ثقافات الأمم و صورة المعــلم Nations’ Cultures And A teacher’s Picture

71

بقلم د. طــارق رضـــوان
فى مقالى السابق “تسييس الأدب” ومقالى “حرب الفيروسات” كانت العلاقة واضحة جدا للجميع أن للأدب ،والسينما تحديدا، دورا فعال فى تشكيل رؤية المجتمع ومفاهيمه.ففيرس كورونا وكارثة ضرب برجى 11 سبتمبر بأمريكا ما هما إلا تقليد حرفى لما شاهدناه مسبقا . وتم تنفيذه على أرض الواقع لاحقا.
بالأمس القريب كنا ننادى بضرورة إصلاح العلاقة بين رجل الشرطة والشعب. واليوم أتحدث مع حضراتكم عن “كرامة وهيبة المعلم”. لكنى لن أتحدث عما يجرى على لسان الغالبية من الزملاء ممتهنى مهنة التدريس . وإن كانت أوجاعهم المادية هى معاناة قعليه وتنعكس على ضعف و هلاك التعليم. لكن ما يؤرقنى ويؤلمنى هو العداوة الشرسة والعلاقة التى فسدت بين السادة أولياء الأمور وبين المعلم…فهل ترى غير ذلك؟ بل الفاجعة الكبرى هى أن يكره الطالب معلمه. فكيف سيتلقى منه العلم؟! هل ترى ان العلاقة بين المعلمين بعضهم البعض علاقة محبة واحترام متبادل؟فلما يقلل بعض المعلمين من قيمة زملائهم امام الطلاب أو امام ولى الأمر أو حتى امام المديرين والرؤساء…هل هذا سلوك تربوى سوى؟!!
أرى أن الأمر يحتاج وقفة وجدية فى التخلص مما أفسد حياتنا وأضر بكرامتنا وعزتنا كمعلمين . فما صورتنا بين طلابنا وما صورتنا فى عيون اولادنا وزوجاتنا واقاربنا واصدقائنا ؟
لو أن للمعلم مكانة مرموقة لما احتاج أحمد بك شوقى أن يأمرأمرا قاطعا حازما فيقول:
“قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا……كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا”
وأنت يا عزيزى ولى الأمر أنسيت أن هذا المعلم أب ثانى لولدك وابنتك وأن المعلمة هى بمثابة أم ثانية لطلابها؟! والله لو ترى يا عزيزى مدى الاهتمام والتعب البدنى والنفسى للمعلم طوال اليوم الدراسى للحفاظ على صحة وسلامة أولادك لأشفقت على كل من يعمل بمهنة التعليم” ولكن كما قال أمير الشعراء :” فاللهُ خيرٌ كافلاً ووكيـل”ا
لا شك أننا بصدد كارثة تستحق وقفة ودراسة واعادة التفكير والسلوك للخروج منها بشكل عاجل والا فلا تنتظر خلقا ولا علما من جيل قادم.
أعود لدراستى النقدية وعالمى الأدبى حيث يقول أستاذ النقد بجامعة حلوان، الدكتور صلاح السروي، “الفنّ لعب دوراً رئيساً في تحريك الوعي الجمعي للشعب المصري تجاه المعلّم، والعملية التعليمية بشكل عام، فقد نحّى الجانب الإنساني للمُدرّس؛ باعتباره تاجراً يسعى إلى كسب عيشه، فتجرّد المعلّم تدريجياً من رسالته السامية، وبفعل العوامل الاقتصادية والمعيشية التي يمرّ بها قطاع عريض من الشعب المصري، تحوّل المعلم إلى تاجر علم، ومادّة خام للسخرية الدرامية التي لم تكف عن هذا التوجه منذ عقود”.
فصورة المدرس قديمًا كانت مختزلة بعض الشيء لدى الكثيرين في الرجل الوسيم صاحب الشعر المهندم ورابطة العنق المميزة والطلة الكلاسيكية، ولعل أهم من رسخ في أذهاننا هذه الصورة الممثل الراحل أحمد مظهر بعد الشخصية التي قدمها في فيلم «غصن زيتون»، ثم ما قدمه الممثل الراحل شكري سرحان في فيلم «السفيرة عزيزة» .هذه الشخصيات التي قُدمت في تلك الأفلام أضافت وقتها جاذبية خاصة ومكانة اجتماعية غير عادية لمهنة التدريس ولممتهنيها بشكل عام، وساعد على ذلك أن هذه المهنة كانت تحمل تقديرًا مجتمعيًا كبيرًا في مصر في ذلك الوقت.
