“خالد صالح ” حكاية لا تنتهي

20

 

قال: “أنا ما باخافش

 

من الموت،

 

رغم إني أكتر

 

واحد عانيت منه!

لكن العمر دا مش بإيد الإنسان”

في الجيزة مدينة اسمها

أبو النمرس، اللي اتولد هناك

“خالد صالح” في 23 يناير 1964م،

وأمه ماتت وهي بتولده

ﻷنها كانت مريضة بالقلب

، ونشأ يتيم بعد ما لحق بيها أبوه

-العم “صالح”- وهو طفل صغير،

ومن يوميها تحول أخوه

الكبير ﻷب وأم بالنسبة له،

أخوه دا اسمه “إنسان”، “إنسان صالح”،

كانت حياة فقيرة أوي ومشحونة

 

بالألم والمعاناة

واليتم والعوز

، واتمرمط “خالد”

بين التعليم وبين شغله

، فران، بياع، مندوب،

\أي حاجة تسد حاجته وتساعده لمواجهة

مجاهيل الحياة..

واتخرج في كلية الحقوق

سنة 1987م، وعلى خشبة

مسرحها أثناء دراسته بدأت

موهبته تظهر واتولد حلمه، وحتى لما

اشتغل سواق على تاكسي بعد تخرجه

ما نسيش حلمه بالتمثيل،

واشتغل في المحاماة لمدة شهر،

وقال عن الفترة

دي إنه كان عارف إنه مش هيقدر يكمل

مشواره فيها، واتجه مع أخوه “إنسان” لتجارة الحلويات

الشرقية، وقال إنهم

بدأوا تجارتهم بـ”كيلو

دقيق وكيس سكر وقالب زبدة”،

لحد ما بقوا أصحاب مصنع للحلويات

الشرقية، وعندهم 3

عربيات لتوزيع الإنتاج..

هو اعتبر دي فترة ناجحة ولكنها مش من نوعية النجاح اللي عايزه، وكان بيسهر في السينمات والمسارح زي عادته،

بيرضي شغفه، ودا أثر بالسلب على شغله، وتطور الأمر لاختلاف مع أخوه الشيخ “إنسان”، ﻷن دا شغل ناس وفيه

بيوت مفتوحة من وراه، واترفد من المصنع ﻷنه مش ملتزم بمواعيد الصبح بدري.. وبقى عاطل، وأخوه قاله جملة

عبقرية أوي في آخر يوم له في المصنع، قال: “روح شوف انت عايز تبقى إيه، بس لو ما حققتش حلمك لازم تتعود

تصحى بدري!”..

واضطر يسافر يشتغل أي حاجة في الخليج لتأمين معيشة أسرته، المكونة من زوجته الدكتورة هالة و3 أولاد، كان

بيجرب حظه ولكنه فشل ورجع لمصر، لخمة العيشة الصعبة بظروفها القهرية نسته حلمه، حلم التمثيل، اللي بدأ يلح

عليه تاني بعد رجوعه، وراح لمعهد الفنون المسرحية وكلم المعيد “وائل خورشيد” وقتها، طلب أي دور فمنحه دور

كومبارس صامت في المسرح، كان كل اللي بيعمله إنه بيمشي في خلفية المسرح أثناء حوار الأبطال، بس، وبعدين

راح مسرح الهناجر بدار الأوبرا، لحد ما الدنيا بدأت تفتح شوية مع أول دور له في فيلم “جمال عبد الناصر” سنة

1996م، وجسد فيه دور رئيس جهاز المخابرات “صلاح نصر”..

 

في عز فرحته بأول خطوة في المشوار الطويل تجيله صدمة تكسره، يشاء السميع العليم إنه ما يتهناش باللي عمله،

وفي نفس السنة أصيب “صالح” بآلام حادة في قلبه، وعرف حقيقة مرضه الوراثي اللعين في القلب، زي أمه وزي

أخوه “إنسان”، ورث الداء وعرف إن أيامه في الدنيا بقت معدودة، واتأكد إن قلبه عليل ما يقواش على تحمل أي أعباء

أو مجهود، ولكنه ما استسلمش وأخد علاج يضمد جراحه وقرر الخضوع لجراحة تسعفه، وسنة 1998م كانت مصر

بتحتفل بكأس أفريقيا، وهو كان بيعمل عملية قلب مفتوح وهو عنده 34 سنة..

وبعدها كمل المشوار الصعب، وشارك في أول مسلسل له سنة 1999م، جسد دور الشاعر “مأمون الشناوي” في

مسلسل أم كلثوم، ودا كان جسر التواصل بينه وبين الجمهور، وبعدين ظهر في مشهد من فيلم “محامي خلع”، لكنه

علق مع الناس، وبحلول سنة 2000م، قرر “خالد صالح” التفرغ تماما للحلم، وقال: “في خلال سنتين لو ما حققتش

حلمي يبقى لازم أتعود على الصحيان بدري”، وتوقف عن التجارة، وواجه العديد من الضغوطات في الفترة دي

خاصة مع مسؤوليته العائلية، وقال إن زوجته كانت خير داعمة وساندة له، وتحملته في فترات صعبة من حياته، وكان

شايل لها جميل إنها وافقت عليه وهو عاطل، وآمنت بيه على الرغم من إنها دكتورة لها مركز مرموق، لدرجة إنها

تحملت أول عام من جوازهم بدون أوضة نوم.‎.

