د محمد بركات يكتب نظافة القلوب الأصل والغاية لكل مطلوب{2}

112

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

واعلم أن القلب هو ملك الجوارح ومحركها وهو الأساس لكل أعضاء الجسم:
فجسد الإنسان منا يشبه مملكة كبيرة فيها جنود وخدم ولتلك الجنود ملك يحركها ويرشدها

فالملك هو القلب الذي تربع على كرسي المملكة والأعضاء والجوارح جنود وخدم لذلك الملك فإن استقاد الملك استقامة الرعية وصلحت المملكة وإن فسد الملك فسدت الرعية وساد الاضطراب والاختلاف بين جنود المملكة

قال ابن القيم رحمه الله : “ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، الذي تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ) (أخرجه البخاري(52)، ومسلم(107)، من حديث النعمان بن بشير-رضي الله عنه-).

فهو ملكها، وهي المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما كان يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته. وهو المسؤول عنها كلها “لأن كل راع مسؤول عن رعيته” كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون. والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 5).

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ وَإِرَادَةٌ سَرَى ذَلِكَ إلَى الْبَدَنِ بِالضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْبَدَنُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْقَلْبُ(مجموع الفتاوى (7/ 187) .

ثم إن القلوب هي محِل التقوى وأساسها:

فالقلب هو موطن التقوى وهو الأرض التي ينبت فيها نبات التقى و يقوم على أصوله لذا كانت منزلته عظيم و الله تعالى اذا أراد اختبار عبده ليخصه بنعامه و إكرامه امتحن الله تعالى قلبه ليصل إلى درجة التقوى كما قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} [سورة الحجرات، الآية: 3]، أي اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار ليخرج خالصه لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ

و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا، بِحَسْبِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ. (مسلم (2564) .

يشير النبي ﷺ إلى صدره مبينا محل التقوى وأن الأمور التي سبقت هذه منبعها التقوى فإذا وجدت التقوى فإنها يسهل على الإنسان ألا يحسد وأن لا ينجش وألا يبغض .

فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار في هذه الكلمة إلى منبع هذه المذكورات وأن منبعها التقوى، والتقوى تكون في القلب ليست في اللسان ولا في الجوارح.

فإذا وجدت التقوى القلبية استقامة الأمور السابقة (الظاهرية) (شرح الأربعين النووية و تتمة ابن رجب (ص: 136)

والقلب هو محِل نظر الإله:

فالله جل جلاله لا ينظر إلى الأبدان و لا إلى الأموال و إنما محل نظر الكبير المتعال إلى القلوب و الأعمال

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى أَعْمَالِكُمْ، وَقُلُوبِكُمْ» (أخرجه مسلم(34)، من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-).

وحينئذ، فقد يكونُ كثيرٌ ممَّن له صورةٌ حسنةٌ، أو مالٌ، أو جاهٌ، أو رياسةٌ في الدنيا، قلبه خراباً من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبُه مملوءاً مِنَ التَّقوى، فيكون أكرمَ عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعاً

قال المناوي: “فكم من ظريف اللسان جميل المنظر عظيم الشأن هالك غدا في القيامة لسوء عمله وكآبة منقلبه وقبح سيرته وسوء سريرته، فالقلب هو محل نظر الحق فلا عبرة بحسن الظاهر وزخرف اللسان مع خبث الجنان”( فيض القدير (5/ 50).

وتتفاوت الدرجات بتفاوت ما في القلوب:

قال ابن القيم: “إِنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَتَفَاضَلُ بِصُوَرِهَا وَعَدَدِهَا، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ، فَتَكُونُ صُورَةُ الْعَمَلَيْنِ وَاحِدَةً، وَبَيْنَهُمَا فِي التَّفَاضُلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالرَّجُلَانِ يَكُونُ مَقَامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا، وَبَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ”(مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 340).

ومع عِظم منزلة القلب إلا أنه سريع التقلب من حال إلى حال، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ-رضي الله عنه-، قَالَ: مَا آمَنُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا)
(أخرجه ابن أبي عاصم في السنة(226)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (5147).

مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلُّبِهِ
فَاحْذَرْ عَلَى القلب من قلبٍ وتحويل

وقال بعض السلف الصالح رضوان الله عليهم: مثل القلب في سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن. ويكفي في هذا قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [سورة الأنفال، الآية: 24]

، فأي قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحق بالخوف منه؟ بل خوفه لازم له في كل حال وإن توارى عنه بغلبة حالة أُخرى عليه. وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما يريد وأنه المحرك للقلب المصرف له المقلب له كيف يشاءُ لا إِلَهَ إلا هو (طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: 283).

طهارة ونظافة القلب من شرك يناقض التوحيد.

فإذا أردت قلبا طاهرا نقيا فلابد أن تطهر و أرجاس و أنجاس الشرك لأنه يخال الإقرار بوحدانية الله تعالى و لقد وصف الله تعالى المشركين بالنجاسة فقال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [سورة التوبة، الآية: 28]

أي: ليس المشركون كما تعلمون من حالهم إلا أنجاسا فاسدي الاعتقاد، يشركون بالله ما لا ينفع ولا يضر، فيعبدون الرجس من الأوثان والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ولا يتنزهون عن النجاسات ولا الآثام ، ويأكلون الميتة والدم من الأقذار الحسية ، ويستحلون القمار والزنا من الأرجاس المعنوية ، ويستبيحون الأشهر الحرم . وقد تمكنت صفات النجس منهم حسا ومعنى حتى كأنهم عينه وحقيقته،

والنجاسة هنا ليس حسية وإنما هي معنوية حيث تنجست القلوب بأقذار الشرك بالله تعالى كما قال جمهور العلماء

قال: {أُولِئك الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ في الدُّنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيْمٌ} [سورة المائدة من الآية:41]

، والآية دليل دامغ على أن من لم يطهِّر قلبه فلا بد أن يناله الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، ولهذا حرَّم الله سبحانه الجنة على من كان في قلبه مثقال ذرة من خبث، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» (صحيح الترمذي [1999]).

فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، فالمغلظة: الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل، فإن الله لا يغفر أن يشرك به. والمخففة: الشرك الأصغر، كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، والحلف به وخوفه ورجائه. ونجاسة الشرك عينية.

طهارة ونظافة القلب من بدعة تخالف السنة.

وقد تتلوث القلوب بالبدع والخرافات ويتشربها القلب كما يتشرب الإسفنج الماء فلا تراه إلا معاديا للسنة داعيا إلى البدعة مبغضا لأهل السنة محبا لأهل البدعة وتلك هي طامة الطامات

فالبدعة أصل كل ضلال وسبب كل بلاء وشقاء كما قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-

فعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ الْفَزَارِيِّ، وَكَانَ مِنَ الْبَاكِينَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعَ وَالطَّاعَةَ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (أخرجه أحمد (4/126 ، رقم 17184) ، وأبو داود (4/200 ، رقم 4607).

يقول الله تعالى (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (سورة الشعراء، الآية: 89)

قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السنة.

طهارة القلب من الذنوب والمعاصي والآثام:

وأشر الذنوب التي تفتك بالقلوب الحقد والحسد والبغضاء فان ما تعانيه الأمة من فرقة ومن تمزق ومن ضعف وهوان إنما سببه تلك الموبقات

فمن الناس من يحمل نفساً مظلمة، وقلبا أسود، لا يعرف للعفو طريقا، ولا للصفح سبيلا، فبمجرد أدنى إساءة تقع في حقه من أحد إخوانه تجده يحقد عليه ولا يكاد ينسى إساءته مهما تقادم العهد عليها، فتجده يتربص بصاحبه الدوائر، وينتظر منه غرة، لينفذ إليه منها، ويصيبه من خلالها، فيشفي غيظه ويروي غليله .

ولذلك حذرنا الله تعالى منها وكذا رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم-كان يحذر من شرها ومن خطرها واليكم طرفا من ذلك:

– قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ [سورة البقرة، الآيتان : 204 -205].

وعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَمِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَهُ، وَمِنْ تَائِبٍ فَيُتَابُ عَلَيْهِ، وَيُرَدُّ أَهْلُ الضَّغَائِنِ لِضَغَائِنِهِمْ حَتَّى يَتُوبُوا»

قال المنذري: الضغائن: هي الأحقاد ( رواه الطبراني في (الأوسط) (7/ 251). قال المنذري في (الترغيب والترهيب) (3/ 307): رواته ثقات. وقال الهيثمي في (المجمع) (8/ 66): رجاله الثقات).

وعنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، قَالَ: دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، أَمَا إِنِّي لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ قَالُوا: مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ.

وهذه بعض من طهارة ونقاء القلوب

أولا: النبي صلى الله عليه وسلم القدوة في الأخلاق الحسنة ومنها سلامة الصدر من الحقد والضغائن، وقد ذكر ابن القيم سلامة الصَّدر، من منازل إياك نعبد وإياك نستعين فقال: (ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظرْ إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس يجدها بعينها) (مدارج السالكين) لابن القيم (2/ 345).

وقد قال صلى الله عليه وسلم (لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) (رواه أبو داود (4860)، والترمذي (3896)، وأحمد (1/ 395) (3759). قال الترمذي: غريب من هذا الوجه. وضعفه الألباني في (ضعيف الجامع) (6322).

أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما

وهكذا كان أصحاب رسول لله قلوبهم سليمة من الأحقاد والضغائن ومن تلك النماذج ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه، قال: (كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم فقد غامر فسلم وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين، فما أوذي بعدها) (رواه البخاري (3661).

ومن الصحابة رضوان الله عليهم أصحاب القلوب المؤمنة:

عن عائذ بن عمرو، (أن أبا سفيان، أتى على سلمان، وصهيب، وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي)( رواه مسلم (2504).

وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ مِنْ هَذَا الْفَجِّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ “، [سورة ص، الآية:8] قَالَ: فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطُفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وَضُوئِهِ وَقَدْ عَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ فَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ صَرَّتِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالَتِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ الثَّلَاثُ فَعَلْتَ؟ قَالَ: ” نَعَمْ “، قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ أَنَّهُ: بَاتَ مَعَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، قَالَ: فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ مِنَ اللَّيْلِ، وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ لَا يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ: فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَحْتَقِرُ عَمَلُهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي غَضَبٌ وَلَا هِجْرَةٌ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” يَطْلُعُ الْآنَ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ “، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ، فَأُنْظِرَ مَا عَمَلُكَ فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: فَهَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا تُطَاقُ) (رواه أحمد (3/ 166) (12720)، والنسائي في (السنن الكبرى) (9/ 318) (10633)، والبيهقي في (الشعب) (9/ 7) (6181).

وقد تأسى العلماء الربانيون رحمهم الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم فتخلقوا بأخلاقه فأصبحت قلوبهم سليمة لا تحمل حقداً على أحد حتى على من آذاهم .

،ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول ابن القيم: (وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام فسروا به ودعوا له وعظموا هذه الحال منه)(مدارج السالكين) لابن القيم (2/ 345).

ومما ورد في إصلاح وطهارة القلوب من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم: جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ.(أخرجه أحمد (2/359 ، رقم 8695) ، قال الهيثمى (1/52) : إسناده جيد)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ» {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة المطففين، الآية: 14].(أخرجه أحمد (2/297 ، رقم 7939) ، والترمذي (5/434 ، رقم 3334)

الدعاء: فالعاقل من يكثر من الدعاء وسؤال الله تعالى أن يطهر قلوبكم قال الله تعالى {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [سورة آل عمران، الآية: 8]

و كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في حديث مَوْلَى أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ: «اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَفَرْجِي مِنَ الزِّنَا، وَلِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ، وَعَيْنِي مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ»
(ذكره الحكيم (2/227) ، وأخرجه الخطيب (5/267) ، والديلمى (1/478 ، رقم 1953)

وتدبر القرآن: احرص على قراءة القران بتدبر وتمعن {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [سورة محمد، الآية: 24]

قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: ” لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم “

اللهم إني أسألك في صلاتي ودعائي بركة تطهر بها قلبي، وتكشف بها كربي، وتغفر بها ذنبي، وتصلح بها أمري، وتغني بها فقري، وتذهب بها شري، وتكشف بها همي وغمي، وتشفي بها سقمي، وتقضي بها ديني، وتجلو بها حزني، وتجمع بها شملي، وتبيض بها وجهي.