ثقافات يجب أن تسود احترام وتوفير كبار السن والعناية بهم{الجزء الثاني}

52

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

وتأتي حقوق كبار السن على عدة مراتب وأحوال:

يقول الدكتور عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر، وهو يلقي الأضواء على حق كبير السن: “ثم إن هذا الحق يعظم ويكبر من جهة ما احتف به؛
فإذا كان قريبًا فله حق القرابة مع حق كبر السن، وإذا كان جارًا، فإضافة إلى حقه في كبر سنه فله حق الجوار، وإذا كان مسلمًا، فله مع حق كبر السن حق الإسلام، وإذا كان الكبير أبًا أو جدًّا فالحق أعظم، بل إذا كان المسن غير مسلم فله حق كبر السن؛ إذ إن الشريعة جاءت بحفظ حق الكبير، حتى مع غير المسلمين، فلربما تكون رعايتك لحقه سببًا لدخوله في هذا الدِّين في مراحل حياته الأخيرة”[عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر، حقوق كبار السن في الإسلام: 14].

و رعاية الوالدين مظهر من مظاهر رعاية المسنين والتي من شأنها الحفاظ عليهم:

علينا أن نراعي حقوق الأبوين كبار السن بالرعاية والاهتمام، وإن كانوا مشركين غير مسلمين؛ فلعل رعايتهم تكون سببًا لدخولهم في الإسلام.

فقد روى الإمام أحمد بن حنبل هذه القصةَ العجيبة في إكرام كبار السن، قصة والد أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما، وإكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم له عند قدومه لقبول الإسلام.

وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ((لو أقررتَ الشيخ في بيته لأتيناه))[مسند أحمد، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه، حديث: 12635].

بل لو كان والدا الإنسانِ مشركين غير مسلمين فالشريعة ترغِّب ولدهما في الإحسان إليهما، وحفظ حقوقهما، حتى وإن كانا يدعوانِه إلى الكفر؛ قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ ﴾ [سورة لقمان، الآية: 15]، فلم يقل: “فعُقَّهما”، بل قال: ﴿ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾ [سورة لقمان، الآية: 15]، كذلك لو كان والد الإنسان تاركًا للصلاة أو فاسقًا يبقى له حق الأبوة وكبر السن، فيتعامل معه بموجب هذا الحق؛ فحسن سلوكنا معه قد يهديه للعودة إلى الحق والصدق والثواب.

فحِفظ حق الكبير ضروري، ورعايته أمر ضروري كذلك، وإن كان كافرًا، فكيف إذا كان مسلمًا؟ وكيف إذا كان جارًا؟ وكيف إذا كان قريبًا؟ وكيف إذا كان أبًا وأمًّا؟

بل يصبح ذلك مِن أعظم القُرَب، وأجَلِّ الوسائل للفوز في الدارين، وتفريج الكروب، وتيسير الأمور، كما يشهد لذلك قصة النفر الثلاثة الذين أوَوْا إلى غارٍ في جبل، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فتوسل كل واحد منهم بصالح أعماله، فكانت وسيلة أحدهم قيامه بهذا الحق العظيم، حق أبويه الشيخين الكبيرين، ورعايته حقوقهما، ما أدى إلى نيل مطلبه، حيث قال في توسُّله:

(اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي في طلب شيء يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمينِ، وكرهتُ أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي، أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة) [البخاري، باب من استأجر أجيرًا فترك الأجير أجره، حديث: 2272.].

فوجود الكبار هم خير وبركةً لنا في حياتنا، وازديادًا في أرزاقنا وفي أعمارنا، وأن الإساءة إليهم وسوء معاملتهم قد نجازى به في أواخر أعمارنا، فلا بد لنا أن نحترم الأكابر ونجلهم ونكرمهم، ونحسن الخطاب معهم، ونخاطبهم بما يظهر به احترامهم وإعزازهم؛ نبدأهم بالسلام، ونقدمهم في الكلام والسؤال، وندعو لهم بزيادة العمر، ليبقى لنا الخير ونرعاهم في صحتهم وضعفهم، والاختلال في كلامهم، ولا نسيء المعاملة معهم، وإن كانا أبوين شيخين كبيرين، فرعايتهما والاهتمام بأمورهما حق لازم علينا، باعتبار أننا أبناؤهم، وهم آباؤنا؛ لأنهما سببان قريبان في وجودنا،ولأننا مع أجسادنا وأعضائنا وأموالنا ملك لآبائنا، ليس لنا أي وجود ولا أثر بغيرهما.

