رؤية نقدية فى “عنتـــرة” العرب و”عطيـــل” شكســـبيــر(المقـــال الأول) بقــلم الأديب المصــــرى/ د. طــارق رضــوان

141٬599

لست أول من يتحدث فى الأدب المقارن ولكن

سبقنى أساتذة أفاضل مثل د. عبد القوي

الحصيني، أ.د. براهاما شارما، أ.علاء التميمي،

أ.مرتضى المنيفي. فى هذا المقال سنعرض

مدى التشابه بين رواية (عنترة بن شداد) وبين (عطيل) لشكسبير.

1- الحبكة القصصية لرواية عنترة بن شداد من واقع التراث العربي:

فشداد بن قراد ينال نصيبه من الغنيمة إثر

غارة لقبيلته، ولم يكن هذا النصيب سوى أمة

سوداء تدعى “زبيبة”، تلد له عبدا أسود.

فأسماه أبوه وسيده عنترة. بدأ العبد الأسود حياته بطفولة شكسة في بيئة صحراوية

فرضت عليه البطولة والشجاعة فنشأ فارسا

يفاجئ قبيلته بشجاعته منذ التاسعة، فلا

يسمع منه إلا زئير الأسد، مما دفع ملك القبيلة “زهير” إلى الاحتفاء والإشادة بأفعاله البطولية وغيرته على النساء.

تدور أحداث القصة الدرامية خلال حروب

طاحنة بقيادة البطل المغربي الأسود

عطيل(Othello) الذي أهلته قوة جسمه

وحنكته القتالية ليكون قائدا لقوات البندقية

برغم أصله الذي لم يكن معروفا للقيادة العليا

في البندقية بإيطاليا وبرغم لون بشرته

السوداء التي كان ينعت بها. وكان البطل

بدوره يتردد على بيت عمه مالك ليقوم بمهام

الخدمة التي أوكلت له كعبد ابن أمة، ومن هنا

تفجر الحب بينه وبين عبلة. ولكن بسبب

ظروف عرفية قبلية تمنع العبد الأسود ــالشاك

في أصله الغامض ـــ من الزواج بسيدة عربية،

كان ذلك دافعا له ليصول ويجول؛ ليزيل عنه

هذا المانع العرفي بانتصارات عظيمة لقبيلته

ترفعه إلى مرتبة الأسياد. وبينما هو يصنع تلك

الأمجاد والبطولات تستمر حياكة المكائد

للقضاء عليه ويمارس معه أعداؤه النفاق في

التعامل لخوفهم منه، وبالمقابل يستمر دعم

واحتفاء الملك به لأنه يرى فيه سر مناعة قبيلة عبس التي تسند له المهام العسكرية

الكبرى، لكن البطل يرى بأنهم يجعلون منه غاليا في الحرب رخيصا في السلم.
تبدأ المسرحية بقصة اختطاف العاشق

المغربي الأسود لعشيقته دزدمونة، وحيدة

أبويها، وابنة أحد الأشراف في دولة البندقية

والمقرب من القيادة العليا للحكومة الإيطالية والذي عارض وبشدة زواج ابنته من رجل

أسود عربي مغربى. ويحكي لنا شكسبير قصته كفارس وعاشق فريد. تستدعي قيادة

الدولة عطيل المغربي لتوكل إليه مهام قيادة

الجيش لحاجتها الماسة إليه ليقود جيش البندقية ضد المد التركي في قبرص وتسميه

القائد الأعلى لجيش البندقية. وكما دافع عنترة عن حبه أمام الأمير زهير قائلا أنه لا

حيلة له فى حب أضعف قواه، أيضا يدافع

عطيل عن حبه أمام الدوق حاكم الدولة. ودزدمونة أحبت عطيل لشجاعته وكذلك عبله.

يبارك والد دزدمونة الزواج على مضض ويحذر عطيل من الخيانة الزوجية كون ابنته

قد خانت أهلها وأبوها بقبوله كزوج. وكان

شيبوب هو مساعد عنترة وكذلك كاسيو هو مساعد عطيل. لكن نجاح البطلين خلق لهم.

