دعوة للاكتئاب. بقلم: د. باسم موسى

65

عزيزي القارئ؛ لم نبتسم أو يصيبنا الهدوء ونفرح أحيانا ونحن معرضون في أية لحظة

لاستقبال رنة هاتف يتبعها خبر في منتهى السوء؟! وقد نتعثر فجأة أثناء المشي فنصاب

بمكروه شديد والعياذ بالله! وقد نخرج شيئا من جيوبنا لنتفاجأ بضياع مبلغ كبير كان معنا،

وغيرها كثيرا من كل أنواع السوء والبلاء. لمَ نبتسم إذن أو نهدأ خبرني بالله عليك!

الإجابة باختصار يا سيدي؛ هي حسن الظن بالله مع اليقين بفوائد الابتلاء. إن الرجال

كانت ولا تزال تصنعهم الشدائد، فمن لم يُقوِ عضلات جسده بالأحمال؛ لا يقوى؛ وكذلك هي

عضلات النفس تقوى بأحمالها من الشدائد.
ولكن لي عندك سؤال؛ هل تتكرر على الواحد منا كل يوم إحدى الشدائد؛ أم أن ذلك على

فترات؟! حسنا، فهل كل الشدائد تأتينا بنفس الدرجة من السوء؛ أم أن بعضها أدنى في ذلك من البعض؟ و أزيدك سؤالا؛ هل كل الشدائد

تقع علينا مفردين؛ أم قد يشاركنا فيها من يؤازر ويهون؟!

أسئلة كثيرة تتردد في العقل بشأن ذلك؛ ولكن إن سألنا بطريقة إيجابية عن أيهما أكثر؛ وقت

الشدائد أم وقت ثبات الأحوال على طبيعتها الهادئة؟ فهل إذن تأتينا أنباء لأحداث فرح

وسعادة ولو على فترات؟! إذا أجبت بحيادية عن هذه الأسئلة فستجد نفسك الآن تشعر بنوع من الارتياح أو على الأقل الرضا.

ولو رجعت بفكرك إلى المنطق وحقائق الواقع؛ فستذكر أن واحدنا في هذه الحياة؛ فعلا

مجرد ضيف جاء ليقضي عملا ما لعدة سنوات ثم هو عائد لا محالة إلى منشأه، فهل يعقل أن يظل يثقل نفسه بالهموم وسوء الظن وتوقع

السوء في كل حين؛ إلى حد اليأس مثلا، أو الاكتئاب، أو غيرها؟! إنك مؤقت هنا يا عزيزي فهون عليك وتحمل.

إنك حتى لو حُمّلت ما حُمّلت؛ فلا شك أن هناك من يحمل مثل حملك ولا زال صامدا، ولا شك أن هناك من هو أثقل منك حملا ولا زال

يرضى، إنك لست أضعف من هؤلاء حتى تكون أقل منهم تحملا أو تقبلا للأحداث، فمعلوم أن السفر دوما لا بد مُكابِدهُ المسافر؛ فليصبر حتى يصل.

إنني عندما دعوتك للاكتئاب في عنوان المقال وفقرته الأولى؛ إنما دعوتك دعوة استثارة

لحفيظتك، حتى أبني بداخلك حائط صد ضد السخط والشعور بالعذاب في حياة تبدو لك بلا نهاية، وأتمنى أن أكون قد نجحت في بناء

ذلك الصد والصدود؛ باستفزاز مشاعرك ضد هذه الدعوة.

إننا يا صديقي أقوياء فعلا؛ وإذا رجعت بذاكرك مفتشا في أعماق ذكرباتك؛ فستجد أدلة على كلامي، مواقف عديدة وقفت فيها

صارما تتحدى الشدائد، كنت فيها بطلا أمام نفسك وأمام الآخرين، ثم مرت، والآن لكي تتذكرها فإنك تبذل جهدا للبحث عنها في
تاريخك.

لا ثبات في الحياة لشيء؛ هذا معلوم بالضرورة، إذن فعلينا تقبل الفوز والخسارة في

أحداث الحياة. يحق لنا أن نحزن؛ نعم يحق ولكن لا حق لنا في اليأس والقنوط، ولا تنسى ذلك فهو واجب عليك.

وعلينا أيضا أن نتعلم كيف نفرح؛ وكيف نستمتع بالفرح، وتذكر أن كل يوم يمر طبيعيا يستحق أن نسعد بشأنه، ولست أبالغ في ذلك؛

فنحن نعيش فيما يسمى بالدنيا؛ أي دار الدناءة والرذائل؛ فإذا نجانا الله في يوم من دناءتها؛ فعلينا الفرح والتعبير عنه بالابتسامة والرضا.

أعتقد أنك الآن بلا شك ترفض دعوتي للاكتئاب، وأنا مغتبط لذلك، فهي دعوة يفرح

كل حريص عليك برفضها، بل والأكثر إثارة للفرح؛ أن تعاند هذه الدعوة فتهرول نحو أي قبس سرور حتى تقبض عليه؛ ثم جره إليك

جرا حتى تنسج منه ثوب رضا وسكينة يدفئك في برد هذه الدنيا. والآن أتركك تنسج فلا وقت للكسل.