ذكرى قصف مدينة الإسكندرية على يد المحتل البريطاني

34

كتب وجدي نعمان

 ذكرى قصف مدينة الإسكندرية على يد المحتل البريطاني في سنة 11 يوليو من عام 1882، حيث دافع عرابى ومن معه قدر المستطاع، ولكن لم تكن باليد حيلة.

يقول كتاب “فصل في تاريخ الثورة العرابية” فى الساعة السابعة من صباح ذلك اليوم المشؤوم 11 يوليه سنة 1882 أطلق الأدميرال الإنجليزى سيمور أولى قذائفه على مدينة الإسكندرية دون أى اعتداء منها، بحجة الدفاع العادل المشروع عن النفس، وذلك على مسمع من العالم المتمدن كله. وبدأ بذلك هذا العدوان الشنيع على مصر، وليس فى العالم يومذاك دولة يتأثم ضميرها، مما تصبه إنجلترا على الحركة القومية الوطنية وعلى السلم والدستور فى مصر.

وكان الأسطول البريطانى مكونًا من ثمانى مدرعات كبيرة وخمس مدفعيات، وسفينة للطوربيد وأخرى لأعمال الكشف، وكانت مدافع الأسطول سبعة وسبعين من النوع الضخم القوى من طراز أرمسترونج.

وكانت حصون الشاطئ تمتد من ناحية العجمى فى الغرب إلى أبو قير فى الشرق، وكان عددها نحو عشرين حصنًا أو طابية، ويدخل فى ذلك اثنان فى داخل المدينة هما كوم الناضورة وكوم الدكة.

وإذا استثنينا الحصنين الأخيرين وهما من منشآت نابليون وقلعة قايتباي، وهى ترجع إلى القرن الخامس عشر، كانت بقية الحصون من منشآت محمد على، وكانت مدافعها ويبلغ عددها تسعة وعشرين ومئتين قديمة الطراز ضعيفة، قريبة المرمى، إلا تسعة وأربعين منها كانت من طراز آرمسترونج.

الإسكندرية 

ومما يحاول بعض المؤرخين إلصاقه بعرابى من المآخذ، أنه ترك حصون الإسكندرية ضعيفة فلم تستطع مقاومة السفن الإنجليزية، وينسى هؤلاء أنه ما دام أن الخديو كان فى جانب الإنجليز والفرنسيين منذ حضرت سفن الدولتين، ومنذ قدمت المذكرة المشتركة لم يكن فى وسع عرابى أن يعمل كما يحب. وماذا عسى أن يكون الحال إذا رفض الخديوى؟ إن وزارة البارودى لم تستطع أن تنفذ حكم المجلس العسكرى على الشراكسة، لأن الخديوى عارض فى ذلك، هذا إلى أن الأجانب كانوا لمصر بالمرصاد، وقد رأينا كيف أقام سيمور الدنيا وأقعدها، لأنه كما زعم رأى تحصينات فى السواحل المصرية.

وكان طوبجية السواحل تحت قيادة إسماعيل بك صبرى، ويقول عرابى فى مذكراته: إنهم لم يكونوا يزيدون عن ستة مائة.

وكان بالمدينة من قوات الجيش اثنا عشر ألفًا من المشاة، وقد أصدر عرابى تعليماته إلى صبرى فى ليلة 10 يوليو، وأعلمه أن مجلس الوزراء قرر ألا تجيب الحصون إلا بعد الضربة الخامسة من الأسطول؛ ووزع صبرى ضباطه على الحصون استعدادًا للمعركة، ووزع عرابى حامية المدينة وراء الحصون من قلعة العجمى إلى برج السلسلة، وعهد إلى أورطتين من المشاة بالمراسلة بين الحصون.

وأجابت الحصون بعد خمس دقائق من ابتداء الضرب، واستمات آلاى السواحل فى الدفاع، وأبدى همة ونشاطًا وحماسة وطنية شهد بها كثير من الأجانب، وذلك على الرغم من عنف المدافع الإنجليزية وشدة فتكها وعظم تدميرها، ومهارة السفن الإنجليزية فى الاقتراب والابتعاد، والاعتصام بدخان كثيف أثناء الضرب، وشباك قوية من الفولاذ كانت ترد عنها قذائف الحصون.

واستمر الضرب من الجانبين حتى الساعة الحادية عشرة، وكانت قذائف الإنجليز تلقى النار والدمار على المدينة فى شدة مروعة، وسكتت السفن قليلًا، ثم استأنفت الضرب وجاوبتها الحصون حتى الساعة الثانية بعد الظهر، واستأنف الأسطول الضرب فى شدة وظلت تجاوبه الحصون حتى منتصف الساعة السادسة. ثم أظلم الليل وقد سكتت الحصون فلن تجيب بعد ذلك. فقد دمرتها مدافع الأسطول تدميرًا … وتهدمت فى المدينة أبنية كثيرة ومساكن واحترق بعضها، وقد هجرها كثير من أهلها منذ بدأ الضرب فى هرولة ورعب.

وقف المصريون وإن حلت بهم الهزيمة موقف الكرامة والبطولة فبذلوا غاية ما فى طوقهم، ولطالما ألقى فى روع الناس أن مصر لم تجاهد حين اعتدى عليها، مع أن المصريين من الجند ومن أهالى الإسكندرية أثبتوا شجاعتهم فى هذا اليوم وفى الأيام التى جاءت بعده وتطلبت دفاعًا وإباءً، قال جون نينيه وقد شهد هذا اليوم: «ولا يسعنا إلا أن نعترف بأنها كانت مجزرة وحشية لا موجب لها ولا مسوغ، ولم يكن الباعث عليها إلا الشهوة الوحشية المتعطشة للدماء، وكنت أتوق إلى أن أسأل أولئك الذين كانوا يضربون، ويطلقون مدافعهم هل يستطيعون حين يعودون إلى بلادهم، ويتحلقون حول موائد الشاى فى بيوتهم أن يتحدثوا إلى ذويهم عما فعلته تلك المجازر البشرية من الفتك والتخريب؟ إنى لفى شك من ذلك، فأية إهانة لحقت الأمة البريطانية حتى تثأر من مصر على هذه الصورة الفظيعة؟ ومع ذلك فما كان أروع منظر الرماة المصريين الذين كانوا خلف مدافعهم المكشوفة، كأنما هم فى استعراض حربى لا يخافون الموت الذى يحيط بهم، وكانت معظم الحصون بلا حواجز تقيها ولا متاريس، ومع هذا فقد كنا نلمح هؤلاء البواسل من أبناء النيل خلال الدخان الكثيف، وكأنهم أرواح الأبطال الذين سقطوا فى حومة الموت قد بعثوا ليناضلوا العدو ويواجهوا نيران مدافعه. وكان القادة يزورون الحصون ويستحثون الرجال، وقد أدى الجميع واجبهم رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، ولم تكن ثمة أوسمة أو مكافآت يستحث أولئك الفلاحين على أداء واجبهم. وإنما كانت تثير الحماسة فى نفوسهم عاطفة الوطنية والثورة على ما استهدفوا له من فظائع، وهم فى مواقفهم البواسل المجهولون الذين لم يفكر أحد فيما تحملوا من آلام”.

وقال الشيخ محمد عبده: “تحت مطر الكلل ونيران المدافع كان الرجال والنساء من أهالى الإسكندرية، هم الذين ينقلون الذخائر ويقدمونها إلى بعض بقايا الطوبجية الذين كانوا يضربونها، وكانوا يغنون بلعن الأدميرال ومن أرسله”.