أعداء يعملون فى الخفاء. خاصة أنهما تزوجوا بسيدات كانوا قد رفضن أشراف مجتمعهم فى

ذلك الوقت ليرتبطان بأبطال لونهم أسود. عاشت دزدمونة وقتا صعبا وهي تعاني من

فقدانها لزوجها بسبب العاصفة التي كانت تعتقد بأنه قضى فيها. وحين جاء البشير

بسلامته سعدت وفرحت. على الجانب العربى نجد انه قد أعلن على الملأ عنترة “بطل عبس وعدنان”. أما الوعد بالزواج فقد تظاهر عمه

بالموافقة لكنه بخداعه طلب مهراً لابنته ألفاً من النوق العصافير التي توجد في العراق، فقبل البطل بذلك. اتجه عنترة صوب العراق

برفقة أخيه المخلص الثقة (شيبوب). وفي الصحراء واجه البطلان عاصفة شديدة فرقت

بينهما وحالت دون رجوع عنترة إلى عبلة بالمهر، فغاص البطل في الرمال لولا إنقاذه من

رجل رآه في الصحراء، أما شيبوب فقد ظن أن أخاه قد مات فعاد إلى القبيلة حاملا نبأ محزنا لعبلة مفرحا لأبيها. تعافى عنترة ثم وصل إلى

المنذر الذى أوصله الى كسرى. فيعجب كسرى بفصاحة البطل وجسمه وشجاعته فقربه

وأكرمه مما أثار حقدا لدى بهرام فارس الديلم الذي حاول غير مرة قتل عنترة بمكر وخداع

إلا أنه يفشل؛ لكن البطل يواجهه بأخلاقه العالية مما يزيد كسرى تقديرا لعنترة فقد خلع عليه الرداء الملكي وأهداه تاجه ليهديه البطل

لعبلة يوم زفافها، وهذا – أيضاً- دفع رستم القائد الفارسي إلى تحدي البطل. ويتم

اختطاف عبله. وينقذها عنترة من يد مفرج بن همام.
ورغم هذا الانتصار إلا أن والد عبلة يتوسل إلى الأمير شاس الذي كان ناقما وحاقدا على

عنترة منذ كان صبيا بسبب قتله لعبده “داجي”، ناهيك عن تقريب الملك له والثناء

عليه، توسل إليه أن يأخذ عبلة تحت حمايته لكي يخلصها من عنترة واستجاب شاس

للجبان فأخذها رغم اعتراض الأمير مالك

ورفض عبلة، وفي هذه الأثناء بلغ اليأس من

عنترة حد البكاء فخرج هائما على وجهه نحو مكة شاكيا إلى رب العالمين، وبرفقته الثقة شيبوب ليتم في غيابه العقد لعمارة من عبلة

تحت رعاية الأمير شاس الذي ينقذه عنترة

بعد ذلك من أسر بل من قتل محقق ليريه الأخلاق مع الأعداء.
مات الملك زهير وابنه شاس ومات من بعدهما

الأمير مالك الذي كان صديقا حميما لعنترة . تزعم أمر القبيلة الأمير قيس بن زهير فالتف

حوله أعداء عنترة يثيرونه على البطل لكن

الملك عرف قيمة عنترة عندما استدعاه في معركة ليصنع له النصر بعد الهزيمة كما صنع له

النصر في معارك داحس والغبراء الشهيرة. وأخيرا يتزوج عنترة من عبله رغم كل المكائد.

