حكاية طريق الحرية بالأسكندرية شارع فؤاد سابقا

4

كتب وجدي نعمان

▪️هو أقدم وأعرق شارع في الإسكندرية، يعتبر متحف مفتوح يحكي ويلخص قصة المدينة على مدار 120عاما حيث شهد التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كست وجه المدينة ..
▪️يبدأ شارع فؤاد من باب شرق من ناحية تمثال الاسكندر الذي أهدته دولة اليونان لمصر سنة 2000 ،ويستمر حتى قسم العطارين مرورا بمركز الفنون والإبداع أو كما يطلق عليه “نادي محمدعلي ” وعند نقطة محددة يتقاطع شارع فؤاد مع شارع صفية زغلول بالقرب من كافيه ” إيليت ” الشهير ومطعم “سانتا لوتشيا” العريق كما يتقاطع مع الشارع الأشهر في وسط المدينة وهو شارع “النبي دنيال” الذي ترجح بعض المصادر التاريخية وجود مقبرة الاسكندر بالقرب منه ..
▪️شهد شارع ” طريق الحرية ” وهو الاسم الذي استحدثته ثورة يوليو لشارع فؤاد أول عرض سينمائي في مصر وكان ذلك في مسرح محمد على سنة 1896 والذي صار بعد ذلك مسرح سيد درويش باعتباره فرع دار الأوبرا في الاسكندرية وهو البناء الذي أنجزه المهندس الفرنسي جورج بارك على طراز فرنسي نادر ..
▪️تستطيع حين تمشي في “شارع فؤاد” أن تشتم عطر أنفاس ” كفافيس ” الشاعر السكندري ذو الأصول اليونانية التي لا زالت تعطر المكان وربما وقعت قدماك على أثر خطواته حيث كان يعود كل ليلة إلى بيته الذي صار الآن متحفا للزائرين ، تردد على الشارع أيضا في ذلك الزمن الكاتب الانجليزي أ. م. فورستر (ُEdward Morgan Forster) صاحب الكتاب المهم “الإسكندرية تاريخ ودليل” والذي كانت تجمعه صداقة عميقة بكفافيس تارة في زيارة لصديقه وتارة لزيارة ” نادي محمد علي” حيث كان فورستر عضوا فيه ..
▪️ليس هذا فقط فشارع فؤاد يضم كذلك إلى آثاره الخالده فيلا “مخلع باشا “الموجودة حتى الآن ومن شرفتها خطب الزعيم سعد زغلول بعد عودته من المنفى الأول في الجماهير ..
▪️يضم الشارع فيما يضم قصر “سرسق” باشا التاريخي الذي أنشئ سنة 1886 على طراز معماري نادر ويرجع أصل الاسم الى عائلة شامية لقبها ” سرسق” عاش أفرادها بين الشام والإسكندرية ..
▪️سيتيح لك تجولك على قدميك في ” طريق الحرية ” الاستمتاع بمشاهدة أجمل وأندر المباني الأثرية التى تحمل الطابع الأوربي مثل عمارة مكتبة الأهرام رقم 10 ذات الأعمدة الرومانية المبهرة، وعمارة أخرى شهيرة يتداول صورها رواد السوشيال ميديا وهى رقم52 تم بنائها سنة 1928 وصممه المعماري (ب . جريباي ) وهي ذات قبة شهيرة ولها نسخة طبق الأصل في برشلونة باسبانيا ..
▪️كان ولا يزال يزين الشارع عدد من المحال والبازارت العتيقة مثل موبليات عزت للأثاث، واستديو أمير للتصوير الفوتوغرافي ، ومحل الورد الشهير “اوفيون دي فلوريل” ..
▪️وقد اختار الكاتب “لورنس درايل” شارع فؤاد مسرحا لأحداث روايته الشهيرة “رباعيات الأسكندرية ” إذ سكن الشارع أبطال الرواية دايلى وبمباي ، وهي واحدة من أهم وأشهر الروايات العالمية ، وربما حدث ذلك لأن الكاتب نفسه كان يعيش ويعمل بالأسكندرية بالقرب من الشارع ذاته ..
▪️وللشارع أيضا حظ وافر من دور السينما أشهرها : بلازا ورويال التى شيدتهما عائلة قرداحي اللبنانية في الماضي، وبه أيضا سينما أمير، وسينما (ريو Rio) حيث كانت التذاكر تحجز مسبقا بالتليفون والذهاب بالملابس الرسمية ..