وليضع كل منا نصب عينيه أن الشيخوخة مرحلة من مراحل العمر والكل سيمر بها إن قدر الله له العمر الطويل ، وهي حلقة من حلقات التاريخ وجزء لا يتجزأ من وجود كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية. فسنة الله في خلقه، أن يأتي الجيل بعد الجيل على امتداد عمر البشرية المديد، فيقدم الإنسان في حياته التضحيات، وقد يتعرض لمختلف ألوان الفاقة والحاجة، أو فتنة الغنى والثراء، أو آلام المرض والعجز، وخاصة إذا رُدّ إلى أرذل العمر.

فليس من الوفاء بل ولا من الحياء تجاه الأجيال السابقة من المسنين، أن يهملوا أو يتركوا فريسة للضعف والحاجة في آخر حياتهم، بعد أن قدموا لأمتهم ما بوسعهم.

ومن الواجب رعايتهم والعناية بهم، عملاً بمبادئ ديننا الحنيف الذي حفظ للمسنين مكانتهم، وقدّر ذوي الشيبة في الإسلام، ودعا إلى إكرامهم وحمايتهم.

بل لا بد من العناية الكاملة لهم دونما طلب أو شرط فالحياء مع طول العمر يمنعهم من ذلك.

وتزايد أعداد المسنين في السنوات الأخيرة، يستوجب منا الاهتمام والدراسة المتأنية، حول ما سيقدم لهم، وما يستفاد من إمكانياتهم.

ففي خبرة المسنين عندنا عبق الماضي وذخر الحاضر، ومعاني التراحم والتعاطف، وابتغاء الأجر في خدمتهم، والتقرب إلى الله في البر بهم، خلافاً لأوضاع المسنين في المجتمعات الأخرى، التي تدعي الحضارة والتقدم.

وتبقى رعاية تلك الفئة من الآباء والأجداد، واجباً شرعياً، يتحتم علينا القيام به، وديناً يجب أن نقوم بسداده والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

والشيخوخة طور من أطوار الحياة، وظاهرة من ظواهرها، إذا بدأت فسوف تستمر وبطريقة غير ملحوظة، وهي لا تنظر إلى الوراء، ولا تعود إلى شباب.

وهي ليست مرضاً، وإنما هي فترة يتغير فيها الإنسان تغيراً فسيولوجياً إلى صورة أخرى ليست بأفضل من سابقتها، لأن الصورة الجديدة يصاحبها ضمور في كثير من الأعضاء، وفقدان ملموس للقوة والحيوية، تزول معه ظواهر الفتوة والعنفوان، ثم تنتهي كما ينتهي كل شيء.

والشيخ هو من أدرك الشيخوخة، وهي غالباً عند الخمسين من العمر، وهو فوق الكهل ودون الهرم، وهو ذو المكانة من علم أو فضل أو رياسة.

ويرى بعض الباحثين، تقسيم المسنين من خلال مدخل العمر الزمني إلى فئات أكثر تخصيصاً، تشمل الكهل (6075 سنة)،
وتشمل الشيخ (7585 سنة)
، والهرم (85100سنة)
والمعمر من بلغ مائة عام فأكثر(3).

وهناك اتجاه آخر ينظر للمسن طبقاً لأعراض معينة إذا ظهرت عليه، يمكن اعتباره مسناً، مثل أمراض السمع والبصر وأمراض الجلد والرئة والقلب والأوعية الدموية، والجهاز الهضمي والأعراض النفسية، مثل الكآبة وانقباض النفس.

بينما يرى آخرون: أن سن الشيخوخة يبدأ عندما يبلغ الشخص سن التقاعد، وهو سن الخامسة والستين، أو الستين في معظم البلاد العربية، وهو الذي يحدد بدء هذا السن، ويظهر ذلك أيضاً من ملاحظة الحالة الصحية والجسمية، التي يعكسها المظهر الخارجي للشخص الذي ينتمي إلى زمرة المسنين.

وقد بدأ الاهتمام بمشكلات المسنين يزداد مع زيادة أعدادهم، ومن المتوقع أن يتضاعف عددهم خلال الثلاثين سنة القادمة.