وكان ياجو حامل علم عطيل يظهر الطيبة والولاء ويبطن الحسد والحقد والضغينة

لينتقم من عطيل ذاك المغربي البطل. وكان سبب حقده عليه: أولا توليه مناصب كبيرة كان يرى ياجو أنه أجدر من عطيل بتوليها

كون عطيل غريباً. ثانيا لون بشرته السوداء كلون العبيد – كما يشير ياجو -. وأخيرا أنه

تزوج ممن كان يحبها وتقدم لخطبتها وهي

دزدمونة ابنة السنيور برابانتيو سيد القوم في دولة البندقية. يستخدم ياجو أحد التجار الأثرياء في البندقية واسمه رودريجو فيوهمه على أن دزدمونة التي تزوجها المغربي ستكون

حتما من نصيب رودريجو. كان رودريجو أحد خطاب دزدمونة الذي تم رفضه من قبل والدها

الذي تمنى لو كان زوجها له فيما بعد. يدفع رودريجو كل ممتلكاته من ذهب ومجوهرات لياجو ليحظى بالزواج من دزدمونة فتذهب ثرواته أدراج الرياح ويظل الوهم مخيما عليه

حتى النهاية ممنياً نفسه بأن دزدمونة حتما ستكون من نصيبه. محور القصة أن ياجو ينجح بتوصيل عطيل لمرحلة حرجة يجعله فيها يشك أن زوجته تعيش قصة غرام مع

كاسيو أمين سر عطيل وهو الذي كان مطلعا على قصة الحب التي عاشها البطلان دزدمونة وعطيل.
يستخدم ياجو زوجته لسرقة منديل عطيل الذي أهداه لدزدمونة كرمز للحفاظ على الحب بينهما كما أخبرته أمه. تسرق إميليا ذلك

المنديل وتعطيه لزوجها ياجو الذي يدسه في بيت كاسيو. وهنا يؤجج ياجو عقدة الشك لدى عطيل المغربي لتحقيق أهدافه الحاقدة للانتقام من عطيل بدافع الحسد. في غضون

ذلك كان قد أثار ياجو فتنة وأشرب كاسيو خمرا وأدخله في شجار مع أحد أشراف البندقية، جرح في إثره كاسيو المخمور الرجل

النبيل مما اضطر القائد عطيل لعزله من منصبه. وبسبب علاقة كاسيو بزوجة عطيل كونه كان سابقا الوسيط بينهما خلال لقاءاتهم الغرامية سرا قبل زواجهما في منزل والد

دزدمونة، استنجد بها لتتوسط له بإعادته لمنصبه وظلت تحث عطيل على الإسراع بذلك. كان يشتهر كاسيو بأنه زير النساء الغواني والجواري وكانت لديه جارية سمراء تدعى بيانكا. كانت دائما ما تمكث معه

فوجدت منديل دزدمونة في منزله. يستغل ياجو تقرب كاسيو من دزدمونة وبعد أن دس المنديل في بيت كاسيو حاول إيصال عطيل لقناعة تامة أن زوجته خانته مع كاسيو وهي

عشيقته الأولى بدليل أنها أهدته المنديل الذي اعتبره عطيل رمزا لحبهما وحرزا, حسب اعتقاد أمه وإيمانه هو أيضا بذلك.
يتفق عطيل وياجو على الانتقام من دزدمونة

التي سيخنقها عطيل في الفراش ويترك مهمة التخلص من كاسيو لياجو. في نفس الوقت الذي يطالب رودريجو باسترداد مجوهراته من ياجو الذي أوهمه بالتزوج من دزدمونة. يقنع ياجو صديقه رودريجو بأن يمهله ليلة أخرى

ليتم عقد قرانه بدزدمونة صباح اليوم التالي فيحثه على قتل كاسيو كونه يعشق دزدمونة. يقتنع رودريجو فيعقد العزم على قتل كاسيو. فيجرح ياجو كاسيو في الظلام ويتظاهر

محاولا فض الاقتتال، فيقتل رودريجو ليتخلص من هاجس مطالبته بمجوهراته ويتم إسعاف كاسيو بعد أن جرح ساقه.
يدخل عطيل على دزدمونة معتزما قتلها. يطلب منها الاعتراف بخيانتها إياه مع

كاسيو,تصدم دزدمونة وتصاب بالفزع وتحاول جاهدة استعطافه لئلا يقتلها -في مشهد يثير الشفقة- لكن عطيل يرفض ذلك الترجي ويقوم