قدّم الفنان المصري الراحل، نجيب الريحاني، في فيلمه “غزل البنات”، أشهر نماذج المعلّم في السينما المصرية، فنجد في بداية الفيلم رجلاً رثّ الثياب يبدو عليه البؤس، ويعمل مدرس لغة عربية، لابنة أحد الباشاوات. ومن خلال أحداث الفيلم تتابع مشاهد سخرية الفتاة المدللة وصديقاتها، اللاتي يصنعن مواقف مضحكة تجاه المدرس للتقليل من كرامته، إلّا أنّ النهاية تكون مغايرة ولكنها لم تنجح في مسح هذه الصورة التي تكرّست في أعمال فنية لاحقة.
ورغم محاولات البعض اليوم التباكي على أيام العهد الملكى وتقديمها بصورة مثالية في مقابل المرحلة الجمهورية؛ فالطبقة الأرستقراطية تنعم بكلّ ما لذّ وطاب، والباشا الذي يقطن قصراً فارهاً، بينما المعلم مغلوب على أمره أسير وضعه المالي المتردي، ما أبرز حقيقة التفاوت الطبقيّ الكبير الذي عاشه المجتمع المصري وقتها، ولكن ذلك جاء على حساب الاستهزاء من المعلم نفسه.
فقبل أكثر من قرن من الزمان؛ تبادل الصديقان الأديبان، مكسيم غوركي وأنطون تشيخوف، رسائل عديدة، من بينها رسالة عن المعلّم، يستطرد فيها تشيكوف عن حاله في روسيا؛ حيث يعيش أقسى حالات التقشف، ويتساءل: كيف يمكن للمعلّم أن يُقدم أجيالاً تعلي راية الوطن وهو لا يجد قوت يومه؟ ويبدو أنّ تساؤلات تشيخوف عبرت الأزمان لتستقر في الواقع المصري، الذي يشهد على ما يتكبّده المعلم من عناء من الناحيتين؛ النفسية والاقتصادية، وكان من الطبيعي أن تعالج السينما صورة “مربي الأجيال” منذ بداياتها، لكن غلبت على أعمالها السخرية المقصودة، وتقديمه ضمن الشخصيات الكاريكاتيرية، التي حُفرت في أذهان أجيال عديدة، رغم ظهور بعض الأعمال التي قاومت هذه الصرعة.
وعن أبرز أدوار المدرسين في “زمن الفن الجميل”؛ نجد الثنائية التي قدمها شكري سرحان وعبدالمنعم إبراهيم، في فيلم”السفيرة عزيزة” العام 1961؛ حيث جسّد سرحان دور المدرّس الطموح، الذي يكفّ أذاه عن الناس، لكنّه يتصدّى للشرّ الذي ينشره جاره الجزار في المنطقة، أما عبد المنعم إبراهيم فقد جسّد شخصية معلم اللغة العربية؛ الذي يتقن الفصحى، ولا يتحدث إلّا بها، ويستخدمها بشكل فكاهيّ وسط أصدقائه
والصورة السابقة تذكّر بفيلم “زقاق المدق” (1963)، للمخرج حسن الإمام، الذي قام فيه الفنان الكبير حسين رياض بدور مدرس اللغة الإنجليزية، المضطرب نفسياً، الذي أصبح محطّ سخرية أهل الحي.
وفي السبعينيات قدّم حسين فهمي، في “انتحار مدرس ثانوي”، دور المعلم المسكين الذي أرهقته سياسات الانفتاح وغلاء الأسعار، وزواجه بامرأة أخرى طمعاً في أن يصبح أباً، لتتحوّل زوجتاه إلى مصنع أطفال، فضاق عليه الحال، لينتهي منتحراً في مياه النيل.
أما المخرج سعيد مرزوق؛ فقد رصد جانباً مغايراً إلى حد ما في فيلمه “المذنبون” الذي عُرض العام 1975؛ حيث يبيع ناظر (مدير) إحدى المدارس الحكومية أسئلة امتحانات نهاية العام، لقاء حفنة من المال، لرجل ثريّ في حفلة ماجنة، ليتمّ إلقاء القبض على الجميع، ويتلقى المعلم عقوبة السجن، ويظهر كضحية للمجتمع الذي أفسد منظومة التعليم، ويلقي الضوء على الفساد داخل المؤسسة التربوية، وهنا يقع المعلم أسير القضبان نتيجة جشعه الذي ولّده ضيق حال المدرسين في مصر.
أمّا أحمد زكي، في فيلمه “البيضة والحجر” العام 1990؛ فقد جسّد شخصية دور معلم الفلسفة، الذي حوّلته المدرسة للتحقيق؛ لأنّه دعا طلابه للتمسك بالقيم والمبادئ، فضاق به الحال، بعد خسارة عمله الذي لا يكفل له حياة كريمة، فاستخدم قدراته المعرفية في الدجل والشعوذة، ليصبح صاحب سلطة ومال.
