رسولنا المصطفي  منحة إلهية لجميع البشرية الجزء الأول

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فرسولنا المصطفي ﷺ بأبي وأمي ونفسي وروحي وحياتي كلها منحة إلهية لجميع البشرية.
فكم يتوقف بريق ولمع الكلمات فلا تجدها تحاكي ولو بالجزء اليسير من مقام ومكانة رسول الله ﷺ ، والذي لا يعرف حقه إلا كل شريف وأصيل عاقل.
هو المنحة وهو الحب الذي يسري في قلوب المحبين فكم هدي الله به من ضلالة وأخرج به النفوس من جهالة ، وشرح الله به من الصدور ، وأضاء الله بذكره ظلمة القبور ، هو الضياء والنور والرحمة والسرور ﷺ.
، واعلم أيها المحب الكريم أن النبوة محض اصطفاء إلهي ، فلقد جرت سنة الله في خلقه أن يصطفى بعض عباده لمهمة النبوة والرسالة كما قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ}
[سورة الحج ، الآية: 75]
، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}
[سورة آل عمران ، الآية: 33] .
، وقال تعالى: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي}
[سورة الأعراف ، الآية: 144].
واعلم أن هذا الاصطفاء والاختيار منة إلهية امتن الله بها على الأنبياء والمرسلين فلم يصلوا إليها بكسب ولا جهد، ولا كانت ثمرة لعمل أو رياضة للنفس قاموا بها كما يزعم الضلال من الفلاسفة. حيث ذهبوا إلى أن النبوة مكتسبة وأن من هذب نفسه بالخلوة والعبادة وأخلى نفسه عن الشواغل العائقة عن المشاهدة، وراض نفسه، وهذبها، تهيأ للنبوة.
نعم..فالنبوة والرسالة إنما هي محض فضل من الله يختص به من شاء من عباده، وهو سبحانه أعلم بمواقع فضله، ومحال رضاه، وأعلم بمن يصلح لهذا الشأن، فهو سبحانه صاحب الخلق والتدبير، والاختيار والاصطفاء،؟
قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [سورة القصص ، الآية: 68]
، وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}
[سورة الأنعام ، الآية: 124].
، ومع كون النبوة منحة إلهية. إلا أن الله لا يختار لها إلا أناسا قد خصهم وميزهم بخصائص ومميزات ليست موجودة في سائر البشر. فالرسل أكمل البشر خلقا وخلقا، وأرجحهم عقلا، وأوفرهم ذكاء، والله رهم قلبا. وهذا هو شأن الرسل أجمعين. والرسول صلى الله عليه وسلم حينما اصطفاه الله لمهمة الرسالة الخاتمة، خصه بخصائص ليست موجودة في غيره، وهيأه تهيأة خاصة تتناصب مع هذه المهمة الجليلة.
وظهرت آثار اصطفاء الله له في جوانب كثيرة منها:
أولا: طهارة نسبه وأصله ﷺ :
فلم ينل نسبه الطاهر شيء من سفاح الجاهلية. فكان من سلالة آباء كرام ليس فيهم ما يشينهم أو يعيبهم. بل كانوا سادات قومهم في النسب والشرف والمكانة.
، وفي الحديث الذي أخرجه مسلم بسنده عن واثلة بن الأسقع ما يؤكد ذلك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
« (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بنى هاشم».
(صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم، 4 / 1782).
ثانياً: فلقد تعهد الله بذاته سبحانه برعايته وحفظه ﷺ:
وذلك أنه نشأ على الفطرة الزكية فلم يتدنس بشيء من أدران الجاهلية لأن الله حفظه منذ صغره، فحفظ قلبه من تغيير الفطرة ووصول الشيطان إليه أخرج الإمام مسلم بسنده عن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة. فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده مكانه».
(صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، 1 / 147)
، وهذا الحديث يبين أن الله طهر قلبه صلى الله عليه وسلم منذ صغره وحفظه من وصول الشيطان إليه وذلك ليعده فيما بعد لمهمة النبوة والرسالة. فنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأخلاق الزاكية والخصال الحميدة، والفطرة النقية السليمة، فبغضت إليه الأوثان فلم يسجد لصنم قط، وحبب إليه الخير ومكارم الأخلاق، فكان في ذلك مضرب الأمثال، وكيف لا؟ وهو الملقب من قبل قومه بالصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: عصمته ﷺ :
فكما حفظ الله قلب نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم وفطرته. فكذلك عصمه من وجوه كثيرة أهمها:
١_ عصمته ﷺ من تسلط أعدائه عليه إما بالقتل أو منعه من تبليغ رسالة ربه.
، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}
[سورة الأنفال ، الآية: 30] .
، وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}
[سورة المائدة ، الآية: 67]
، وأخرج البخاري بسنده «عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة وعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: ” إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال من يمنعك مني فقلت الله (ثلاثا) ولم يعاقبه وجلس»
(صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر 4 / 47 – 48).
٢_عصمته صلى الله عليه وسلم من كل ما يقدح في نبوته، أو ينفر الناس عن دعوته فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن الآثم، متنزها من كل ما يعيب أو يشين البشر في سلوكهم، بعيدا عن سفاسف الجاهلية. كما عصمه الله عن وقوع الخطأ والنسيان أو الكذب والكتمان فيما ييلغه عن ربه فقال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى – مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى – وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى – إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}
[سورة النجم ، الآيات: 1 – 4].
، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}
[سورة المائدة، الآية: 67].
رابعاً: تكميل الله له ﷺ المحاسن خلقا وخلقا وهو النموذج الكامل بأبي وأمي ونفسي:
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس خلقا من حيث جمال صورته، وتناسب أعضائه، وطيب ريحه وعرقه، ونظافة جسمه، واكتمال قواه البدنية والعقلية، كما كان أكمل الناس خلقا إذ جمع محاسن الأخلاق وكريم الشمائل، وجميل السجايا والطباع.
قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} .
[سورة القلم ، الآية: 4] .
، وقد وعت كتب الشمائل والسير شمائله وأخلاقه، وصفاته صلى الله عليه وسلم.
خامساً: تشريفه ﷺ بنزول الوحي عليه:
قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
[سورة الشورى ، الآية: 52]
، وقال تعالى:
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [سورة يوسف ، الآية: 3] .
سادساً: كونه ﷺخاتم النبيين والمرسلين :
قال تعالى:
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [سورة الأحزاب ، الآية: 40] .
، وأخرج البخاري ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة! قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين»
( صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، 4 / 226، ومسلم، كتاب الفضائل باب ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، 4 / 1791)
واعلم أن مظاهر اصطفاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم كثيرة ، لا حدود لها من حيث أنها لا تعد ولا تحصى لكثرة فضائله وما خصه الله به من صنوف الخير والفضل ويكفيه شرفا أنه سيد ولد آدم، وأنه صاحب المقام المحمود والحوض المورود ولواء المعقود فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. واصطفاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم دليل على حب الله كما أنه يوجب محبة العباد لهذا النبي العظيم.
[عبد الرءوف محمد عثمان، محبة الرسول بين الاتباع والابتداع].
للحديث بقية عن أعظم سيرة شخصية لنبي ازدان ذكره عظمة بين البرية والبشرية سيدنا محمد ﷺ.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً وكن بنا وبالمؤمنين رؤوفا رحيما.