ثقافات يجب أن تسود احترام وتوفير كبار السن والعناية بهم

55

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فالكبار هم الحكمة الخالدة والتجربة الصادقة هم خير معين في هذه الحياة بحكم الموروث الثقافي والأخلاقي والتربوي الذي اكتسبوه عبر تاريخهم الطويل.
لذلك فهم بالمنطق العلمي التجريبي ثروة مهمة لا تعوض وهم الرصيد الباقي لمخزون السنوات الطويلة التي عاشوها.
وتجد من المكارم العظيمة، والفضائل الكريمة : البر والإحسان إلى الضعفاء، ورعاية حقوقهم، والقيام بواجباتهم، وتعاهد مشكلاتهم، والسعي في إزالة المكدرات والهموم والأحزان عن حياتهم يكفي ما أحاطهم وأحاط بهم عبر عمرهم الطويل ، إن هذا من أعظم أسباب التيسير والبركة، وانصراف الفتن والمحن والبلايا والرزايا عن العبد، وسبب للخيرات والبركات المتتاليات عليه في دنياه وعقباه، لقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما تُنصَرون بضعفائكم)
(ابن أبي الدنيا، العمر والشيب، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى: 1412م)
، وقال صلى الله عليه وسلم: (ابغوني ضعفاءَكم؛ فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)[عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر، حقوق كبار السن في الإسلام، الطبعة الأولى: 1432هـ – 2011م]
تجد مِن هؤلاء الضعفاء في المجتمع الإنساني الفئات أصحاب الرعاية الخاصة طبيا ونفسياً :
المُسِنُّ؛ لأنه يصاحب المرء مرحلةَ الكبر ضعفٌ عام، بحيث تظهر بعض التغيرات على جسم الإنسان في حالة تقدمه في السن، مثل تجعد الجلد وجفافه، وثقل في السمع، وضعف في البصر والشم والحواس بشكل عام، وبطء الحركة، وتغير لون الشعر، وما يحدث من ضعف في العظام، وانخفاض لحرارة الجسم، وضعف الذاكرة والنسيان، وبروز هذه التغيرات يتطلب الرعاية الخاصة بهم، فيما يلي نذكر بعض الفضائل لكبار السن في الإسلام، وما شرع لهم الإسلام من حقوق وواجبات.
ولذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يرشدنا إلى حق الكبير: (مَن لم يرحم صغيرنا ويعرِفْ حقَّ كبيرنا، فليس منا)
[هبه مدحت راغب الدلو، أحكام المسنين في فقه العبادات، دراسة فقهية مقارنة، الجامعة الإسلامية، غزة، 1430هـ – 2009م]
ثقافة يجب أن تسود اعرف فضل الكبير:
فقد توافرت وتضافرت الكثير من الأحاديثُ الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الخير مع الأكابر، والبركة مع كبار السن، وأن المؤمن لا يزاد في عمره إلا كان خيرًا له، إضافة إلى أن المسن المؤمن له مكانة خاصة، تتمثل في التجاوز عن سيئاته، وشفاعته لأهل بيته؛ فلقد روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنى أحدُكم الموتَ، ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا)
[مسلم، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، حديث: 2682]
[عبدالله بن ناصر بن عبدالله السدحان، رعاية المسنين في الإسلام، الطبعة: 1419هـ/1999م]
وعن أنس رضي الله عنه، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أنبئكم بخياركم؟!)، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (خيارُكم أطولُكم أعمارًا إذا سددوا)
[مسند البزار، حديث: 1159]
وروى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خيارُكم أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أعمالًا)[.سنن أبي داود، باب في الانتصار برُذُلِ الخيل والضعفة، حديث: 2594]
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الخير مع أكابرِكم))، وفي رواية: (البركة مع أكابركم) [مجمع الزوائد، باب إكرام الكريم، حديث: 12618، يقول الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال: (البركةُ مع أكابركم)، وفي إسناد البزار: نُعيم بن حماد، وثقه جماعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيحالأدب المفرد، باب فضل الكبر، حديث: 353].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما مِن مُعمَّر يُعمَّر في الإسلام أربعين سنة إلا دفع الله عنه أنواع البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ الخمسين هوَّن الله عليه الحساب، فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إلى الله بما يحب الله، فإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كُتبت حسناتُه ومُحيت سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان أسيرَ الله في أرضه، وشفع في أهل بيته)[مسند أبي يعلي، جعفر بن عمرو بن أمية عن أنس، حديث: 4249، وقال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف].