فيوجد في العالم حالياً نحو (380 مليوناً) يبلغون سن الستين عاماً فأكثر، ويمثل هؤلاء حوالي (9%) من مجموع سكان العالم، وفق إحصاءات عام 1985م.

ويتوقع أنه قد بلغ عدد المسنين (590 مليون نسمة) عام 2000م بواقع (230 مليون) في الدول المتقدمة صناعياً، و(360 مليون) في الدول النامية(6)ولم نقف على إحصاء في ذلك.

وقد سبقت تعاليم الإسلام هذا الدين العظيم الحنيف الأنظمة الحديثة لرعاية الشيخوخة، إذ يحظى الكبار في مجتمعنا الإسلامي غالباً، بمزيد من التقدير والرعاية والاحترام، ويدرك هذا كل من قارن وسط الأسرة الإسلامية، مع غيرها من الأوساط الغربية والشرقية غير المسلمة، حيث نجد أن كبار السن من المسلمين سعداء، إذا قورنوا مع نظرائهم من غير المسلمين، فأولئك يعيشون في غربة ووحدة وشقاء.

ولكن ظهور المتغيرات الاجتماعية، التي تشهدها المجتمعات المعاصرة، أوجدت بعض المظاهر السلبية في حياة الأسرة المسلمة، وفي بيئة المجتمع بشكل عام، مما أدى إلى وجود بعض المظاهر السلبية المؤسفة، من عدم المبالاة والإهمال لبعض المسنين، بل والزج بهم في مأوى العجزة، أو أحد المستشفيات تهرباً من خدمتهم.

فرعاية تلك الفئة من الآباء والأجداد واجب علينا، فهم الذين ضحوا بعمرهم وصحتهم وفكرهم من أجل أن تظل عجلة الحياة سائرة نحو الأمام، وقد أصبح واجب رعايتهم ضرورة تحتمها القيم وتدعمها القوانين.

ورغم ذلك فإن نظم العمل تطرد كل عام ملايين من كبار السن خارج دولاب العمل، دون النظر إلى قدرتهم على العطاء، مما يسبب لهم الشعور بالوحدة والكآبة، والحاجة الملحة إلى الدخل المناسب، بعد كل التضحيات التي قدموها لذويهم وإلى مجتمعاتهم.

“حيث إن الشيخوخة لا تعني دائماً الضعف والعجز والمرض، فكم من رجل كهل في الخمسين، بدت عليه أتعاب الشيخوخة، وكم من رجل في السبعين ظل في نشاطه أقوى من ابن الخمسين، أو الأربعين.

فالفروق الفردية لها دورها في حياة المسنين وعند غيرهم وفي تاريخنا الزاهر، نجد أن كثيراً من الشيوخ، يقصر نشاط كثير من شباب اليوم عنهم، وليس أدل على ذلك من مساهمتهم في الجهاد على ما فيه من مشاق وتضحيات، وفي دأبهم على التأليف ومجالس العلم، والقوة في العبادات وقد جاوزوا الثمانين أو المئة من أعمارهم.

وفي تاريخ سلفنا الصالح نماذج رائعة من نشاط المسنين:

فالصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا وهو في أخرى، ولزم الجهاد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن توفي في غزوة القسطنطينية، سنة 52.

“بينما كان قد مرض وقائد الجيش يزيد ابن معاوية، فأتاه يعوده، وقال: ما حاجتك؟! قال: حاجتي إذا أنا مت فاركب بي، ما وجدت مساغاً في أرض العدو، فإذا لم تجد فادفني، ثم ارجع ففعل”.

قال الواقدي رحمه الله: “مات أبو أيوب بأرض الروم سنة 52ه، ودفن عند القسطنطينية، وقبره هنالك يستسقي به الروم إذا قحطوا، وقيل: إنه مدفون في حائط القسطنطينية، وعلى قبره مزار ومسجد، وهم يعظمونه”.

والتابعي الجليل موسى بن نصير رحمه الله فتح الأندلس، هو ومولاه (طارق بن زياد)، وقسماً من جنوب فرنسا.

ويذكر التاريخ له قولته وهو شيخ كبير: “ما هزمت لي راية قط، ولا فض لي جمع، ولا نكب المسلمون معي نكبة منذ اقتحمت الأربعين، إلى أن شارفت الثمانين”.

هذا ما يفعله الإسلام في النفوس، حين تمتزج مبادئ الدين مع نفوس معتنقيه، ورغم أن موسى بن نصير رحمه الله كان أعرج مسناً، توفي سنة 99، في المدينة النبوية وقد قارب الثمانين رحمه الله رحمة واسعة.

في حين كان حكيم الجاهلية وشاعرها “زهير بن أبي سلمى”، يشكو من بلوغه سن الثمانين في قوله المشهور: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبالك يسأم

إلا أن الإسلام يصنع العجائب، وليس ذلك بغريب على دين يدعو أتباعه إلى بذل الجهد والعمل والاجتهاد حتى الموت.

وفي تاريخنا القديم والحديث مسنون: استمروا في العطاء الغزير في كافة المجالات، رغم العمر المديد، وما ذلك إلا بسبب المكانة التي يحظى بها المسنون في المجتمعات الإسلامية.

فأبو القاسم البغوي: مات وقد استكمل مائة وثلاث سنين وشهراً واحداً”.

وكان طلاب العلم يسمعون عليه، حتى مات رحمه الله .

وعطاء بن أبي رباح: مفتي الحرم المكي، عاش تسعين سنة، كان رحمه الله بعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية، من سورة البقرة وهو قائم، لا يزول منه شيء ولا يتحرك .

لقد حفظ هؤلاء الأئمة الأعلام جوارحهم، ف حفظها الله لهم، كما نوه بذلك شيخ الإسلام القاضي أبو الطيب الطبري، وقد عمر أكثر من مائة سنة.

قال عنه أبو اسحق الشيرازي في الطبقات: “شيخنا وأستاذنا، القاضي أبو الطيب، توفي عن مائة وسنتين، لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد ويحضر المواكب، إلى أن مات، ولم أر فيمن رأيت أكمل اجتهاداً وأشد تحقيقاً وأجود نظراً منه.. يرحمه الله “.

وقال القاضي ابن بكران الشامي: “قلت للقاضي أبي الطيب، شيخنا وقد عمر: لقد مُتعت بجوارحك أيها الشيخ! قال: ولم؟! وما عصيت الله بواحدة منها قط”.

وفي العصر الحديث ليس أقل شأنا مما مضي : لم تقف الشيخوخة عائقاً أمام الأعمال العظام لدى كثير من علماء المسلمين وقادتهم.

فالحاج أمين الحسيني: كان قد انصرف منذ الصغر لمحاربة المستعمر البريطاني، والمغتصب الصهيوني في فلسطين.

وقاد حركة الإصلاح والجهاد طوال حياته، وتعاون مع حركة الشيخ عز الدين القسام الجهادية ودعمها، كما دعم جيش الجهاد المقدس بقيادة: عبدالقادر الحسيني.

وأسس الهيئة العربية العليا، وحكومة عموم فلسطين، فطاردته بريطانيا، وعاش مشرداً متنقلاً من قطر إلى آخر فما وهن ولا ضعف، ولما حضرته الوفاة، أوصى بأن يدفن في القدس، وهو من أعيان أهلها، ولكن الصهاينة رفضوا ذلك.

قالت عنه جريدة التايمز اللندنية عقب وفاته: “مات عدو الصهيونية والإمبراطورية البريطانية” وانتهى بموته عهد يمتد أكثر من ستين سنة، لم يهدأ له فيه بال ولم يقر له قرار، ولم يضع فيه السلاح، ولم ينسحب فيه من ميدان الكفاح رحمه الله رحمة واسعة.

والشيخ بن باز رحمه الله: كان يمضي يومه في التدريس والفتوى، وقد استوقفه أحد تلاميذه يسأله: يا شيخ! بلغت هذا السن، ونرى فيك نشاطاً، لا نجده في أحد منا، نحن الشباب، فأنى لك هذا؟!

حاول الشيخ ألا يجيب، وتحت إلحاح الطالب، أجاب بجواب عظيم، إذ قال: “يا بني إذا كانت الروح تعمل أي بالطاعة والذكر فإن الجوارح لا تكل” رحمه الله رحمة واسعة.

ومن العلماء المعاصرين، من عمّر وترك من المؤلفات المفيدة والأثر الطيب، ما يذكرنا بسيرة علماء السلف.

