زند بن الجون الشهير ابو دلامه وحكايته وطرائفه مع الخلفاء

66

كتب وجدي نعمان

أبو دلامة شاعر ساخر من شعراء العصر العباسي، اسمه زند بن الجون وقيلَ: زيد، لكن أكثر المصادر تشير إلى أنَّه زند بن الجون، اشتُهرَ باسم أبي دلامة نسبةً إلى اسم ابنته التي كانت تُدعى: دلامة فكُنِّي بها، وقيلَ أيضًا: بأنَّ دلامة جبل مطلٌّ على الحجون بأعلى مكَّة، وهو جبلٌ أسود ذو صخرٍ أملس، فكُنِّي به لوجود شبهٍ بينه وبين هذا الجبل بالطول والسواد فقد كان طويلًا وأسودًا. ويقال أنَّه كان عبدًا لرجلٍ من أهل الرقة من بني أسدٍ وأعتقه في ما بعد، لم يُعرف تاريخ ميلاده فلم تُشِر المصادر إلى تاريخ ولادته، ولكنَّ أبا دلامة  كان قد عُرف في عصرِ أبي العبَّاس السفاح، والغالب أنَّه قضى 20 سنة من عمره أثناء فترة حكم الدولة الأمويَّة، فمن المرجَّح أن يكون قد ولدَ عام 100هـ تقريبًا، وهو أحد الشعراء المعاصرين لخلفاء الدولة العباسية الثلاث الأوائل وهم: أبو العباس السفاح، أبو جعفر المنصور، المهدي. وكان يعتبر أبو دلامة شاعرهم ونديمهم الخاص وله قصص كثيرة مع الخليفة المهدي، لم يكن من كبار الشعراء لكنَّهُ كان خفيفَ الظلِّ، سريعَ الجواب، حاضرَ النكتة ما دخل على أحد إلا أضحكه، فكاهيًّا مرحًا، حسن الحديث، ذو روايةٍ ممتعةٍ. توفِّي عام 161هـ ويقال أنَّه عاش إلى أوائل دولة الرشيد [١]. أبو دلامة والمهدي كان أبو دلامة الشاعر الساخر نديمًا للمهدي ومحبَّبًا إلى قلبه، وعندما يبعثُ الخليفة في طلبه يأتيه على جناح السرعة للتسريةِ عنه بأشعاره ودعاباته التي لا تنتهي، وقد كان له معه الكثير من الطرف والأحاديث والقصص، ويروى أنَّه عندما دخلَ على المهدي يهنِّئهُ قال له: إنِّي حلفتُ لئِن رأيتُكَ سالمًا    بقُرى العراقِ وأنت ذو وفرِ لتُصلينَّ على النبيِّ محمَّد    ولتملأنَّ دراهمًا حِجري فضحكَ المهدي وقال له: أمَّا الأولى فنعم، فقال أبو دلامة: إنَّهما كلمتان لا يُفرَّقُ بينهما، فضحكَ الخليفة وملأ حجرَه دراهم [١]. وقد دخلَ أبو دلامة ذاتَ يومٍ على الخليفة فوجده مهمومًا مغتمًّا، فوقع أبو دلامة في حيرةٍ محاولًا إخراج الخليفة مما هو فيه، فأسعفته فطنتهُ ونباهته بفكرةٍ طريفةٍ وهي أن يسخرَ من نفسه، فيجدُ الخليفةُ في هذا اللون المبهج والفكاهيِّ ما يفرحُه ويفرج عنه همَّه وغمَّه، فأنشدَ أبو دلامة قائلًأ: ألا بلِّغ لديكَ أبا دلامَةْ    فلستَ من الكرام ولا الكرامَةْ جمعتَ دمامةً وجمعتَ لؤمًا    كذاك اللؤمُ تتبعه الدمامَةْ إذا لبسَ العمامةَ صار قردًا    وشيطانًا إذا نزعَ العمامَةْ فضحكَ المهدي حتى قلبَ على قفاه، وأمر لأبي دلامة بجائزةٍ قيِّمةٍ. [٢] طرائف أبي دلامة كانَ أبو دلامة من الشعراء الظرفاء في العصر العبَّاسي ورويَ عنه الكثير من الطرائف والنوادر مع عدد من الخلفاء العباسيين، منهم أبو جعفر المنصور والمهدي وغيرهم، ومن طرائف أبي دلامة التي انتشرت عنه واشتُهر بها: [٣] خرجَ أبو دلامة مرةً معَ الخليفةِ المهدي في مصادٍ لهُم أي في رحلةِ صيدٍ، فعنَّ لهم ظبيٌ أي مرَّ أمامهم، فرماهُ المهديُّ بسهمٍ فأصابه، ورمى عليُّ بن سليمانَ فأخطأَ وأصابَ الكلب، فضحكَ الخليفة المهدي وقالَ لأبي دلامةَ: قُلْ، أي قُلْ شعرًا في ذلك، فقال أبو دلامة: قد رمى المهديُّ ظبيًا    شكَّ بالسهمِ فؤادَهْ وعليُّ بنُ سليما    نَ رمَى كلبًا فصادَهْ فهنيئًا لهمَا كُلُّ    امرىءٍ يأكلُ زادَهْ! وكتب أبو دلامة إلى عيسَى بن موسَى، وهو والِي الكوفة في ذلكَ الوقت رقعةً فيها هذهِ الأبيات: إذا جئت الأمير فقُلْ سلامٌ    عليكَ ورحمةُ اللَّه الرحيمِ وأمَّا بعدَ ذاك فلي غريمٌ    من الأعرابِ قُبِّح من غريمِ لزومٌ ما علمت ببابِ داري    لزوم الكلبِ أصحابَ الرَّقيم لهُ مئةٌ عليَّ ونصفُ أخرى    ونصفُ النِّصف في صكٍّ قديمِ دراهمُ ما انتفعتُ بهَا ولكن    حبوتُ بهَا شيوخَ بني تميمِ ودخل ذاتَ يومٍ أبو دلامة على المهديِّ فأسمعَه مديحًا، فأُعجِبَ الخليفةُ بهذا المدح وقال لهُ: سَلْ حاجَتك، قال أبو دلامة: كلبُ صيدٍ أصطاد به. قالَ: قد أمَرنا لكَ بكلبٍ تصطادُ بهِ. قالَ: وغلامٌ يقودُ الكلب. قال: قد أمَرنا لكَ بغلام. قال: وخادمٌ تطبخُ لنا الصيدَ. قال: وأمرنَا لك بخادمٍ. قال: ودارٌ نأوي إليها. قال: وأمرنَا لك بدارٍ. قال: بقيَ الآنَ المعاش. قال: قد أقطعنَاك ألفَ جريبٍ عامرة وألف جريب غامرة. قال: وما الغامرَة؟ قال: التي لا تعمُر. قال: فأنا أقطعُ أميرَ المؤمنينَ خمسينَ ألفًا من فيافِي بني أسدٍ، قال: فإنَّا نجعلها عامرةً كلَّها. قال: فيأذنُ أميرُ المؤمنينَ في تقبيلِ يدِه. قال: أمَّا هذه فدعْها، قالَ: ما منعتَني شيئًا أيسر على أمِّ عيالي فقدًا منه. ويروى عنه أيضًا أنَّه حضرَ جنازة حمادة زوجة الخليفة المنصور، فقال له المنصور: ماذا أعددت لهذه الحفرةَ يا أبا دلامة؟، قال أبو دلامة: حمادةَ يا أمير المؤمنين. فضحكَ الخليفةُ من قوله. ويروَى أيضًا أنَّه دخلَ يومَ وفاةِ الخليفةِ العباسيِّ أبِي العبَّاس السفَّاح على زوجتِه أمِّ سلمة بنتِ يعقوب المخزوميَّة يعزِّيها عنه، وكان هو أحدَ القلائلِ المُنتفعين من خلافتِه، فبكَى وأنشدَ قصيدةً هذه بعضٌ من أبياتها: أمسيتَ بالأنبارِ يابن محمّدٍ    لا تستطيعُ من البلادِ حويلَا ويلي عليكَ وويلَ أهلي كلِّهم    ويلًا وهولًا في الحياةِ طويلا فلتبكينَّ لكَ النِّساء بعبرةٍ    وليبكينَّ لكَ الرجــالُ عويلا ماتَ النَّدى إذ متَّ يابنَ محمَّدٍ    فجعلتَهُ لكَ في التُّراب عديلا إن أجملُوا في الصَّبر عنكَ فلَم يكُن    صبرِي ولا جَلَدي عليكَ جميلا يجدُونَ منك خلائفًا، وأنا امرؤٌ    لو عشتُ دهرِي ما وجـدتُ بديلا إنِّي سألتُ النَّاس بعدكَ كلَّهم    فوجدتُ أسمحَ من وجدتُ بخيلَا فقالت له أمُّ سلمة: يا أبا دلامة والله ما أصيب “أي تضرَّر” أحدٌ بموتِ أميرِ المؤمنين غيرِي وغيرك؟ فأجاب أبو دلامة: لا والله ما أصيبَ أحدٌ سواي، أنتِ لكِ ولدٌ منهُ تتسلِّينَ به، وأنا لا ولدَ لي مِنه!، فضحكَتْ أمُّ سلمة ولم تكُن ضحكت منذ ماتَ أبو العبَّاس، وقالت له: يا زَند، ما تدعُ أحدًا إلَّا أضحكتَهُ.