رعاية كبار السن ميراث تجده في أقرب الناس إليك:
فإذا احترمنا الكبير، ورعينا حقوقه، يسر الله تعالى لنا في كِبَرنا مَن يرعى حقوقنا، ومن منا لا يحتاج أو يتمني هذا جزاءً من جنس إحساننا، وسيأتي اليوم علينا يوم نكون فيه كبراء مُسنِّين، ضعيفي البدن والحواس، في احتياج إلى من حولنا؛ أن يرعوا حقنا، وإن كنا مضيعين حقوقهم في شبابنا، فسيضيع الشباب حقوقنا في كبرنا.
لأن الله عز وجل يقول: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [سورة الرحمن، الآية:: 60]
، وفي مقابل ذلك: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى ﴾ [سورة الروم، الآية : 10]
؛ فإن جزاء الإحسان الإحسان، والإساءة جزاؤها الإساءة؛ ولذا جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم – وفي سنده كلام – أنه قال: (مَن أهان ذا شيبة لم يمُتْ حتى يبعث الله عليه مَن يهين شيبه إذا شاب) [العمر والشيب لابن أبي الدنيا، حديث: 14، مكتبة الرشيد، الرياض، الطبعة الأولى: 1412م.].
وفي رواية عن أنس مرفوعًا بلفظ: (ما أكرم شاب شيخًا لسنِّه، إلا قيَّض اللهُ له مَن يكرمه عند سنِّه) [الترمذي، باب ما جاء في إجلال الكبير، حديث: 2022.]
،فهذا الحديث يبين أن إحسانَ الشباب للشيخ يكون سببًا لأن يقيِّض الله له من يكرمه عند كبره، ومن العلماء من قال: إن في هذا الحديث دليلًا على إطالة عمر الشاب الذي يكرم المسنين.
[ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 2/577، دار الباز، مكة المكرمة].
إن للكبير حقوق كثيرة وأهمهما:
أولا: توقيره وإكرامه وإعلاء شأنه :
إن مِن تعاليم الإسلام في حق الكبير: توقيره وإكرامه، بأن يكون له مكانة في النفوس، ومنزلة في القلوب، وكان ذلك مِن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وجعله مِن هديه وسماته وصفاته.
فقد أوجب نبينا صلى الله عليه وسلم احترام كبار السن، والسعي في خدمتهم؛ فرُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف ويَنْهَ عن المنكر)[ سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب مما جاء في رحمة الصبيان، حديث: 1919].
كما أورد الهيثمي عن معاذ بن جبل: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتاكم كبير قوم فأكرموه)
[سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب مما جاء في رحمة الصبيان، حديث: 1919].
ثانياً: طيب معاملته والتلطف به:
إن مِن حقوق الكبير في الإسلام أن يُحسَن معاملاته، بحسن الخطاب، وجميل الإكرام، وطيب الكلام، وسديد المقال، والتودد إليه؛ فإن إكرام الكبير وإحسان خطابه هو في الأصل إجلال لله عز وجل؛ فقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن مِن إجلال الله: إكرامَ ذي الشيبة المسلم)) [سنن ابن ماجه، باب إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، حديث: 3712].
وفي رواية عن ابن عمر موقوفًا: عن ابن عمر، قال: (إن مِن أعظم إجلال الله عز وجل: إكرامَ الإمام المقسط، وذي الشيبة في الإسلام)
[شُعب الإيمان، في إفراد المصحف للقرآن، حديث: 2432].
