجب تخفيف ردة الفعل، إذ إن توسع رقعة المواجهات وانتشارها بشكل سريع يعقد الوضع ويزيد من صعوبة التعامل معه، وكذلك سرعة تنقل المجموعات بشكل لا يمكن التنبؤ به أو استباقه زاد من صعوبة مواجهته.

حرب شوارع

ويضيف غاليان أن “أحداث 2005 كانت في مواقع جغرافية محددة، لكن مواجهات اليوم تأقلمت مع وضع مختلف وباتت أقرب إلى حرب شوارع، والأيام المقبلة ستكون صعبة، وهذا ما يفسر استنفار هذا العدد من رجال الأمن وقوات مواجهة الشغب”.

وأشار إلى أن “المستجد الأهم يتمثل في مساندة طبقة سياسية للأحداث، ففي 2005 لم نجد أي طرف سياسي يؤيد أعمال العنف، لكننا اليوم نجد تجمع أحزاب اليسار (نوبس) يؤيد رد الفعل ليس فقط تعبير الغضب، بل أعمال التخريب”، موضحاً أن هذا ما يفسر تصميم الشباب والأطفال الأصغر سناً على مواصلة أعمال الشغب.

هوة يسارية

في المقابل، أصوات تجمع اليسار ليست متناغمة، وبدأت الهوة بينهم ظاهرة للعيان، لا سيما حزب “ميلانشون فرنسا المتمردة” المعروف بخطابه المعادي للممارسات الشرطية وصاحب شعار “الشرطة تقتل”، وإلى جانبه حزب “الخضر” مع مارين توندولييه التي أعلنت أنه “لا سلام من دون عدالة”، فيما جاء خطاب أقصى اليسار “جان لوك ميلانشون”، حيث اعتبر الشيوعي فابيان روسيل أن العنف لا يخدم الحقيقة والعدالة.

واتخذ الحزب الاشتراكي مسافة من الخطاب الشيوعي، حيث قال النائب فيليب بران “الأحرى بجان لوك ميلانشون الدعوة إلى التهدئة”، بحسب ما أوردت صحيفة “لوموند”، التي ذكرت أنه يتحمل إرث قانون عام 2017 الذي سمح للشرطة باستخدام السلاح، في ظل حكومة برنار كازنوف، وهو محط جدل اليوم.

انشقاق متوقع

كما اعتبر الباحث الفرنسي جان كريستوف غاليان أن هذه الأصوات المتناقضة أمر طبيعي، لكن التناقضات بين اليسار ستظهر إلى العلن بمناسبة الانتخابات الأوروبية، حيث الترشح سيكون بحسب لوائح مختلفة، منوهاً بأن ما يجب التخوف منه هو توسع رقعة العنف وتطرف الخطاب “فالرسائل ليست متشابهة”.

ولفت غاليان إلى أن مشاركة الأطفال قد تكون ناجمة أيضاً عن بداية العطلة الصيفية ووجودهم خارج المدارس، إذ إنها تتزامن مع بداية الصيف، وهو موسم كثير من النشاطات والمهرجانات وحفلات المطربين، وكذلك تأتي بعد أشهر من إضرابات قانون التقاعد، وعلى بضعة أشهر من ألعاب الأولمبياد التي تستقبلها فرنسا قريباً.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى