د محمد بركات يكتب حال الصالحين في رمضان (21) سلسلة أسوة في الخير}

11

بقلم د/ محمد بركات يكتب

 

حال الصالحين في رمضان

(21)

سلسلة أسوة في الخير}

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة

والسلام على المبعوث رحمة

للعالمين سيدنا محمد وعلى آله

وصحبه أجمعين وبعد:

 

 

ومع اجتهاد الصالحين الجم في

العبادة والطاعة فقد كانوا في

غاية التواضع، فهذا يونس بن

عبيد يقول: “إني لأعد مائة

خصلة من خصال البر ما فيَّ

منها خصلة واحدة” ما هذه

العبادة؟

وما هذا الإخلاص؟ مع ما عرف

عنه من التشمير، والاجتهاد فإنه

يقول: ما فيَّ من المائة خصلة

واحدة منها.

 

وكان لهم حال أمثل مع

المجاهدة

كمحمد بن المنكدر رحمه الله

الذي يقول :

 

“كابدت نفسي أربعين سنة حتى

استقامت” أربعين سنة، وهو

يقوِّم نفسه، ويجاهدها على

طاعة الله وقول ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين سنة، واستمتعت بها عشرين سنة، فالمجاهدة أمر لابد منه.

وكانوا مع الليل نماذج مشرفة ومشرقة للغاية ، فمنهم من يُفتح عليه في صلاة الليل، وقراءة القرآن؛ ومنهم من يفتح عليه في الصيام، ومنهم من يفتح عليه في غير ذلك.

، فهذا عبد الله العمري لما كتب للإمام مالك يعاتبه على التشاغل بالعلم، ويقول: عليك بالعبادة، والصلاة، وكثرة النوافل، وكثرة قراءة القرآن، رغم أن شغل الإمام مالك في بيته كان كما ذكرت أخته: المصحف، وقراءة القرآن؛ فكتب إليه الإمام مالك رداً بديعاً يقول: “إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرُبَّ رجل فُتح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة، ولم يفتح بالصوم، وآخر فتح له بالجهاد، فنشر العلم من أعظم أعمال البر، وقد رضيت بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، وبِرّ”.

وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقد أنكر عليه أصحابه قلة الصيام؛ وقد كان ابن مسعود يصوم الإثنين، والخميس، والأيام البيض، فقالوا له: صومك قليل، فأقرهم على أن هذا فعل قليل، لكنه اعتذر بعذر فقال: إني أخاف أن يضعفني عن القراءة، والقراءة أحب إلي من الصيام، فلاحظ ما هو البديل له ؟

يقول: القراءة أحب إليَّ من الصيام، وفي رواية: إني أختار الصلاة على الصوم، فإذا صمت ضعفت عن الصلاة.

وجاء من حديث أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – أن النبي ﷺ دخل عليها، وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالوا: امرأة تصلي فلا تنام، فقال ﷺ: عليكم من العمل ما تطيقونه، فوالله لا يمل الله حتى تملوا[ أخرجه البخاري

 في كتاب: بدء الخلق – باب: صفة إبليس وجنوده (3103) (ج 3 / ص 1194)، ومسلم في كتاب: الصيام – باب: فضل شهر رمضان (1079) (ج 2 / ص 758)].

وكان أحب الدِّين إليه ﷺ ما دام عليه صاحبه، وهذا أمر في غاية الأهمية ، وهي: أن الإنسان يتحمل من العمل ما يطيق؛ لأن من مقاصد الشارع بتعبدنا بهذه الشريعة كما قال الشاطبي – رحمه الله -: هو الدوام على العبادة،

أن نتكلف من العمل شيئاً لا يوصلنا إلى حد السآمة، والضجر، والانقطاع، وهذا الذي يحصل دائماً، حيث يتحمس الإنسان فيصلي إحدى عشرة ركعة – ليلاً طويلاً – ولا عهد له بالقيام، وبعد أن يصلي ليلة، أو ليلتين ينقطع عن الصلاة، بل ينام حتى عن الوتر، ولربما نام عن صلاة الفجر، فينبغي للإنسان أن يتحمل من العمل قدراً يطيقه، ويستمر على ذلك؛ ثم يتدرج بعده، أما التكلف الذي يفضي إلى حد حمل النفس على ما لا تطيق فهذا أمر لا ينبغي.