هناك القليل من الأفلام التى أنصفت صورة المدرس، وأظهرتها بموضوعية، مثل ما قدّمه نور الشريف، في فيلمه “آخر الرجال المحترمين” العام 1984، في شخصية الأستاذ فرجاني، المعلم الريفي الذي يتخبط بين تقاليده الريفية الراسخة، وحياة المدينة المضطربة
كما جسّدت سميرة أحمد شخصية معلمة، في مسلسل “امرأة من زمن الحبّ” العام 1998، وأظهر فيها السيناريست العربي الأشهر أسامة أنور عكاشة تلك القوة السحرية التي تمتلكها معلمة في سنّ التقاعد، تقوم على رعاية أبناء أخيها الذين تربّوا خارج مصر، لترسم ملامح حياة الضبط والالتزام لشبان في سنّ المراهقة، وتعيد تشكيل وعيهم من جديد، بعد وفاة والدتهم، متمسكة بالقيم الاجتماعية التي تربّت عليها في المنيا، صعيد مصر، حيث عاشت.
لجأ بعض كتّاب الدراما إلى رسم صورة مثالية عن المدرسين، وكأنّها أصبحت مطالب اجتماعية؛ كما في الدور الذي لعبه نور الشريف العام 2006 في مسلسل “حضرة المتهم أبي”؛ حيث يؤدي دور مدرس ثانوي يمتنع عن إعطاء الدروس الخصوصية، رغم ضيق عيشه، ويقاوم الفساد بالمثاليات، التي لا تضعف أمام هشاشة المجتمع.
عادت هذه الموجة للظهور بقوة مع “المضحكين الجدد” بدءاً من فيلم “الناظر” لعلاء ولي الدين العام 2000، ثم فيلم “عسل أسود” الذي عُرض العام 2010 للنجم أحمد حلمي، الذي جاء ساخراً من كلّ شيء في المجتمع المصري، ظهر فيه نموذج “مِس ميرفت” (إيمي سمير غانم)، معلّمة الإنجليزية المضطربة، التي لا تستطيع النطق بشكل سليم، في إشارة إلى أنّ مستواها الذي ليس إلّا نتاج تعليم رديء، في مجتمع احتكرت فيه طبقة الأغنياء تعلّم اللغات الأجنبية، وأصبح أبناء المدارس الحكومية غير قادرين حتى على نطق العربية بشكل سليم.
فما تزال الشاشتان الصغيرة والكبيرة في سبيل الإضحاك تصران على المزيد من التشويه لصورة المعلم، كان من آخرها مسلسل “مسيو رمضان مبروك أبو العلمين حمودة”العام 2011 لمحمد هنيدي، بعد “النجاح!” الذي حققته الشخصية العام 2008 في فيلم “رمضان مبروك أبو العلمين حمودة”، الذي ظهر فيه المدرّس مادة للسخرية من قبل طبقة أبناء الأثرياء، الذين لا يأبهون للتعليم؛ بل يتّخذون المدارس نوادي اجتماعية للاستمتاع بالمقالب اليومية التي يمارسونها على المدرسين،
بلغت ذروة السخرية من المعلم فى مسرحية مدرسة المشاغبين (1973) التي بدأ عرضها بعد أشهر قصيرة من نصر أكتوبر وشكلت إهانة المعلم الجسر الذي عبر عليه أبطالها إلى النجومية.
على صعيد الأدب العالمى نجد هناك بعض الأفلام التي اهتمت بقيمة المعلم وتفاعله مع طلابه وطريقة تأثيره فيهم.
عام1989 : Dead Poets Society
يُعدُّ هذا الفيلم من أشهر أفلام المعلمين على الإطلاق، حيثُ يمتلئ بالاستعارات والاقتباسات الأدبية الملهمة، تدور أحداث الفيلم حول المعلم المتمرد “جون كيتينج” معلم اللغة الإنجليزية الجديد، والذي يقوم بدوره الرائع روبين ويليامز الذي يقوم بدوره المعلم والأب في نفس الوقت، ويدفع الطلاب للاستمتاع بحياتهم وعدم السير على خطوات آبائهم، بل اتباع قلوبهم وما يشعرون به، ويحل المشاكل النفسية للطلبة ومواجهة تعقيدات الحياة، والذي يحببهم في الشعر ويكوّن معهم جمعيةً تُدعى “جمعية الشعراء الموتى”، ويحاول من خلال تلك الجمعية أن يساعد طلابه على استعادة التوازن في حياتهم.