يروى انه دخل يوما على ابي جعفر المنصور- وكان عنده ولداه جعفر والمهدي وابن عمه عيسى بن موسى – فقال له المنصور: عاهدت الله يا أبا دلامه ان لم تهج أحد ممن في الجلس لاقطعن لسانك، ويروي أبو دلامه عن نفسه فيقول: فقلت في نفسي قد عاهد وهو لابد فاعل. ثم نظرت إلى اهل المجلس فإذا بخليفه وابناه وابن عمه. وكل منهم يشير الي باصبعه بالصلة ان تخطيته، وايقنت اني ان هجوت احدهم قتلت. والتفت يمنه ويسره لارى بعض الخدم لأهجوه فما وجدت احدا.فقلت في نفسي اما حلف على من في المجلس وانا أحد من في المجلس، ومالي الا ان هجوت نفسي فقلت

لا أبلغ إليك أبا دلامة***فليس من الكرام ولا كرامه

إذا لبس العمامة كان قردا*** وخنزير إذا خلع العمامة

جمعت ذمامة وجمعت لؤما***كذلك اللؤمتتبعه الذمامة

فإن تك قد أصبت نعيم دنيا***فلا تفرح فقد دنت القيامة

فضحك المنصور حتى استلقى وامر لي بجائزه.

وهذه الرواية التي اتفقت على صحتها اغلب المصادر، تشير إلى ان ابادلامه لم يكن حسن الشكل

حكي عنه: أنه كان واقفاً بين يدي السفاح أو المنصور، فقال له: سلني حاجتك، فقال أبو

دلامة: كلب صيد، قال: أعطوه إياه. قال: ودابة أتصيد عليها. قال: أعطوه. قال: وغلام

يقود الكلب ويتصيد به، قال: أعطوه غلاماً. قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه،

قال: أعطوه جارية. قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال فلا بد لهم من دار يسكنونها، قال:

أعطوه داراً تجمعهم. قال: فإن لم يكن ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتك مائة

جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وما الغامرة؟ قال: ما لا نبات فيه. قال: قد

أقطعتك يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد. فضحك وقال:

اجعلوا المائتين كلها عامرة. قال: فأذن لي أن أقبل يدك، قال: أما هذه فدعها، فإني لا

أفعل. قال: والله ما منعت عيالي شيئاً أقل عليهم ضرراً منها.

وروي: أنه دخل على المنصور فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

إن الخليط أجدوا البين فانتجعوا         وزودوك خبالاً بئس ما صنعوا

والله يعلم أن كادت، لبينهم         يوم الفراق، حصاة القلب تنصدع

عجبت من صبيتي يوماً وأمهم         أم الدلامة لما هاجها الجزع

لا بارك الله فيها من منبهة         هبت تلوم عيالي بعدما هجعوا

ونحن مشتبهو الألوان، أوجهنا         سود قباح، وفي أسمائنا شنع

إذا تشكت إلى الجوع، قلت لها         ما هاج جوعك إلا الري والشبع

أذابك الجوع مذ صارت عيالتنا         على الخليفة منه الري والشبع

لا والذي يا أمير المؤمنين قضى         لك الخلافة في أسبابها الرفع

ما زلت أخلصها كسبي فتأكله         دوني ودون عيالي ثم تضطجع

شوهاء مشنأة في بطنها ثجل         وفي المفاصل من أوصافها ندع

ذكرتها بكتاب الله حرمتنا         ولم تكن بكتاب الله ترتجع

فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبة         أأنت تتلو كتاب الله يا لكع!