و بَدْؤه بالسلام:
إن مِن حقوق كبير السن إذا لقيناه أن نبدأه بالسلام مِن غير انتظار إلقاء السلام منه؛ احترامًا وتقديرًا له، فنسارع ونبادر بإلقاء السلام عليه بكل أدبٍ ووقار، واحترام وإجلال، بل بكل معاني التوقير والتعظيم، بل نراعي كِبَرَ سنه في إلقاء السلام بحيث يسمعه ولا يؤذيه.
فقد جاء في الحديث النبوي الشريف: (يسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي)[ باب تسليم القليل على الكثير، حديث: 6231].
ومنها الإلتزام بإحسان خطابه:
وإن مِن حقوق كبير السن إذا حدثنا كبير السن أن نناديه بألطف خطاب، وأجمل كلام، وألين بيان، نراعي فيه احترامه وتوقيره، وقدره ومكانته، بأن نخاطبه بـ “العم” وغيره من الخطابات التي تدل على قدره ومرتبه ومنزلته في المجتمع بكبر سنه.
فعن أبي أمامة بن سهل: قال: صلينا مع عمر بن عبدالعزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصلي معه[ البخاري، باب وقت العصر، حديث: 549.7].
وعن عبدالرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا بن أخي؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا .
[ البخاري، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، حديث: 1752].
ومنها تقديمه في الكلام بل والمكان:
إن مِن حقوق الكبيرِ في السن أن نقدمه في الكلام في المجالس، ونقدمه في الطعام، والشراب والدخول والخروج،وفي كل شيء.
فقد ورَد في الحديث النبوي الشريف: عن سهل بن أبي حثمة، قال: انطلق عبدُالله بن سهل، ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر، وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبدالله بن سهل وهو يتشمط في دمه قتيلًا، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبدالرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب عبدالرحمن يتكلم، فقال: (كبِّرْ، كبِّرْ)، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلَّما[البخاري، باب الموادعة والمصالحة، حديث: 3173].
وعن ابن عمرَ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواكَ الأصغرَ منهما، فقيل لي: كبِّرْ، فدفعته إلى الأكبر منهما) [البخاري، باب دفع السواك إلى الأكبر، حديث: 246].
وكان لنا قدوة وأسوة أكابرنا وأماجدنا؛ لأن شباب الصحابة والتابعين كانوا في غاية الأدب، وفي غاية الاحترام للكبار، والتوقير والتقدير لهم، والقيام بحقوقهم.
ومن النماذج والأمثلة على ذلك: ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا لأصحابه: (إن مِن الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟)، فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبدالله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييتُ، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: (هي النخلة)[البخاري، باب قول المحدث: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، حديث: 61].
ومنها الدعاء له وهو باب عظيم من أبواب البر:
وإن مِن إجلال الكبير وحقه علينا أن ندعو له بطول العمر، والازدياد في طاعة الله، والتوفيق بالسداد والصلاح، والحِفظ من كل مكروه، والتمتع بالصحة والعافية، وبحُسن الخاتمة، وحثَّ اللهُ عز وجل الأبناء على الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [سورة الإسراء، الآية: 24].
لأن خيرَ الناس بموجب الحديث مَن طال عمره، وحسُن عمله:
عن عبدالله بن بسر: أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله، مَن خيرُ الناس؟ قال: (مَن طال عمرُه، وحسُن عمله)[الترمذي، باب ما جاء في طويل العمر للمؤمن، حديث: 2329].
بل جاء في حديث آخر: أن الله يصطفي من عباده بعضهم بإطالة العمر وإحيائهم في عافية إلى أن يقبِضَ أرواحهم؛ فرُوي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إن لله عبادًا يضِنُّ بهم عن القتل، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش، فيُعطيهم منازلَ الشهداء). [المعجم الكبير للطبراني: باب، حديث: 10371].
لأن مَن طال عمره ازداد علمه وإنابته ورجوعُه إلى الله عز وجل؛ لأن الشباب شعبة من الجنون، فيزداد الرجل في الشباب في الشهوات واللذات، والشيخوخة موجب للخير والبركة، فلما يدنو العبد من الشيخوخة يتوجه إلى الله، فيذكر الله قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، ويحمده، ويسبِّحه، ويهلِّله ويكبره كلما سنحت له الفرصة.