Lean on Me انتاج عام1989
من الأفلام الملهمة جدًا والتي تسلط الضوء على دور المعلم في حياة الطلاب في نيويورك، وذلك من خلال مدير المدرسة “جو كلارك “،الذي يفعل أيّ شيء مهما كلفه الأمر لكي يجعل مدرسته مكانًا آمنًا، ويخلق بيئةً تعليميةً مناسبةً لكلِّ الطلاب، ولكن في بعض الأحيان يكون من الأفضل التعامل مع الأطفال بطريقة قاسية نوعًا ما حتى يسيطر عليهم.
Good Will Hunting انتاج 1999
قصة الفيلم تدور حول “ويل هانتنج” الذي يقوم بدوره “مات ديمون” عبقري الرياضيات الذي يعمل كحارس في الجامعة، لكنّه لا يريد الحياة التي تتفق مع عبقريته، ويجد الراحة في حياته المألوفة برفقة أصدقائه، ويخاف من المضي قدمًا والارتقاء إلى مستوى إمكانياته.
وفي يوم يكتشف موهبته أستاذ جامعي ويستغلها من أجل أن يكمل ويل دراسته في الجامعة، ولكن لا تسير الأمور على ما يرام، فيرتكب ويل حادثًا ضد القانون، ويتمّ إجباره على دروس الرياضيات والعلاج النفسي، ومن هنا يتعرف على معلمه الرائع “روبن ويليامز” الذي يغير طريقة تفكيره، وبالتالي تتغير حياته بشكلٍ كاملٍ ويساعده في إيجاد طريق لنفسه في الحياة، يجعله يؤمن بأنَّ عليه أن ينتهز الفرص التي توفرها له مواهبه.
Freedom Writers انتاج 2007
استوحت قصة الفيلم من قصة حقيقية مأخوذة من رواية للكاتبة إيرين جرويل، التي كتبت عن تجربتها الشّخصية في مهنة التدريس في إحدى المدارس الأميركية في لوس أنجلوس، والتي تقوم بدورها هيلاري سوانك، التي قُدِّر لها أن تكون معلمةً في مدرسة مليئة بالصراعات والنزاعات العرقية، وأن تصارع هي نفسها من أجل إثبات قدرتها على العمل ومواجهة خوف أبيها وغيرة زوجها، ورغم ذلك يزداد إصرارها من أجل خلق حياة مختلفة لطلابها، وتساعدهم في تحسين مستواهم الدراسي والنفسي، من خلال كتابة يومياتهم وآلامهم وقراءتها أمام زملائِهم حتى يتشاركون آلامهم معًا، حتى استطاعت إيرين أن تزرع الود والاحترام بينهم وأن تعيد لهم الأمل في الحياة.
The Class انتاج 2008
يحكى الفيلم قصة نوع مختلف من المعلمين، معلم يحاول بشتى الطُرُق التواصل مع طلابه المختلفين في الثقافات والطباع والأخلاق، المعلم “فرانسوا مارين” الذي يقوم بدوره الممثل الفرنسي “فرانسوا بيغودو” الذي يستعد لسنة دراسية جديدة في مدرسة داخلية مختلطة عرقيًا في باريس. يحاول إيجاد الطريقة المثلى للتعامل مع الطلاب، ولكن لكلِّ مدرس رأيه الخاص في الطلاب وكيفية إثابتهم وعقابهم، ولكنه يحاول التواصل مع طلابه، فأحيانًا ينجح وأحيانًا يفشل ولكنه يكتسب محبتهم في النهاية بأُسلوبه الهادئ وطريقته الرصينة.
Precious انتاج 2009
ويعرض قصة الفتاة السمراء البدينة غير المتعلمة، والتي تعتقد أنَّها غبية وعديمة القيمة، وفي يوم تحاول تغيير واقعها، والعمل على إعانة أسرتها، فتقرر أن تستعيد أملها في الحياة من خلال قوة التعليم، وتبدأ في الذهاب إلى المدرسة في برنامج تعليمي يسمى “كل واحد يعلم واحد” بمساعدة المعلمة “رين” التي تغيّر حياتها للأفضل.
وهكذا يتبين لحضراتكم مدى المعاناة والظلم الذى يتعرض له المعلم العربى مقارنة بالمعلم الغربى الذى نال قدر هائل من الاحترام والتقدير والمكانة الإجتماعية المرموقة. فقد قدمته السينما الغربية بصورة مشرفه وله دور لا يمكن الإستغناء عنه فى تربية النشء الجديد. بينما فى السينما العربية تم تقديم المعلم ككائن مصاص دماء ،يعيش ليبتز اموال طلابه، وبالتالى صارت عداوة قوية وبغضاء من جهة أولياء الأمور تجاه المعلم العربى. فهل يليق هذا بحضارتنا العربية؟!