بقتلها. يبرز شعوره وشاعريته الأليمة حين يقدم على قتلها. وأثناء ذلك، تكتشف إميليا

خادمة زوجته ما حصل لسيدتها من خيانة ويتضح لها أن سبب ذلك زوجها الذي استخدم المنديل كآخر الأدلة لتوطيد الشك في قلب

عطيل الذي أوصله لتلك الجريمة وقد واجهت زوجها بذلك أمام الجميع وفضحته بأنه هو

الذي طلب منها سرقة منديل دزدمونة. تقوم إيميليا بنعت عطيل بالزنجي العبد. وتحتقره على فعلته الشنيعة كون زوجته ضحت

بخطابها وأبيها وبلادها وأصدقائها وتركتهم ليسميها عاهرة ذلك الزنجي ويجازيها بالقتل؟. يقدم ياجو على طعن زوجته إميليا بعد أن

فضحته فتموت إميليا بجوار سيدتها دزدمونة ويخرج ياجو محاولا النجاة بنفسه. وبعد معرفة الحقيقة يقف عطيل ليتغنى بسيفه

ومجده التليد بلغة فريدة وأنه لم يقتل إلا بدافع الشرف. يتم إحضار ياجو إلى مسرح

الجريمة التي كان سببا رئيسا فيها فيقوم عطيل المغربي بطعن ياجو فيجرحه. ثم يقدم اعتذاره لرفيق دربه كاسيو كونه أساء الظن به، وهذا دليل على طيبته وسذاجته.

في غضون تلك الفترة كان قد صدر مرسوم في بلاط الدولة وهو الاستغناء عن خدمات عطيل بسبب انتهاء الحرب وصار من الضرورة عزله وتعيين كاسيو مكانه فلم تعد الدولة في

ذلك الوقت بحاجة ماسة لخدمته بعد تحقيق النصر لها. إشارة لأنه رخيص في السلم وتكمن قيمته عند الحاجة له في الحرب. يؤمر بأن يتم إعفائه من منصبه وتقديمه للعدالة فيستميحهم عذرا بأن يتحدث لهم بما يدور في خلده وكيف أن سهام الغدر قد أصابته

وحينها شعر بأنه خسر كل شيء ولم تعد الحياة مجدية. فيطلب منهم أن يحكوا قصته

للغير ويتحدثوا عنه كما هو بكل حيادية دون زيادة أو نقصان. ويذكر أمجاده البطولية والمعارك التي خاضها ويبدي أساه على

مصيره الذي آل إليه. ينتهي عطيل من حديثه الأخير فيطعن نفسه ثم يزحف نحو السرير الذي ترقد فيه ضحيته المسكينة زوجته

البريئة الطاهرة دزدمونة. فآخر ما قاله: “قبل أن أقتلك قبلتك …قتلت نفسي لأموت على قبلتك”. ويموت عطيل بسهام غدر ياجو الذي

ثأر لنفسه من عطيل :وها قد أوصلته أخيرا لحتفه.
وبعد أن عاش الحب بين عنترة وعبلة سنوات يأتي الموت لمن أرى خصومه وأعداءه الموت

قبل أن يأتيهم، فبينما هو عائد من اليمن بات ليلته في وادٍ كثيف الأشجار مع عبلة، وعندما كان في أحضانها سمع أصواتا فخرج، فأتاه

سهم غادر خائن من وزر الرجل المنتقم الأعمى، فأصابه فسحب نفسه إلى الخيمة

ووقف بجواره زوجته وأصدقاؤه ثم أتي بالرامي جثة هامدة إلى خيمة البطل، فعرفه البطل من ملامحه.

بدأ اليأس والألم يدب في البطل لعلمه بغدر الأعمى لكنه تحامل حاميا عبلة حتى أوصلها

إلى مشارف ديار عبس بعد ملاحقة قطاع الطرق له، وبعد أن أمن حبيبة القلب وقف في

ممر ضيق للوادي فغرس رمحه في الأرض

ليتكئ عليه ويموت عزيزا بعد أن صنع أسطورة في الحب والفروسية.