حينما تتحول الكتابة ممرا إلى عالم آخر

17

م.عزام حدبا

كل منا يملك عالمين.. عالم الخيال وعالم الواقع.. الكثير منا يعتبر الوهم والخيال

مترادفين وكذا ينظر الى الحقيقة والواقع لكن في الحقيقة ليس كل خيال وهما وليس كل

واقع حقيقة.. الحقيقة بالنسبة لي هي كل ما يمثلني ويعبر عني.. لذا حين يفشل الواقع في

التعبير عني وعن طموحاتي وعن رؤيتي للعالم يتحول الى الواقع الى كذبة وسراب ووهم

وحينما ينجح العالم الصغير الذي يعيش في قلبي وعقلي في التعبير عن كل أفكاري ومشاعري

يكون بالنسبة لي هو الحقيقة.. وهكذا كثيرا ما اقرأ خاطرة رائعة لكاتب مبدع تحملني الى

عالم آخر.. تعبر بي كل الحدود التي رسمها رجال السياسة فأطير دونما حاجة الى جواز

سفر وفيزا وتذكرة طائرة.. أطير واحلق بعيدا بعيدا جدا..

بالنسبة للبعض الكتابة هي ان تمسك القلم وتكتب أو ان تطبع بضعة حروف على لوحة

المفاتيح تعبر فيها عما تشعر به.. لكن بالنسبة لي أرى أن فعل الكتابة أعمق من هذا بكثير..

ترتبط الكتابة بالتفكير وتكاد لا تنفصل عنه.. والسرور الذي تبعثه في النفس منفصل

عن الفعل الذي تقوم به أصابعنا والذي لا يعدو أن يكون مجرد وسيلة.. الأفكار طيور تمر

في فضاء عقولنا ولا سبيل لالتقاطها بدون كتابة.. جبل الانسان على حب التملك لذلك

يسعى لتجسيد أفكاره على الورق تماما كما يسعى لتجسيد لحظاته الجميلة بالتصوير الفوتوغرافي..

الفكرة في عقلك فكرة حرة.. قد تكون زائرة لطيفة.. سائحة تمر به مرور الكرام..

أو ضيفة ثقيلة طفيلية لا تنتمي لك ولا تنتمي لها.. فقط حينما تكتبها تصبح لك.. أسيرتك..

تفاخر بها أمام الناس كانجاز لك.. بالكتابة تبني عالمك الخاص.. عالمك الذي تتحكم به ..

فأفكارنا هي الشيء الوحيد الذي نتحكم به اما سائر الظروف فلا نملك اي سيطرة عليها..

حينما تكتب تلتقط كل المشاعر وكل الذكريات وتمزجها بخيالك الخصب لتخرج منها مزيجا

فريدا من نوعه يعبر عنك او عما تريد ان تكونه.. تكتشف العلائق بين مختلق العناصر في

الكون وتعيد تشكيلها بطريقة جذابة تتناسب مع نظرتك ومعرفتك.. لذلك ومن هذا الباب

استغرب ان يعجز الانسان عن الكتابة.. فمن منا لا يفكر.. من منا لا يشعر..

من منا لا يتخيل.. من منا لا يعيد تشكيل الواقع والعلاقات بين عناصره..

إن لم يكن ما تحب فأحب ما يكون.. لطالما كانت مشكلتي مع المقطع الثاني من العبارة..

فالمقطع الاول لا غبار عليه ولا خلاف فيه.. أما الثاني ففيه كل الضيق والعبء.. كيف أحب ما يكون؟؟؟

بل كيف اعتاد على ما لا يمكن الاعتياد عليه؟؟ كيف اتكيف واتعايش مع كل ما لا أحبه؟؟

ولماذا؟؟ لو كان هذا العالم او هذا الواقع عالما منطقيا عادلا وكانت الأخطاء في

أنا لتكيفت معه أو لحاولت.. أما ان أتنازل وأضحي من أجل تقبل كل هذه الفوضى

وكل هذا الهراء فهذا غير وارد.. أظن أن مشكلتنا اننا ننخدع بكل هذه التقنيات والتكنولوجيا

المتطورة وكل مظاهر الحضارة من أبراج وناطحات سحاب وصواريخ ومركبات فضائية..

نظن إننا في عالم يسير نحو الأمام بشكل مضطرد في هو يتقهقر وينهار الى الحضيض..

حتى بتنا نكاد لا نلمس فيه أي اثر للمنطق والعدل والانسانية.. عالم يزداد فيه الثري

ثراء ويموت فيه الفقير من الجوع هو عالم لا يستحق أن يصمد ولا أسف عليه أن هلك بكل من يحمله على ظهره.