، ولذلك جاء من حديث أنس أن النبي ﷺ دخل فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب تصلي، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي ﷺ: لا، حلوه،

ليصلِّ أحدُكم نشاطَه فإذا فتر فليقعد.
[أخرجه البخاري في أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد في العبادة (1100) (ج 1 / ص 386)، ومسلم -واللفظ له- في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها – باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد (785) (ج 1 / ص 542).].

( و أخرجوالبخاري في أبواب التهجد – باب: ما يكره من التشديد في العبادة (1099) (ج 1 / ص 386)، ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها – باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد (784) (ج 1 / ص 541).

فلاحظ اغتنام أوقات الإقبال في شهر رمضان على الخصوص.

، ورمضان شهر.كامل يصومه الناس، ويقومون ليله وهو كافٍ غاية الكفاية في ترويض النفس على ما تحب؛ فلو أن الإنسان تفطن لهذا المعنى، وجعل لنفسه برنامجاً متدرجاً بعد رمضان؛ لأن رمضان فرصة عظمى لتغيير ما في نفوسنا، وأحوالنا، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة[صحيح مسلم – كتاب: الصيام – باب: فضل شهر رمضان (1079) (ج 2 / ص 758).
وفي رواية: فتحت أبواب

 الرحمة[صحيح البخاري – كتاب: بدء الخلق – باب: صفة إبليس وجنوده (3103) (ج 3 / ص 1194)، وصحيح مسلم – كتاب: الصيام – باب: فضل شهر رمضان (1079) (ج 2 / ص 758).] فإذا فتحت أبواب الجنة، وأبواب الرحمة تهيأت النفوس للطاعة.

قال – عليه الصلاة، والسلام -: وغلقت أبواب النار وهذا داعٍ لانكفاف الناس عما لا يليق، يقول: وصفدت الشياطين[سنن النسائي – كتاب: الصيام باب: ذكر الاختلاف على مَعْمرٍ فيه (2106) (ج 4 / ص 129)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: “صحيح لغيره”، انظر الحديث رقم (999).

وفي رواية: وتغل فيه مردة الشياطين[أخرجه البخاري في كتاب: الصوم – باب: من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم (1804) (ج 2 / ص 673] : أي تصفد الشياطين التي تؤز الناس إلى معصية الله فيستريح العباد؛ ويعملون بطاعة الله من غير مزعجات من الوساوس، والأفكار، والدواعي المشغلة مما يلقيه الشيطان في قلوبهم.

ومع الصوم تعظم الفرصة للطاعة وتزيد ، والانكفاف عن المعصية، لأن البطن إذا جاع شبعت الجوارح؛ إذ يذبل الإنسان، ويكون في حالٍ لا يفكر فيها بمعصية الله هذا إذا راعينا المقصود من الصيام.

ثم إن البيئة وهو أمر نعم في غاية الأهمية أيضا التي تحيط بك تعينك على الطاعة، فالناس جميعاً في صيام، ويصلون التراويح، ويقرؤون القرآن في المساجد، ولو جلس الإنسان لوحده في المسجد يقرأ القرآن لربما يستثقل ذلك، فإذا رأى المسجد قد امتلأ فإن ذلك يكون داعياً لنشاطه في القعود، وقراءة القرآن، هذا بالإضافة إلى المقصود الأعظم من شرع الله الصيام، وذلك أن تحفظ الجوارح، والنبي ﷺ يقول: من لم يدعْ قول الزور، والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه، وشرابه[أخرجه الطبراني في الأوسط (3622) (ج 4 / ص 65)، وفي الصغير (472) (ج 1 / ص 286)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 1080).

ويقول – عليه الصلاة، والسلام – كما عند الطبراني: من لم يدع الخَنا، والكذب فلا حاجة لله أن يدع طعامه، وشرابه.

[أخرجه البخاري في كتاب: الصوم – باب: هل يقول إني صائم إذا شُتم (1805) (ج 2 / ص 673)، ومسلم في كتاب: الصيام – باب: فضل الصيام (1151) (ج 2 / ص 806).]ويقول: الصيام جُنّة[أخرجه الترمذي في كتاب: الصوم – باب: ما جاء في فضل الصوم (764) (ج 3 / ص 136)، والنسائي في كتاب: الصيام – ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب في حديث أبي أمامة في فضل الصائم برقم (2231) (ج 4/ ص 167)، وابن ماجه في كتاب:

الصيام – باب: ما جاء في فضل الصيام (1639) (ج 1 /ص 525)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3879).] وفي رواية: الصوم جُنّة من النار[أخرجه البخاري بهذا اللفظ في كتاب: الصوم – باب: هل يقول: إني صائم إذا شُتم (1805) (ج 2/ ص 673)،

وأخرجه مسلم بلفظ: (إذا أصبح أحدكم يوماً صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم)، انظر: صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب: حفظ اللسان للصائم (1151) (ج 2 / ص 806)].