▪️وقد كانت سينما ريو تحديدا شاهدة على حدث سياسي وتاريخي هام حين دخلها أحد الأشخاص حاملا متفجرات في جيبه بغرض تنفيذ عمل إرهابي لكن المتفجرات اشتعلت في جيبه ولفتت النظر إليه وسارعت الشرطة للقبض عليه ليتبين أنه المدعو” فليب ناتاسون” عضو إحدي المنظمات الصهيونية فيما عرفت بعد ذلك بقضية ” لافون سنة 1954 ” وكان من أهدافها تخريب وتفجير المؤسسات الاقتصادية والثقافية ، وكان تفجير ” ريو ” ضمن خطة تفجير القطارات ومسرح ريفولي بالقاهرة وسينما مترو بالإسكندرية، وقد كانت تلك القضية السبب الرئيسي في انشاء جهاز المخابرات المصرية ..
▪️وبجوار ريو يقع مطعم (بسترودس-pastroudis) الذيأسسه الخواجة اليوناني بسترودس 1922 وكان يضم كافيه ومطعما وحلوانيا يقدم أصنافا متنوعة من المطبخ اليوناني والفرنسي وكان من أشهر زبائنة الملك فاروق وأم كلثوم ونجيب محفوظ ..
▪️ولعلك عزيزى القارئ من عشاق السينما وربما قد شاهدت الفيلم البديع ” رسائل البحر” للمخرج داود عبد السيد، ففي أحد الكادرات تقف بسمة” نورا ” بطلة الفيلم وهي تدخن السجائر وتنظر للأطفال بينما تحدث نفسها عن حبييبها “يحيى” من خلف زجاج المطعم اليوناني بشارع فؤاد لتؤدي أحد أجمل مشاهد الفيلم، ولكن مع الأسف فقد المكان أجواءه الأوروبية التي تحمل عبق القرن 19، بعدما تم بيعه ليتحول إلى مطعم “أبو السيد” للمأكولات الشعبية ..
▪️كذلك حل مطعم “جاد” للفول والفلافل مكان صالة “فينوس” العريقة المشهورة بتقديم الشاي مع الحلويات الفرنسية والكعكات اليونانية وكانت الصالة تتسع الى 320 ضيفاً وهي تقع أسفل مقر حزب الوفد وفيها اتخذت الكثير من القرارات التاريخية المصيرية ومن أشهر روادها زعماء حزب الوفد : فؤاد سراج الدين باشا ومكرم عبيد باشا وأحمد لطفي السيد ،أما صيدلية “نعوم” فقد أصبحت بعد التأميم ” صيدلية الحرية” فيما تحول النادي السوري إلى نادي الإسكندرية ليخسر المكان جزءا مهما من هويته الثقافية والاجتماعية ..
▪️يعاني شارع فؤاد للأسف من الإهمال والظلام وتزايد عدد العقارات المهجورة التي تضفي أجواء من الكآبة على الشارع العريق مثل منزل رقم 115 و31و96و111 وغلق سينما بلازا التى أنشئت سنة 1910، وقد بدأ ذلك منذ هجرة السكان لبنايات الشارع من الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو، ويذكر أنه سبق و قدمت منظمة اليونسكو مشروعا للحفاظ على التراث المعماري والثقافي للشارع أملا في عودته لحاله القديم ،وغلقه أمام السيارات ليكون ممشى سياحي فقط لكن المشروع لم يظهر للنور ..
▪️وليس شارع فؤاد إلا وجها مضيئا من وجوه عروس البحر المتوسط وملمحا من تاريخها ومعلما من معالمها الأصيلة الباقية ولابد من الحفاظ عليه وترميمه بالكامل كما حدث مثلا مع شارع المعز في القاهرة القديمة ، حتى لا يقع فريسة في يد تجار القبح من السماسرة والمقاولين فيختفي جماله ويتلاشى تدريجيا كما حدث مع فيلا “شكوريل” وعمارات “راقودة ” مسقط رأس يوسف شاهين وعمارة مقهى كرستال رقم 7 على الكورنيش وغيرها وغيرها من الآثار البديعة بطول مصر وعرضها ..