تقاليد عالمية .. رقصة الفالس ..

34

كتبت .. سهر سمير فريد

الفالس Walzer هي واحدة من أشهر الرقصات الإقاعية العالمية، والتي بدأت غالبًا في الظهور في النمسا وألمانيا، ومنهما انتشر في أنحاء كثيرة من العالم، خصوصًا بعد أن نظم الموسيقار النمساوي يوهان شتراوس الابن لمقطوعته الدانوب الأزرق عام 1866م.

تاريخيًا هناك العديد من الإشارات إلى رقصة أصلية قديمة قد انحدرت منها رقصة الفالس التي تعود إلى القرن السادس عشر في أوروبا. فقد كتب الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين عن رقصة رآها عام 1580م في مدينة أوغسبورغ الألمانية، حيث كان الراقصون يقتربون من بعضهم البعض لدرجة أن وجوههم تتلامس. وكتب أيضًا كونز هاس (من نفس الفترة تقريبًا): “الآن يرقصون ويلر أو سبينر الملحد”. “الراقص الفلاح النشط ، بعد معرفة غريزية بوزن السقوط ، يستخدم فائض طاقته للضغط بكل قوته على إيقاع العارضة المناسب ، وبالتالي تكثيف استمتاعه الشخصي بالرقص”.

حوالي عام 1750م ، بدأ فلاحو بافاريا وتيرول وستيريا في أداء رقصة تسمى والزر ، وهي رقصة للأزواج Ländler ، المعروف أيضًا باسم Schleifer. كانت رقصة ريفية شائعة في بوهيميا والنمسا وبافاريا وانتشرت من الريف إلى ضواحي المدينة. بينما واصلت الطبقات العليا في القرن الثامن عشر رقص المينوت (مثل تلك التي قام بها موتسارت وهايدن وهاندل) ، تسلل النبلاء بسبب الملل بعيدًا إلى بعض أنواع الترفيه التي كان يؤديه خدمهم ومنها كانت تلك الرقصة.

في إحدي الروايات الألمانية الصادرة عام 1771م بعنوان ” قصة ملكة جمال فون ستيرنهايم” التي كتبها صوفي فون لاروش ، كانت تشكو إحدي الشخصية رفيعة التفكير تشكو من رقصة الفالس التي تم إدخالها حديثًا بين الأرستقراطيين على هذا النحو: ” ولكن عندما وضع ذراعه حولها ، ضغطها على صدره ، وانحنى معها في الرقص الدوامي الوقح غير المحتشم للألمان وانخرط في ألفة كسرت كل حدود التربية الجيدة – ثم تحول بؤسي الصامت إلى غضب حارق “. فيبدو أنه في بداية الأمر كان هناك اتجاه عام يسود المناطق التي انتشرت بها رقصة الفالس وتري أنها فعل غير لائق أخلاقيًا ولا يتماشي مع طبيعة المجتمع وبعض من عاداته التي كانت سائدة أوروبا في تلك الفترة.

كتب دون كورزيو ، في وصفه للحياة في فيينا بتاريخ عام 1776م أو 1786م: ” كان الناس يرقصون بجنون، ويتم الاحتفال بسيدات فيينا بشكل خاص لنعمتهن وحركاتهن في الفالس التي لم يتعبوا منها أبدًا “.

في القرن التاسع عشر ، أشارت كلمة الفالس Walzer أساسًا إلى أن الرقصة كانت منعطفة تميل إلي الدوران بدلاً من التقدم للأمام بشكل مستقيم دون الدوران.

صدم الكثيرين عندما تم تقديمها لأول مرة ، أصبح الفالس مألوف في فيينا في حوالي ثمانينيات القرن الثامن عشر ، وانتشر في العديد من البلدان الأخرى في السنوات التالية. وفقًا للمغني المعاصر مايكل كيلي ، وصلت إلى إنجلترا عام 1791م. وأصبحت موضة في بريطانيا خلال فترة ريجنسي ، بعد أن أصبحت محترمة بتأييد دوروثيا ليفين ، زوجة السفير الروسي. خلال الحروب النابليونية ، قدم جنود المشاة التابعون للفيلق الألماني للملك الرقصة لشعب بيكسهيل ، ساسكس من عام 1804م. في وقت لاحق ، تم تطوير أنواع جديدة من رقصة الفالس ، بما في ذلك العديد من الرقصات الشعبية والعديد من الرقصات.

يشير تاريخ الموسيقى بأنه قد شاع استخدام ايقاع يوازي الفالس وزنًا، والذي يدعى “السرمند” في الموشحات الأندلسية، أمثال “يا غصنَ نقاه”، “يا من لعبت” والعديد غيرها.

رغم جمال إيقاع الفالس إلا أن انتشاره في العالم العربي كان محدودًا، ومن أبرز الذين قاموا بتقديم هذه الإيقاع في الموسيقى العربية هو الموسيقار محمد عبد الوهاب حيث قدمه لأول مرة في عام 1928 بأغنيته الخاصة “أهون عليك”، من كلمات محمد يونس القاضي وأدى المقطع الأول والثاني منها بالطريقة الأوبرالية، والمقطعين الأخيرين على وزن الفالس، وكما عهدناه، فكان الموسيقار محمد عبد الوهاب مميز باختياراته الموسيقى، فواصل استخدامه ليقدم الفالس في بعض أغانيه الخاصة مثل “الظلم دا كان ليه”، “الجندول”، “كليوبترا”، “بلاش تبوسني في عينيا”، وفي بعض أغاني أم كلثوم التي كانت من تلحينه مثل “ودارت الأيام” و” ليلة حب”. كما قدم عبد الوهاب هذا النمط الإيقاعي أيضا للفنان عبد الحليم حافظ في الأغاني: “نبتدي منين الحكاية”.

اسم آخر اقترن بإيقاع الفالس هو الموسيقار فريد الأطرش بحيث قدمه في “ليالي الأنس في فيينا” بأداء شقيقته المطربة أسمهان، والتي غُنّت في فيلم “غرام وانتقام” في عام 1944م. كما نجد عند ليلى مراد ثلاث أغاني على وزن الفالس “أنا قلبي دليلي”، “ليلى بنت الفقراء”، “حبيب الروح”. وقد غنى محمد فوزي أغنية “يا نور جديد” عام 1950م في فيلم نهاية قصة، وكانت على وزن الفالس وقد استخدم الكورال والتوزيع الموسيقي على نحوٍ غير مسبوق لتأتي أغنية فالس غنائي كامل.

بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت بعض اغاني السيدة فيروز على هذا الإيقاع، كأغنية “يا لور حبّك” من مسرحية “ميس الريم”، أغنية “ضاعوا منا” والتي كانت بمثابة احدى الأعمال النادرة التي جمعت فيروز بالموسيقار منير بشير وأغنية “إيه في أمل” في البومها الأخير من تلحين نجلها زياد الرحباني.اما عن السيدة ماجدة الرومي، فأدّت أغنية “العالم إلنا” مؤخرا والتي نُظِمَت كلماتها على ألحان “الفالس الثاني” العريق للموسيقار الروسيّ ديميتري شوستاكوفيتش، والذي قدمه في عام 1955م.