فقد استمر الشيخ الألباني رحمه الله: في التأليف والتحقيق، وخدمة السنة المطهرة، والحديث النبوي الشريف، حتى توفاه الله عن عمر يناهز “الثامنة والثمانين عاماً”، وقد بلغت كتبه ما بين مطبوع مؤلف، أو كتاب محقق خرّج أحاديثه، ما ينوف عن “112 كتاباً” بعضها يقع في عدة مجلدات، وكل ذلك تميز بفكر نيّر وعقل حصين، وذاكرة عجيبة، رحمه الله رحمة واسعة.
فالكبار بركة بكل ما تعنيه الكلمة مبني ومعني.

والمسنون إذا أتيحت لهم الفرصة، يحققون مساهمة ناشطة في مختلف مجالات الحياة ولا غرابة في ذلك، فقد نضجوا وأصبحت عقولهم متزنة، وتجاربهم ثرة غزيرة.

ومن أسس رعاية المسنين في الإسلام:

فقد كفل الإسلام المسنين، عن طريق رعاية الأسرة للأبوين والجدين، ورعاية الجيرة للمسنين من الجيران، وهنالك التكافل الاجتماعي في الدولة المسلمة، والاهتمام بالشيوخ صحياً واجتماعياً واقتصادياً.

ففي نظام النفقات الذي أرسى الإسلام دعائمه، لا يمكن أن يعيش المسن في ضيق وحرج، ولاسيما إذا كان له أبناء يتكسبون أو في رعاية نظام إسلامي يطبق الشريعة الغراء.

لقد عاش المسنون في مجتمعات إسلامية، في وفرة من العيش، حيث تتعدد مصادر الإنفاق في الشريعة الإسلامية ابتداء برعاية الأسرة وانتهاء برعاية الدولة المسلمة، ممثلة في الحاكم المسلم، ومسؤولية هذه الدولة عن تأمين العمل والحاجات الضرورية، مستفيدة من روافد الإنفاق المتعددة، كالهبات والوصايا المالية، ونظام الوقف (وغيره) حسبما كان شائعاً ومطبقاً في مجتمعاتنا المسلمة.

وقد أوجب جمهور العلماء غير المالكية نفقة الوالدين وإن علوا، ولو كانا مخالفين في الدين.

قال تعالى: ( وصاحبهما في الدنيا معروفا ) {سورة لقمان، الآية: 15}.

وأصول الإنسان الذين تجب نفقتهم هم الآباء والأمهات والأجداد والجدات وإن علوا…

فإن انعدم الأولاد، ولم تكن لكبار السن مدخرات أو موارد مالية، انتقل واجب الإنفاق إلى الدولة، ممثلة في النظام الحكومي، حسب مبدأ كفالة المحتاجين، وبمقتضى الضمان الاجتماعي المقرر في الإسلام.

وهذا ما تشير إليه الأحاديث النبوية الشريفة، فقد جاء في الحديث الشريف: “إيما عرصة أي بقعة أصبح فيهم امرؤ جائعاً، فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى.

وقد أوجب الإسلام على المرء نفقة والديه المحتاجين، كنوع من الرعاية الاقتصادية، وجعل الولد وماله ملكاً لأبيه.

بل يقررها النبي ﷺ قال عليه الصلاة والسلام: “أنت ومالك لأبيك”.

“ويجبر الرجل على نفقة والديه وولده الذكور والإناث، إذا كانوا فقراء، وكان له ما ينفق عليهم، واستدل الفقهاء على نفقة الوالدين بقوله تعالى: وقضى\” ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) {سورة الإسراء، الاية٦: 23}، ومن الإحسان: الإنفاق عليهما عند حاجتهما”.

ولما روته السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه”.

وقد أجمع أهل العلم، على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال، واجبة في مال الولد..

ويجب الإنفاق على الأجداد والجدات وإن علوا، وبذلك قال الشافعي والثوري وأصحاب الرأي.

وقال مالك: “لا يحب النفقة عليهم، لأن الجد ليس بأب حقيقي. يقول صاحب المغني رحمه الله: “ولنا أي الحنابلة قوله تعالى: وعلى الوارث مثل ذلك) { سورة البقرة، الآية: 233}، ولأنه يدخل في مطلق اسم الولد والوالد، بدليل قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) {سورة النساء، الآية: 11}، فيدخل فيهم ولد البنين”.

ومن حقوق الوالدين والإحسان إليهما، ألا يطالب الابن أباه بدين عليه، وهذا رأي فقهاء الحنابلة، وللأئمة آراء، وأقوال بذلك.. ودليل الحنابلة أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأبيه، يقتضيه ديناً عليه، فقال: “أنت ومالك لأبيك”.