يقول – عليه الصلاة، والسلام -: وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم[أخرجه ابن خزيمة (1996) (ج 3 / ص 242)، وابن حبان (3479) (ج 8 / ص 255)، والحاكم (1570) (ج1 / ص 595)، والبيهقي (8096) (ج 4 / ص 270)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5376)].

وكان – عليه الصلاة، والسلام – يقول: ليس الصيام من الأكل، والشرب، إنما الصيام من اللغو، والرفث، فإن سابّك أحد، أو جهل عليك فلتقل: إني صائم، إني صائم
أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد (8843) (ج 2 / ص 373)، وابن خزيمة (1997) (ج 3 / ص 242)، وابن حبان (3481) (ج 8 / ص 257)، والحاكم (1571) (ج 1 / ص 596)، والطبراني في الكبير (13413) (ج 12 / ص 382)،

وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3490)، وأصله في سنن ابن ماجه بلفظ: (رب صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، انظر: سنن ابن ماجه في كتاب الصيام – باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم (1690) (ج 1 / ص 539) وصحيح الجامع للألباني برقم (3488)].

ويقول أيضاً ﷺ: رُبّ صائم حظه من صيامه الجوع، والعطش، ورُبّ قائم حظه من قيامه السهر.

فينبغي للإنسان أن يتلطف بنفسه، وأن يجعل له خطة يسير عليها، فإن كنت ممن لا يعرف الوتر فحافظ على الوتر بعد رمضان سنة كاملة توتر بثلاث، ثم السنة التي بعدها بخمس، ثم السنة التي بعدها بسبع، ثم السنة التي بعدها بتسع، وهكذا بعد سنوات قليلة تبلغ بإذن الله مناك إن أراد الله لك البقاء

ولتتقدمْ في السنة مرة واحدة، فإن الإمام أحمد – رحمه الله – يقول بعضُ مَن صحبه: صحبته خمساً، وعشرين سنة فما دخلت عليه في يوم إلا وهو في زيادة عن اليوم الذي قبله؛ وابن القيم يقول: “من استوى يوماه فهو مغبون، ومن لم يكن إلى زيادة فهو حتماً إلى نقصان” فإذا كان العبد لا يعرف الصوم إلا في رمضان فليصم هذه السنة الستة من شوال، وعرفة، وعاشوراء، ثم في السنة التي بعدها يصوم الأيام البيض، والسنة التي بعدها يصوم يوماً في الأسبوع سواء كان يوم الإثنين، أو الخميس، والسنة التي بعدها يصوم كل إثنين، وخميس، والسنة التي بعدها يصوم من شعبان، والمحرم يوماً، ويفطر يوماً؛ والسنة التي بعدها يصوم عامة شعبان، وجميع المحرم، وسيجد أن ذلك أمرً يسير ميسور – بإذن الله والنفس على ما تعودت.

وهكذا الصلوات المكتوبة، وهكذا في النوافل فإذا كنت لا تحافظ على الصلاة فحافظْ عليها، وإذا كنت لا تأتِ إلا متأخراً فاجتهد أن تأتي في تكبيرة الإحرام سنة كاملة، وصارع النفس على ذلك، ثم السنة التي بعدها اجتهد أن لا يؤذن المؤذن إلا وأنت في المسجد؛ وإذا كنت لا تصلي السُّنة الراتبة فصلِّها، واجتهد في ذلك، وروض نفسك على هذا سنة كاملة، وفي قراءة القرآن إن كنت لا تختم في السنة اختم في هذا الشهر ختمة، أو ختمتين؛ ثم اختم بعد رمضان في كل أربعين ليلة ختمة؛ ثم في السنة التي بعدها في كل خمس، وثلاثين، ثم السنة التي بعدها في شهر، ثم التي بعدها في خمس، وعشرين، ثم تجد نفسك بعد عشر سنوات قد بلغت ما تريد – بإذن الله – أما أن يبقى الإنسان على حاله كما كان قبل عشر سنوات فهذا أمر لا يليق.

اللهم تقبل دعائنا وصيامنا وركوعنا وسجودنا وسائر أعمالنا في هذا الشهر المبارك وارزقنا ليلة القدر وثوابها وعظيم ما كتبت لنا فيها يا أرحم الرّاحمين.