كان عمره 36 سنة ولمع نجمه بسرعة، وبرع في أداء الأدوار المعقدة وفي أدوار الشر والجبروت، وكانت النقلة الكبيرة

لما “أحمد السقا” رشحه ل”طارق العريان”، وشاركه بطولة فيلم “تيتو TITO”، وكان بداية شهرته الحقيقية سنة

2004م، ولكنه ما نسيش إنه واحد عادي صدق حلمه وحققه، فكان داعم لكل الناس العادية اللي بينتمي لهم، حباه

الله وأحاطه بحب كل من عرفه واتعامل معاه، أيقونة للقبول، زي ما المثل بيقول “من حبه ربه حبب فيه خلقه”، وعلى

طول كان اللي في جيبه مش ليه، وكان بيقول:

– “الفلوس اللي بتجيلنا دي مش بتاعتنا ربنا بيقدرنا نشتغل عشان نجمع فلوس لأننا مجرد بوسطجية بنوصل

رسايل”..

ورغم كدا كانت مساعداته مش مادية بس، وعمره ما بخل بنصيحة ولا توجيه ولا تعليم، وكانت أكتر نصيحة بيكررها

على مسامع اللي حواليه هي: اللي خايف نطمنه، اللي زعلان نفرحه، اللي مخنوق نقف جنبه”، وقيس على كدا كل

مواقفه طيلة حياته، ما سابش حد يعرفه في أزمة سواء كان قريب منه أو بعيد إلا وكان في كتفه، خصوصا بعد

صدمته بوفاة الشيخ “إنسان” بالقلب سنة 2012م، وفجأة ضهره اتقسم برحيل الأب والأم والأخ، حس باليتم فجأة

وكأنه رجع طفل صغير بدون أبوين، ومجبر يشيب ويتحمل وحشة الحياة، وهنا شال كل المحتاجين اللي كان بيعولهم

أخوه الشيخ “إنسان”، كان جدع أوي الله يرحمه..

لدرجة إنه ساب أهله أول يوم العيد وراح يدور على واحد محتاج اسمه “عبادة”، كان شغال مع أخوه في مطعم، ولما

أخوه مات ما بقاش له عائل والدنيا جت عليه أوي، ونزل “خالد” يلف ويدور في محافظة الجيزة وضواحيها، الرقعة،

أبو هريرة، سوق البرسيم، كان الراجل انطرد من شقته عشان مش معاه تمن الإيجار، ولف عليه لحد ما لقاه في سوق

البرسيم وسط أحواش العربجية وعربيات الكارو والحمير، وما سابهوش غير لما جب له عربية سوزوكي عشان يشتغل

عليها.. الكلام دا إمتى يا اخونا؟ دا أول يوم العيد..

كانت سعادته في سعادة اللي حواليه، وعشان داق طعم الألم ما كانش يحس بالراحة أبداً وغيره بيتألم لأي سبب،

حتى إن فترة مرضه الطويلة كانت له نوعيات معينة في الأكل، وكان ماشي بكيس العلاج حرفيا للقلب والضغط

والقولون، ورغم كدا لما كان بيشوف العمال في التصوير بياكلوا، كان بيقعد معاهم وبياكل من اللي بياكلوه، جبران

خاطر كدا، وكان دايما بيقول: “جبر الخواطر بالدنيا وما فيها”، وعشان كدا حرص “خالد صالح” دايم التبرع للجمعيات

الخيرية في كل بلد بيزوره، وكان شايف دا واجب عليه أداءه.. وفي مرة كان في مهرجان أبو ظبي للسينما، وساب

المهرجان لمدة 3 أيام عشان يشارك في حفل مستشفى سرطان الأطفال في السودان..

وعشان كدا كان عارف حقيقة الموت أكتر من أي حد، وقال جملته -اللي في بداية المقال- وهو في لقائه مع “منى

الشاذلي”، داق الموت في أعز ما ليه في الدنيا، أم، أب، أخ، وغير موته هو نفسه بالبطيء، وكل دقة من دقات قلبه

كانت بالنسبة له الأخيرة، واتعرض لأزمة قلبية نتيجة الإجهاد الشديد، اللي بذله أثناء تصوير مسلسله العظيم جدا

“موعد مع الوحوش”، وحس بأوجاع حادة في منطقة الصدر، أثناء تصوير مسلسله الأخير “حلاوة الروح”، وحاول إخفاء

تعرضه لبعض المتاعب الصحية اللي دخل بسببها مركز أمراض القلب..

الأطباء أخبروه بضرورة خضوعه لعملية قلب مفتوح لتغيير شريان وصمام في القلب، ودخل مركز “مجدي يعقوب”

لجراحات القلب في أسوان، في سبتمبر سنة 2014م، عشان يقوم بتغيير صمام بالقلب، وأجريت له العملية بإيد جراح

القلب العالمي الدكتور “مجدي”، ولكن الحالة تدهورت، وتوفي “خالد صالح” فجر الخميس 25 سبتمبر، عن عمر يناهز

50 سنة، وشيع جثمانه فجر الجمعة من مسجد عمرو بن العاص في القاهرة، وفقدت السينما العربية فنان عظيم

وعملاق جدا، فنان بدرجة إنسان..

مات “خالد صالح”، ومرت سنين على وفاته، ومفيش حد افتكره غير ابنه وكم واحد يتعدوا، لكن أنا حبيت أقول إنه

عايش في ذاكرة الشعب، خالد، ربنا جعل له من اسمه نصيب، ولو سمحت -لو وصلت قراءة لحد هنا- ادعي له

بالرحمة والمغفرة، الله يرحم “خالد صالح”، عاش صالح ومات خالد

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٣‏ أشخاص‏، ‏‏‏بدلة‏ و‏لقطة قريبة‏‏‏‏