فرعاية المسنين تتسع دائرتها في الإسلام، وتوضع لها الضوابط الشرعية “فالواجب في نفقة القريب، قدر الكفاية من الخبز والأدم، والكسوة بقدر الحاجة”.

ويشترط لوجوب الإنفاق على الأقارب شروط ثلاثة، نوجزها بما يأتي:

أولا -أن يكونوا فقراء لا مال لهم، ولا كسب يستغنون عن إنفاق غيرهم.

ثانياً -أن يكون لمن تجب عليه النفقة، ما ينفق عليهم فاضلاً عن نفقة نفسه، إما من ماله وإما من كسبه..

ثالثا -أن يكون المنفق وارثاً لقوله تعالى: وعلى الوارث مثل ذلك ) { سورةالبقرة، الآية: 233}.

وباعتبار أن بين المتوارثين قرابة، تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث عن سائر الناس، فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم.

وإن الدولة لها مسؤولية قائمة في الإسلام:

فإذا فقد الشيخ المسن الولد والقريب، وحرم من جو الأسرة العطوف، فمن يكفل هذا الشيخ بعد أن وهن عظمه، وضعف جسمه، وبات بحاجة ماسة إلى العلاج والغذاء والكساء؟! لابد إذن من توفير الخدمات الصحية، ومستلزمات المعيشة المناسبة، وتأتي هنا مسؤولية الحاكم المسلم.

لقد كان حكام المسلمين أعلاماً يقتدى بهم في تحمل المسؤولية ومن ثم تركوا صفحات ناصعة، سجلها التاريخ بمداد من ذهب.

قال طلحة بن عبدالله رضي الله عنه : “خرج عمر بن الخطاب ليلة في سواد الليل، فدخل بيتاً، فلما أصبحت، ذهبت إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟!

فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع؟! \”(25).

ولا غرابة في هذا على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فقد كان يقول: \”لو أن بغلة في أطراف الجزيرة عثرت، لكنت مسؤولاً عنها يا عمر، لمَ لم تسوّ لها الطريق.

هذه هي الرعاية التي يعجز عن تخيلها أبناء هذا العصر، لكنه الإسلام الذي ربى عمر وأمثال عمر، إنه دين التراحم والتعاطف والتكافل، وبذلك ندرك أي حقوق كانت تؤدى للضعفاء والعجزة والمساكين.

فقد كان عموم الصحابة، وحكام المسلمين، يشعرون بالمسؤولية تجاه الشيوخ والأطفال والمستضعفين. و”كيفما تكونوا يول عليكم”.

وها هي قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه تبقى منارة للسالكين بالعدل والإحساس بالمسؤولية، “فقد كان يحلب لجيرانه أرملة وابنتها شاتهما، فلما بويع بالخلافة، قالت البنت الصغيرة: الآن لا يُحلب لنا. فقال رضي الله عنه : بل لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه”.

هذا رغم أنه بويع بالخلافة، وقد تجاوز الستين من عمره.

وقد شملت رعاية المسنين أهل الذمة أيضاً، وشملت الرحمة المجتمع الإسلامي بأسره.

“روي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه أجرى على شيخ من أهل الذمة من بيت المال، وذلك أنه مر به، وهو يسأل على الأبواب”.

وفعله عمر بن عبدالعزيز أيضاً، فقال أبوعبيد: ولو علم عمر أن فيها سنة مؤقتة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما تعداها إلى غيرها”.

“فلا جزية على شيخ فانٍ,، ولا زمِنٍ, ولا أعمى ولا مريض لا يرجى برؤه، بل قد أيس من صحته، ولو كانوا موسرين، وهذا مذهب أحمد وأصحابه، ومالك والشافعي في أحد أقواله، لأن هؤلاء لا يقتلون ولا يقاتلون، فلا تجب عليهم الجزية، كالنساء والذرية.

فالعناية بمعالجة أمراض الشيخوخة، وتوفير مستلزمات التطبيب
ولا بد أن تتبع مع كبار السن، :
التعامل بالصبر والرحمة: يجب أن يحرص الشخص على احترام المسنين، والتعامل معهم بالرحمة والصبر؛ حيث من السهل أن يفقد الإنسان صبره عند التعامل معهم بسبب احتمالية إصابتهم ببعض الأعراض، مثل: النسيان، واللامبالاة بالإضافة لحركتهم البطيئة.

