مستشارك القانونى

دعوة لتصحيح المسار من خلال توبة مالك بن دينار

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فمن منا لا يخطيء؟!

ومن منا لم يخطيء؟!

كلنا أصحاب ذنوب ومعاصي ،ولولا ستر الله علينا لهلكنا بذنوبنا .

يقول الله تعالى: 

{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا }

(سورة فاطر ، الآية: 45)

جاء في تفسير الإمام الطبري رحمه الله:

يقول تعالى ذكره: ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ ) يقول ولو يعاقب الله الناس ويكافئهم بما عملوا من الذنوب والمعاصي واجترحوا من الآثام ما ترك على ظهرها من دابة تدب عليها( وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول: ولكن يؤخر عقابهم ومؤاخذتهم بما كسبوا إلى أجل معلوم عنده، محدود لا يقصرون دونه، ولا يجاوزونه إذا بلغوه.

 وعن قتادة رضي الله عنه

( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ) إلا ما حمل نوح في السفينة.

وقوله ( فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) يقول تعالى ذكره: فإذا جاء أجل عقابهم فإن الله كان بعباده بصيرًا من الذي يستحق أن يعاقب منهم، ومن الذي يستوجب الكرامة ومن الذي كان منهم في الدنيا له مطيعًا، ومن كان فيها به مشركًا، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعزب عنه علم شيء من أمرهم.

فلعلها دعوة للتوبة وكلنا هذا الرجل المستور والملتحف بستر الله تعالي.

يقول مالك ابن دينار رضي الله عنه :

بدأت حياتي ضائعا سكيراً عاصيا .

أظلم الناس وآكل الحقوق .

 آكل الربا .

 أضر الناس .

 أفعل المظالم ، لا توجد معصية إلا وارتكبتها . شديد الفجور ، يتحاشاني الناس من معصيتي

ثم يقول:

في يوم من الأيام اشتقت أن أتزوج ويكون عندي طفلة ..

 فتزوجت وأنجبت طفلة سميتها فاطمة . أحببتها حباً شديدا .

، وكلما كبرت فاطمة زاد الإيمان في قلبي وقلت المعصية في قلبي .

، ولربما رأتني فاطمة أمسك كأسا من الخمر . فاقتربت مني فأزاحته وهي لم تكمل السنتين . وكأن الله يجعلها تفعل ذلك.

، وكلما كبرت فاطمة كلما زاد الإيمان في قلبي .. وكلما اقتربت من الله خطوة ، وكلما ابتعدت شيئا فشيئاً عن المعاصي..حتى اكتمل سن فاطمة ثلاث ( 3 سنوات) فلما أكملت الــثلاث

سنوات ماتت فاطمة.

حقيفة قدر صعب وأمر ليس باليسير إلا بصبر من الله وعظيم الاستعانة به.

يقول :

فانقلبت أسوأ مما كنت ، ولم يكن عندي الصبر الذي عند المؤمنين ما يقويني على

البلاء..

 فعدت أسوا مما كنت ، وتلاعب بي الشيطان حتى جاء يوما فقال لي شيطاني :

لتسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من قبل!!

فعزمت أن أسكر وعزمت أن أشرب الخمر وظللت طوال الليل أشرب وأشرب وأشرب

فرأيتني تتقاذفني الأحلام .. 

حتى رأيت تلك الرؤيا.

رأيتني يوم القيامة وقد أظلمت الشمس وتحولت البحار إلى نار.. 

وزلزلت الأرض …

، واجتمع الناس إلى يوم القيامه .

، وصار الناس أفواج .. وأفواج .. 

وأنا بين الناس وأسمع المنادي ينادي فلان ابن فلان .. هلم للعرض على الجبار.

يقول: فأرى فلان هذا وقد تحول وجهه إلى سواد شديد من شده الخوف حتى سمعت المنادي ينادي باسمي .. 

هلم للعرض على الجبار يقول:

فاختفى البشر من حولي (هذا في الرؤية) وكأن لا أحد في أرض المحشر .. 

ثم رأيت ثعبانا عظيماً شديداً قويا يجري نحوي فاتحا فمه. فجريت أنا من شده الخوف فوجدت رجلاً عجوزاً ضعيفاًً فقلت: آه 

 أنقذني من هذا الثعبان.

فقال لي :

 يابني أنا ضعيف لا أستطيع ولكن إجر في هذه الناحية لعلك تنجو …

فجريت حيث أشار لي والثعبان خلفي ووجدت النار تلقاء وجهي .

 فقلت: أأهرب من الثعبان لأسقط في النار فعدت مسرعا أجري ، والثعبان يقترب فعدت للرجل الضعيف وقلت له:

 بالله عليك أنجدني أنقذني ، فبكى رأفة بحالي ..

وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن اجر تجاه ذلك الجبل لعلك تنجو.

فجريت للجبل والثعبان سيخطفني فرأيت على الجبل أطفالا صغاراً فسمعت الأطفال

كلهم يصرخون : يا فاطمة أدركي أباك أدركي أباك

يقول:

فعلمت أنها ابنتي .. ويقول ففرحت أن لي ابنة ماتت وعمرها ثلاث ( 3 سنوات ) تنجدني من ذلك الموقع فأخذتني بيدها اليمنى ، ودفعت الثعبان بيدها اليسرى وأنا كالميت من شدة الخوف.

ثم جلست في حجري كما كانت تجلس في الدنيا وقالت لي يا أبي:

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ) .

(سورة الحديد ، الآية: 16)  

يقول:

يا بنيتي …. أخبريني عن هذا الثعبان!!

قالت هذا عملك السيئ أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك .

 أما عرفت يا أبي أن الأعمال في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامة ؟

يقول: وذلك الرجل الضعيف.

قالت: ذلك العمل الصالح ، أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى لحالك لا يستطيع أن يفعل لحالك شيئا ولولا أنك أنجبتني ولولا أني مت صغيرة ما كان هناك شئ ينفعك.

يقول:

فاستيقظت من نومي وأنا أصرخ: 

قد آن يارب..

 قد آن يارب.. نعم

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ)

يقول:

واغتسلت وخرجت لصلاة الفجر أريد التوبة والعودة إلى الله.

يقول:

دخلت المسجد فإذا بالإمام يقرأ نفس الآية: 

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ)

نعم.. ذلك هو مالك بن دينار من أئمة التابعين

وهو الذي اشتهر عنه أنه كان يبكي طول الليل .

 وكان يقول رحمه الله: 

إلهي أنت وحدك الذي يعلم ساكن الجنة من ساكن النار

، فأي الرجلين أنا ؟!

اللهم اجعلني من سكان الجنة ولا تجعلني من سكان النار.

وقد تاب مالك بن دينار توبة نصوحا صدق فيها مع الله تعالي.

، واشتهر عنه أنه كان يقف كل يوم عند باب المسجد ينادي ويقول:

أيها العبد العاصي عد إلى مولاك .

 أيها العبد الغافل عد إلى مولاك .

أيها العبد الهارب عد إلى مولاك .

 مولاك يناديك بالليل والنهار 

يقول لك: 

من تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة.

اللهم إنا نسألك من فضلك وكرمك يا ربنا

 تباركت وتعاليت أن ترزقنا التوبة النصوح وأن تقبلنا في الصالحين.

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى