رسول الله ﷺ يعلمنا كيف نزن الأمور بميزان الشرع والعقل

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فمعالجة أمر من الأمور يحتاج إلي فطنة وترو وعقل ،ويوزن هذا كله بميزان دقيق وهو ميزان الشرع.

فإن المنضبط لا تصدر عنه إلا أفعال منضبطة وفق شرع قد التزمه ، وعقل فطن يدبر للأمر قبل أن يصدره.

 وإذا ما نظرنا ذلك بواقع نعايشه مع حبيبنا المصطفى ﷺ بأبي وأمي ونفسي وروحي وحياتي كلها ﷺ تعرف قدر ميزان الأمور ولا تتعدي في ذلك شيئاً.

فلقد رأى النبيُّ ﷺ خاتماً من ذهبٍ في يدِ رجُلٍ من الأنصار ، فنزعَه من يده ، ثم طرحه أرضاً وقال : 

” يعمدُ أحدكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلها في يده “!

فقِيل للرجلِ بعد أن مضى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : خُذْ خاتمكَ انتَفِعْ به .

فقال : لا واللهِ لا آخذه أبداً وقد طرحه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .

والله إنه لدرسٌ عظيمٌ ومهم من دروسِ الدعوةِ إلى الله تعالى ، يُقابله درسٌ عظيمٌ في الاتِّباع .

ويا ليت ، وعسي ، وحبذا وقل ما شئت من ألفاظ الرجاء والتمني والحب أن يكون حبنا للنبي المصطفى ﷺ عن اتباع حتي نصدق فيه تمام الصدق.

ولو وقفنا مع موقف آخر للنبي المصطفى ﷺ مع الأعرابي الذي جاء من الباديةِ وبَالَ في المسجد ، فنهرَه الصحابة ، فأمرَهم النبيُّ ﷺ أن يترفَّقوا به ، ولا يرفعوا أصواتهم في وجهه ، 

وعقدنا المقارنة بموقفه ﷺ من الأنصاري الذي اتَّخذ خاتماً من ذهب.

نجد أنَّ الفارق بين التصرُّفين ليس بسبب التفاوتِ بين الفعلين ، ولا يُستنتج من الموقفين ولا تظن أنَّ التبوُّلَ في المسجد أمرٌ يسير ، وأنَّ خاتمَ الذهب للرجال كبيرةٌ من الكبائر ، وإن كان مُحرَّماً بلا خلاف .

لكن ولتقف هنا وقفة العاقل المنضبط بلا شطط أو تعصب:

نجد أن الفارق بسبب الشخص الذي ارتكبَ المُخالفة ، فالأول أعرابيٌّ جاهلٌ ، والجاهل يعلم ويصطبر عليه ، فلقد جاء من البادية لا يعلم من هذا الدين شيئاً ، وتصرَّفَ بسبب عادته ومألوفه .

أما الثاني فهو من أهلِ المدينة ، ومن الصحابة، وقد عَلِمَ النبيُّ ﷺ أن الرِّفق بالأعرابي لحداثةِ إسلامِهِ أصلحُ لحالِه ، وأن الحزم َمع الأنصاري لنيله شرف الصحبة ، ومُعايشةِ أهل الإيمان أصلحُ لحالِه.

 الرفقَ مطلوب مع الجميع ، وفي غالب الأوقات والأحوال ، وقد كان النبي ﷺ رفيقاً بأصحابه ، ولكنها حادثة مُفردة ، أراد فيها أن يُعلِّمنا أن العتب على قدر المحبة ، واللوم على قدر الإيمان والسَّابقة ، وأن الناس لا يُعالجون بدواء واحد .

والدعوة دروس ومواقف يليها العبر ، أما درس الاتِّباع فهو امتناع الأنصاري عن أخذِ الخاتم وبيعه بعد أن طرحه النبيُّ الكريم ﷺ من يده ، مع أن الحُرمة في لبس الخاتم وليس في بيعه ، ولكنه كره لعظيم إيمانه أن يلتقطَ خاتمه وقد رماه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم. 

عظيم هو أمر الاتباع ، وجمال الانصياع والتسليم لأمر النُّبُوَّة.

فلقد كرهَ الرجل أن يأخذَ خاتماً ألقاه النبيُّ ﷺ مع أن أخذه حلال كما تقدَّم ، فهل كرهنا ما يكرهه النبيُّ ﷺ من أخلاق وتصرفات غير سديدة.

هل انتهي من يؤذي جاره عن الأذي ،وسلك مسلك النبي ﷺ في الوصية بالجار ومحبته.

 هل كان قولنا سمعاً وطاعة لترك الحرام ومن صوره الربا،وعلمنا أن الحلال يُشبع وإن قلَّ ، وإن الحرام لا يكفي وإن كثُر .

هل انتهينا عن الشكوي والشكاية ليل نهار وأوكلنا أمورنا لله من باب “فأسرَّها يوسف في نفسه ولم يُبدها لهم”.

من أحب النبي ﷺ فليقل كقوله ، وليفعل كفعله ولا يقدم رأيا ولا مشورة عليه مصداقا لقول الله تعالى: 

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[سورة الحجرات ، الآية:1].

رزقنا الله وإياكم حسن الاتباع لديننا ولنبينا المصطفى ﷺ.