وقيل: إن سليمان بن عبدالملك دخل مرة المسجد، فوجد في المسجد رجلًا كبير السن، فسلم عليه، وقال: يا فلان، تحبُّ أن تموت؟ قال: لا، ولمَ؟ قال: ذهب الشبابُ وشرُّه، وجاء الكِبَرُ وخيرُه، فأنا إذا قمت قلت: بسم الله، وإذا قعدت قلت: الحمد لله، فأنا أحب أن يبقى لي هذا [العمر والشيب لابن أبي الدنيا، حديث: 29، مكتبة الرشيد، الرياض، الطبعة الأولى: 1412م.].
ومنها مراعاة وضعه وضعفه خاصة في هذا العمر:
إن الإنسان في بداية عمره وعنفوان شبابه يكون غضًّا، طريًّا، طازجًا، لين الأعطاف، قوي العضلات، بهي المنظر، ثم يشرع في الكهولة، فتضعف قواه، فيتغير طبعه، ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى يصير شيخًا كبير السن، ضعيف القوى، قليل الحركة، يعجِزُ عن المشي والحركة السريعة، فيتقدم إلى الأمام بطيئًا، ويتوكأ على العصيِّ، فصور الله عز وجل هذه الأحوال في القرآن الكريم: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ﴾ [سورة الروم، الآية: 54].
يعني أن الإنسانَ يمر بثلاث مراحل رئيسية: ضعف، ثم قوة، ثم ضعف، ولكن هذا الضعف الأخير هو الشيخوخة والكهولة.
وقال في موضع آخر: ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾ [سورة الحج، الآية: 5].
وأرذَلُ العُمر – كما ذكر المفسرون -: هو أخسُّه وأدونه، وآخره الذي تضعف فيه القوى، وتفسد فيه الحواس، ويختل فيه النطق والفكر، ويحصل فيه قلة العلم وسوء الحفظ، والخَرَف، وخصه الله بالرذيلة؛ لأنه حالة لا رجاء بعده لإصلاح ما فسد[ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 2/577، دار الباز، مكة المكرمة.]؛فالمسلمون المتقون لا يبلغون هذه الحالة، كما جاء في التفاسير.
فعلينا أن نراعي صحة كبير السن، ووضعه البدني والنفسي، بسبب الكبر والتجاوز في العمر؛ فإن هذه المرحلة مِن الحياة مستوجبة للعناية والاهتمام الكبير من الأقارب؛ فإن الضعف يسري ويجري في الإنسان كجريان الدم، فيضعف بدنه، وصحته، وحواسه، فما يصدر منه من خطأ فبمقتضى هذه السن المتقدمة، بل إن تصرفاته في هذه السن المتقدمة لكثرة وهنه وضعفه، بل ضعف قواه أشبه ما يكون بتصرفات الصغير.
فمَن لم يستشعر هذا الأمر من الكبير يمل ويسأم منه، ويسيء معاملته، فمِن المؤسف جدًّا أن بعض الأقارب والأبناء يذهب بوالده في مرحلة من هذا العمر- الذي يقتضي كثيرًا مِن العناية والإحسان – إلى أماكنِ التأهيل، وأماكن رعاية الكبار، ويتركه ويطرحه هناك ويولي على عقبيه، ولم يرعَ حقوقه، حتى الزيارة ولو غبًّا.
فعلينا أن نراعي حقوقهم، ولا نتركهم ولا نطرحهم في دور المسنين من غير رقيب ولا رفيق، بل يتعين علينا رعاية حقهم مقابلة الإحسان عندما كنا صغيرين ضعفاء، فحملوا أعباءنا، وتحملوا مشاقنا، واهتموا برعايتنا كل الاهتمام حتى كبِرْنا وصرنا شبانًا أقوياء، فأشار إلى حالنا الله عز وجل في كتابه العزيز:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [سورة لقمان، الآية: 14].
اللهم اجعلنا من أهل الجنة الذين قد رضيت عنهم.