حديث الصباح بقلم أشرف عمر

  الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا 

عن عبدِ اللَّهِ ابنِ عمرَ – رَضِي الله عَنْهُما – قالَ أَخَذَ رسولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبَيَّ فقالَ : 

{ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ }.

رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

شرح الحديث:

المؤمنُ يَعلَم أنَّ الآخرة هي دارُ القرار وليستِ الدُّنيا إلَّا دارًا فانيةً ستنتهي إنْ عاجلًا أو آجلًا؛ لذلك يَحكي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أخَذ – أي: أَمسَك – بمَنكِبه، والمَنكِبُ: مَجمَع العَضُد والكتفِ؛ وذلك لتنبيهِه إلى التَّوجُّه إليه، والاستماعِ إلى حديثِه، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم له: (كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ) قَدِم بلدًا لا مسكنَ له فيه يُؤوِيه، ولا ساكِن يُسلِّيه، خالٍ عن الأهل والعيال والعلائِق، التي هي سببُ الاشتغالِ عن الخالِق، ولَمَّا شبَّه الناسكَ السالك بالغريب الذي ليس له مسكنٌ، ترقَّى وأضرَب عنه بقوله: (أو عابِرَ سبيل)؛ لأنَّ الغريبَ قد يسكُن في بلاد الغُربة ويُقيم فيها، بخِلاف عابِرِ السَّبيل القاصِد للبلد الشاسِع وبينه وبينها أَوْدية مُرْدِيَةٌ، ومَفاوزُ مُهلِكة، وهو بمَرصَدٍ من قُطَّاع الطريق، فهل له أن يُقيم لحظةً، أو يسكُن لَمحة؟ والمعنى: لا تركَنْ إلى الدُّنيا، وكن فيها مِثلَ الغريبِ الذي لا يَعلَق قلبُه إلَّا بالدَّار الآخرة، وما هذه الأيَّام والسِّنون والأعوام إلَّا مراحلُ العمرِ التي تنتهي بك إلى الموتِ الذي لا تَدري متى يأتي.

وكان ابنُ عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أَمسيتَ فلا تَنتظرِ الصَّباح؛ أي: لا تُؤخِّر عملًا من الطَّاعات إلى الصَّباح؛ فلعلَّك تكون من أهل القبور، وإذا أصبحتَ فلا تَنتظرِ المساء؛ أي: فلا تُؤخِّر عمل الخير إلى المساء؛ فقد يُعاجلك الموتُ. وخُذْ من صحَّتك لمرضِك؛ أي: اغتنِم الأعمالَ الصَّالحة في الصِّحَّة قبل أن يحُول بينك وبينها المرضُ. ومن حياتك لموتك؛ أي: واغتنِم في حياتك الدُّنيا ما ينفَعك بعد موتك.

صبحكم الله بكل خير وصحة وسعادة وبركة في العمر والرزق وطاعة وحسن عبادة.