حرية الإبداع الأدبي والفني

كتب سمير لوبه :

« حرية الإبداع الأدبي والفني » 

في ذلك الطرحِ سنوضحُ أولاً كلَ ما جاء عن مفهومِ الإبداع وكلِ ما يتعلقُ به كذلك ما يتصل بحرية الإبداعِ تعريفُ الإبداعِ في اللغةِ : الإتيانُ بشيءٍ لا نظيرَ لهُ فيه جودةٌ وإِتقانٌ ، حيث يكونُ هذا الشيءُ لم يسبقْ له مثيلٌ أمَّا تعريفُ الإبداعِ اصطلاحاً : عمليةٌ تقومُ على تحويلِ الأفكارِ الجديدةِ والخياليةِ إلى حقيقةٍ واقعةٍ ، وينتجُ عنها إحضارُ شيءٍ جديدٍ غيرِ موجودٍ مسبقاً إلى الوجودِ ، علماً بأنَّه لم يتفقْ الباحثون على وضعِ مفهومٍ محددٍ لمصطلحِ الإبداعِ ، حيث اختلفت وجهاتُ النظرِ في ذلك ؛ نظراً لتداخلِ الاحتياجاتِ الاقتصاديةِ ، والاجتماعيةِ ، والسياسيةِ ، واختلافِ المعاييرِ التي تُصنِفُ المُبدِعَ من غيرِه ، وعلى الرُغمِ من ذلك ، فقد تمَّ وضعُ بعضِ المفاهيمِ الشاملةِ التي توضحُ معنى الإبداعِ ، لكنَّنا يمكنُنا أن نقولَ أنَّ الإبداعَ سمةٌ أو حالةٌ أو فعلٌ يتمُّ من خلالِه ترجمةُ الأفكارِ الجديدةِ والخياليةِ إلى حقيقةٍ ملموسةٍ ، إنَّ الإبداعَ في جوهرِه يُعرَف بالقدرةِ على رؤيةِ الأشياءِ بطريقةٍ مختلفةٍ لا يستطيعُ الآخرون رؤيتَها ، فالإبداعُ مهارةٌ تساعدنا في إيجادِ نظرةٍ جديدةٍ للأشياءِ ؛ فننشئ حلولاً إبداعيةً للمشكلاتِ ، ويتصفُ المبدعُ بمقدرتِه على إدراكِ العالمِ حولَه بتفكيرٍ مختلفٍ جديدٍ ، والإبداعِ في اتباعِ أنماطٍ غيرِ متداولةٍ ، والربطِ بينَ الظواهرِ التي قد تكونُ من مجردِ النظرةِ السطحيةِ غيرَ مترابطةٍ ، وهذا التعريفُ قد يتناقضُ مع بعضِ الأنشطةِ المعرفيةِ التي لا تُصنَفُ من الإبداعِ ، حلاًّ لأي مشكلةٍ ، أو استنباطٍ ، أو استدلالٍ ، و يمكنُنا القيامَ بكلِ ما أسلفناهُ ذكراً بأسلوبٍ يختلفُ عن الآخرين تماماً ، لذلك تُطرحُ الكثيرُ من التساؤلاتِ حولَ ماهيةِ الإبداعِ ، فهل هي سمةٌ إدراكيةٌ مستقرةٌ عندَ بعض الأشخاصِ ؟ هل هي حالةٌ عرضيةٌ يدخلُ فيها الناسُ أحيانًا ؟ أم أنَّها محددةٌ بشكلٍ تامٍ ؟ كيف يحدثُ الإبداعُ ؟ وهل هناك أسسٌ واضحةٌ له ؟ هل تساعدُ ممارسةُ الإبداعِ في جعل الأشخاصِ مبدعين ؟ كلُ هذه التساؤلاتِ ، نجد تفسيراً لها فيما أوردته وثيقةُ الأزهرِ للحرياتِ عن حريةِ الإبداعِ ” إنَّ الإبداعَ ينقسمُ إلى إبداعٍ علمي يتصلُ بالبحثِ العلمي ، وإبداعٍ أدبي وفني يتمثلُ في أجناسِ الأدبِ المختلفةِ من شعرٍ ، وسردٍ قصصي ، ومسرحٍ وفنونٍ بصريةٍ تشكيليةٍ ، وفنونٍ سينمائيةٍ وموسيقيةٍ ، وأشكالٍ أخرى مستحدثةٍ في كلِ هذه الفروعِ ، إنَّ الآدابَ والفنونَ في مُجملِها تهدفُ لتنميةِ الوعي من خلالِ الواقعِ ، وتنشيطِ الخيالِ وترقيةِ الإحساسِ الجمالي وتثقيفِ الحواسِ الإنسانيةِ وتوسيعِ مداركِها وتعميقِ خبرةِ الإنسانِ بالحياةِ والمجتمعِ ، كما تقومُ بنقدِ المجتمعِ أحيانًا ، والاستشرافِ لما هو أرقى وأفضلُ منه ، وكلُها وظائفٌ ساميةٌ تؤدي في واقعِ الأمرِ إلى إثراءِ اللغةِ والثقافةِ وتنشيطِ الخيالِ وتنميةِ الفكرِ، مع مراعاةِ القيمِ الدينيةِ العليا والفضائلِ الأخلاقيةِ ، ولقد تميزت اللغةُ العربيةُ بثرائِها الأدبي وبلاغتِها المشهودةِ ، حتى جاء القرآنُ الكريمُ في الذروةِ من البلاغةِ والإعجازِ، فزاد من جمالِها ، وأبرز عبقريتَها، وتغذت منه فنونُ الشعرِ والنثرِ والحكمةِ ، وانطلقت مواهبُ الشعراءِ والكتَّاب من جميعِ الأجناسِ التي دانت بالإسلامِ ونطقت العربيةَ تبدعُ في جميعِ الفنونِ بحريةٍ تامةٍ على مرّ العصورِ دونَ حرجٍ ، بل إنَّ كثيرًا من العلماءِ القائمين على الثقافةِ العربيةِ والإسلاميةِ من شيوخٍ وأئمةٍ كانوا هم من رواةِ الشعرِ والقصصِ بجميعِ ضروبِه ، على أنَّ القاعدةَ الرئيسةَ التي تحكمُ حدودَ حريةِ الإبداعِ هي قابليةُ المجتمعِ من ناحيةٍ ، وقدرتُه على استيعابِ عناصرِ التر اثِ والتجديدِ في الإبداعِ الأدبي والفني من ناحيةٍ أخرى ، وعدمِ التعرضِ لها ما لم تمسْ المشاعرَ الدينيةَ أو القيمَ الأخلاقيةَ المستقرةَ ، ويظلٌّ الإبداعُ الأدبي والفني من أهمّ مظاهرِ ازدهارِ منظومةِ الحرياتِ الأساسيةِ وأشدّها فعاليةً في تحريكِ وعي المجتمعِ وإثراءِ وجدانِه ، وكلما ترسخت الحريةُ الرشيدةُ كان ذلك دليلاً على تحضرِه ، فالآدابُ والفنونُ مرآةٌ لضمائرِ المجتمعاتِ وتعبيرٌ صادقٌ عن ثوابتِهم ومتغيراتِهم، وتعرضِ صورةِ ناضرةٍ لطموحاتِهم في مستقبلٍ أفضل” َ