طرح الأسئلة عليهم بدلاً من تطبيق نظام معيّن: يفضّل أن يقوم الشخص بسؤال المسنّ عن احتياجاته لإشعاره بأهميته بدلاً من التصرّف بشكل اعتيادي في القيام بعمل احتياجاته المختلفة.

طرح الأسئلة بدلاً من وضع الافتراضات : يجب عدم التصرّف مع المسن بناءً على وضع افتراضات خاصّة على سبيل المثال: (سأقوم بإطفاء النور نيابة عنك)، بل يجب التأكّد مسبقاً ممّا يريد فعله، وما يحتاجه من خلال توجيه بعض الأسئلة له.

استخدم نحن بدلاً من أنت: بالعادة لا يستجيب المسنّ عندما يخاطب بلهجة الأمر لذا على الشخص القيام بمحاولة استخدام لغة المتكلّم على سبيل المثال:

(نحن بحاجة للخروج للتنزه قليلاً) بدلاً من (عليك أن تخرج قليلاً).

طرح مجموعة من الخيارات على المسنّ: يُفضّل إشعار المسن باستقلاليّته وبقدرته على التحكّم في حياته، ويمكن فعل ذلك بطرح الخيارات المختلفة عليه، مثل عرض أنواع من الطعام عليه

. رعاية المسنين من أفراد الأسرة يمكن رعاية كبار السن من أفراد الأسرة والذين يرفضون قبول المساعدة من خلال اتباع النصائح الآتية:

تحديد نوع الخدمة المطلوبة، عن طريق إجراء تقييم صادق لنوع المساعدة التي يحتاجها حقاً. اختيار الوقت المناسب للاسترخاء والاستماع إليه لمعرفة احتياجاته. سؤاله حول الخدمة التي يودّ الحصول عليها لأخذها بعين الاعتبار.

الحصول على مساعدة أفراد الأسرة من أجل إقناع المسنّ بقبول المساعدة. تجنّب الاستسلام والمحاولة لاحقاً لعرض المساعدة. التعامل مع مشكلة الخرف عند كبار السن يمكن أن يواجه المسنّ العديد من أعراض الشيخوخة، مثل:

العجز في التفكير، وضعف في الذاكرة، وضعف القدرة على التعبير عن المودّة أو الامتنان، فقد يهاجم المُسنّ أولاده أو أحفاده لعدم اتصالهم به وذلك بسبب نسيانه حصول ذلك بعد فترة قصيرة من الوقت، ويمكن التعامل مع مثل هذه المشكلات بالتجاهل، وتحويل تركيز المشاعر لأشياء أخرى؛ مثل خلق روتين من الأنشطة؛ مثل الاستماع للموسيقى، أو الطهي وذلك في محاولة للتأقلم مع أعراض وعلامات الخرف لديه، كما يمكن الحصول على المساعدة من محترف في رعايته.

إشعاره بالأمان عند وجوده بعيداً عن العائلة يجب الاهتمام بإشعار المُسنّ بالأمان من خلال عمل التدابير الأمنية بإضافة سلاسل إضافية وفتحة للباب ليتمكن من رؤية الزائرين قبل فتح الباب خاصة عند سكنه بمفرده، كما يمكن إضافة جرس لحالات الطوارىء حتى يتمكن من الحصول على المساعدة عند المرض أو التعرض لعرض ما، ويفضل دعم بقاء المُسنّ على اتصال مع أصدقائه وأفراد عائلاته من خلال تشجيع الزيارات، واستخدام الهاتف للحفاظ على التواصل المنظم معهم، ويمكن إشراكه في استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة حتى يشعر أنه لا زال عضواً مهماً في العائلة، كما يجب مراعاة احتياجاته الجسدية، ومراقبة مزاجه، والتأكّد من إعطائه أدويته في الوقت المناسب.

و من الضروري الاهتمام بتثبيت أضواء ليليّة في المنزل خارج غرفة المُسنّ حتى يتمكّن من الوصول للحمام في منتصف الليل في أمان، كما يجب التحقّق من سلامته كلّ بضع ساعات، أو تحديد ترتيبات لازمة مع الجيران على سبيل المثال لمراجعة أحواله والتأكّد من كونه بخير عن طريق عمل زيارات قصيرة على مدى النهار.

اللهم اجعلنا ممن أطاعوك فرحمتهم وجعلتهم من أهل الجنة الذين قد رضيت عنهم.