رسولنا المصطفي منحة إلهية لجميع البشرية الجزء العشرون

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فرسولنا المصطفي ﷺ بأبي وأمي ونفسي وروحي وحياتي كلها منحة إلهية لجميع البشرية.
فكم يتوقف بريق ولمع الكلمات فلا تجدها تحاكي ولو بالجزء اليسير من مقام ومكانة رسول الله ﷺ ، والذي لا يعرف حقه إلا كل شريف وأصيل عاقل.
هو المنحة وهو الحب الذي يسري في قلوب المحبين فكم هدي الله به من ضلالة وأخرج به النفوس من جهالة ، وشرح الله به من الصدور ، وأضاء الله بذكره ظلمة القبور ، هو الضياء والنور والرحمة والسرور ﷺ.
، وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب. وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود (العنود: العتو والطغيان، أو الميل والانحراف. انظر لسان العرب 3 / 307 وما بعدها.) عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجا) .
(الرسالة. للإمام محمد بن إدريس الشافعي. تحقيق أحمد محمد شاكر، ط 1، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، 1358 هـ، ص 88- 89) .
، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدلالة على وجوب طاعته واتباع سنته منها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبت طائفة منم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق».
(البخاري، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم 9 / 115، ومسلم، كتاب الفضائل، باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته 14 / 788- 1789) .
قال الطيبي رحمه الله:
(هو الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي
(. . . – 743 هـ) ، مفسر محدث، كان شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة. من تصانيفه شرح المشكاة وشرح الكشاف للزمخرشي، شرحه شرحا حسنا، ورد عليه فيما خالف فيه مذهب أهل السنة والجماعة. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر، 2 / 156 -157) .
، فيما نقله عنه الحافظ بن حجر:
(شبه صلى الله عليه وسلم نفسه بالرجل، وإنذاره بالعذاب القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن كذب الرجل في إنذاره ومن صدقه)
( فتح الباري، 11 / 317)
، وأخرج البخاري رحمه الله أيضا بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»
(صحيح البخاري، كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم
،( 9 / 114).
، والمراد بالإباء هنا هو الامتناع عن التزام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصيان أمره.
والموصوف بالإباء إن كان كافرا فلا يدخل الجنة أبدا وإن كان مسلما منع من دخولها مع أول داخل إلا من شاء الله تعالى.
(انظر: فتح الباري، 13 / 254)
، وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني».
(صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول 9 / 77) .
، فهذا الحديث يؤكد أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله كما قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}
[سورة النساء، الآية: 80].
، وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمر – والعلماء والأمراء – ما لم يأمروا بمعصية فإن أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
، وأخرج الترمذي وأبو داود وأحمد – واللفظ له – عن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»
(المسند 4 / 127، وأبو داود. في السنة، باب لزوم السنة 5 / 13- 15، والترمذي في الحلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، 4 / 149- 155، وقال: حسن صحيح، وقال الحافظ أبو نعيم، هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين. انظر – جامع العلوم والحكم، لابن رجب، طبع دار الفكر، بيروت، ص 243.)
، ففي هذا الحديث الشريف يوصي الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ومن يأتي بعدهم بالتمسك بالسنة ولزومها والاعتصام بها.
قال ابن رجب رحمه الله:
(وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا واحدة وهي ما كان عليه وأصحابه (وهنا يشير إلى حديث افتراق الأمة ولفظه ” ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، أخرجه أبو داود في كتاب السنة باب شرح السنة 5 / 5- 6، وأحمد في المسند 4 / 105، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 1 / 128 ،السلسلة الصحيحة للألباني، 1 / 358 وما بعدها)
، ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة.
، والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعمان وعلي رضي الله عنهم)
(جامع العلوم والحكم، ص 248- 249
[عبد الرءوف محمد عثمان، محبة الرسول بين الاتباع والابتداع]
، وكما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بطاعته، حذرهم من الخروج عن سنته ورهبهم من تركها والإعراض عنها، فقال فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ،
ومسلم عن أنس رضي الله عنهما: «فمن – من – رغب عن سنتي فليس مني»
(صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، 7 / 2)
، وقال فيما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»
، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم على من يحاول رد السنة ورفضها بدعوى الاكتفاء بالقرآن. وذلك فيما أخرجه أحمد وأبو داود – واللفظ له – والترمذي – وصححه وحسنه – عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»
( سنن أبي داود. كتاب السنة، باب في لزوم السنة، 5 / 12. والترمذي، كتاب العلم، باب ما نهى أن يقال عند حيث النبي صلى الله عليه وسلم 4 / 144، والمسند 6 / 😎.
، إن النبي ﷺ نعمة ما بعدها نعمة فقد أقام الله به أصول الدين وأظهر به الحجة واليقين فجاهد في الله حق جهاده بأبي وأمي ونفسي وروحي وحياتي كلها صلى الله عليه وسلم.
للحديث بقية عن أعظم سيرة شخصية لنبي ازدان ذكره عظمة بين البرية والبشرية سيدنا محمد ﷺ.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً وكن بنا وبالمؤمنين رؤوفا رحيما.