أما أهميةِ الإبداعِ : إذا أردنا الحديثَ عنها نستطيعُ أن نقولَ أنَّ الإبداعَ يؤدي دوراً فعّالاً في حياة البشرِ ، والمجتمعاتِ ؛ فهو الذي يمنحُهم استطاعةَ العملِ على تجويدِ الإنتاجِ وتطويرِه ، كما يمكنَّهم من استخدامِ قدراتِهم وتوظيفِها في شتى المجالاتِ ؛ للمساهمةِ في إنتاجِ كلِ جديدٍ ومفيد ؛ إنَّ الإبداعَ يُمثلُ نَمَطَ حياةٍ ، وسِمةً شخصيةً ، وأسلوباً مُنظَّماً يُمكِننا من فَهمِ ومعرفةِ العالَم . حقيقةً إنَّ الإبداعَ يُعدُ مهارةً يمكنُ اكتسابُها، وتطويرُها، والتحكمُ بها، وقد بينت دراسةٌ أنَّ الإبداعَ مهارةٌ تُولدُ مع الإنسانِ ، وتبدأ بالتلاشي مع الوقتِ إذا لم يتمْ تنميتُها، ونجدُ أحياناً من يختلطُ عليه الأمرُ فلا يعرفُ الفرقَ بينَ الإبداعِ والابتكارِ : وهنا نسوقُ لكم مقارنةً موجزةً لتوضيحِ الفرقِ بينهما ، حيث أنَّ الإبداعَ قدرةُ الشخصِ على استخدامِ المهاراتِ العقليةِ لإيجادِ أفكارٍ جديدةٍ ، خارجةٍ عن المألوفِ ، أي القدرةُ على خلقِ أفكارٍ إبداعيةٍ جديدةٍ . كما أنَّ الإبداعَ ليس سلوكاً وراثياً ، وإنما سلوكٌ قابلٌ للتعلمِ والتطويرِ لدى الأشخاصِ ، وهو مهارةُ إيجادِ الأفكارِ وحلولِ المشكلاتِ ، على أن تكونَ أفكاراً نادرةً وفريدةً من نوعِها . أمَّا الابتكارُ هو قدرةُ الفردِ على إيجادِ أفكارٍ، أو أساليبٍ ، أو مفاهيمَ جديدةٍ ، وتنفيذِها بأسلوبٍ جديدٍ غيرِ مألوفٍ لدى الآخرين ، على أن تتناسبَ مع موقفٍ معينٍ يعبرُ عن قدرةِ الفردِ على استخدامِ الأفكارِ والمعلوماتِ والأدواتِ المتاحةِ ، بطريقةٍ فريدةٍ . وهكذا ومما أسلفناه ذكراً نكونُ قد ألقينا الضوءَ على الإبداع مفهوماً ومنهجاً . 

بقلم سمير لوبه