أخرج تبغ لنا مالاً ومزرعة         كما لجيراننا مال ومزدرع

واخدع خليفتنا عنا بمسألة         إن الخليفة للسؤال ينخدع

قال: فضحك أبو جعفر وقال: أرضوها عنه بمائتي جريب عامرة  ويروى ستمائة جريب

عامرة وغامرة  فقال: أنا أقطعك يا أمير المؤمنين أربعة آلاف جريب غامرة فيما بين الحيرة

والنجف، وإن شئت زدتك. فضحك وقال: اجعلوها كلها عامرة. قال: ولما توفي السفاح

دخل أبو دلامة على المنصور والناس عنده يعزونه، فقال:

أمسيت بالأنبار يا بن محمد         لم تستطع عن عقرها تحويلا

ويلي عليك وويل أهلي كلهم         ويلا وعولاً في الحياة طويلا

فلتبكين لك السماء بعبرة         ولتبكين لك الرجال عويلا

مات الندى إذ مت يا بن محمد         فجعلته لك في التراب عديلا

إني سألت الناس بعدك كلهم         فوجدت أسمح من سألت بخيلا

ألشقوتي أخرت بعدك للتي         تدع العزيز من الرجال ذليلا؟

فلا حلفن يمين حق برة         تالله ما أعطيت بعدك سولا

قال: فأبكى الناس الناس قوله. فغضب المنصور غضباً شديداً وقال: إن سمعتك تنشد

هذه القصيدة لأقطعن لسانك. قال: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس أمير المؤمنين كان لي

مكرماً، وهو الذي جاء بي من البدو، كما جاء الله بإخوة يوسف إليه، فقل كما قال

يوسف: ” لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين “. فسرى عن المنصور

وقال: قد أقلناك يا أبا دلامة، فسل حاجتك. قال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العباس أمر

لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوباً وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعلم

ذلك؟ قال: هؤلاء وأشار إلى جماعة ممن حضر فوثب سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا:

صدق أبو دلامة، نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب الخازن وهو مغيظ: يا سليمان

ادفعها إليه وسيره إلى ذا الطاغية يعني عبد الله بن علين، وكان قد خرج بالشام وأظهر

الخلاف فوثب أبو دلامة وقل: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن أخرج معهم، ووالله ما أحب

أن يجرب ذلك مني على مثل هذا العسكر، فإني لا أدري أيهما يغلب: يمنك أو شؤمي، إلا

أني بنفسي أوثق وأعرف وأطول تجربة. فقال: دعني وهذا، فمالك من الخروج بد. قال:

فإني أصدقك الآن، شهدت والله تسعة عشر عسكراً كلها هزمت، وكنت سببها، فإن

شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك تمام العشرين فافعل. فضحك المنصور وأمره أن

يتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.

وعن جعفر بن حسين اللهبي قال: حدثني أبو دلامة قال: أتى بي المنصور أو المهدي وأنا

سكران، فحلف ليخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة.

فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك

اليوم أثراً ترتضيه! فضحك وقال: والله العظيم لأدفعن إليك ذلك ولآخذنك بالوفاء

بشرطك، فنزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفع ذلك إلي، وعاد بغيره فاستبدل به. فلما

حصل ذلك في يدي قلت: أيها الأمير، هذا مقام العائذ بك، وقد قلت أبياتها فاسمعها. قال:

هات، فأنشدته:

إني استجرتك أن أقدم في الوغى         لتطاعن وتنازل وضراب

فهب السيوف رأيتها مشهورة         وتركتها ومضيت في الهراب

ماذا تقول لما يجيء ولا يرى         من بادرات الموت بالنشاب

فقال: دع هذا عنك، وبرز رجل من الخوارج يدعو إلى المبارزة فقال: اخرج إليه يا أبا

دلامة. فقال: أنشدك الله أيها الأمير في دمي. فقال: والله لتخرجن! فقلت: أيها الأمير، فإنه

أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ما تنبعث مني جارحة من الجوع،

فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن

الصف. فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل، وأصابته الشمس

فاقفعل وعيناه تقدان، فأسرع إلي، فقلت: على رسلك يا هذا! فوقف، فقلت: أتقتل من لا

يقاتلك؟ قال: لا. قلت: أتستحل أن تقتل رجلاً على دينك؟ قال: لا. قلت: أفتستحل

ذلك قبل أن تدعو من تقابله إلى دينك؟ قال: لا، فاذهب عني إلى لعنة الله، فقلت: لا أفعل

أو تسمع مني. قال: قل. فقلت: هل كانت بيننا عداوة أو ترة أو تعرفني بحال تحفظك علي

أو تعلم بيني وبين أهلك وتراً؟ قال: لا والله، قلت: ولا أنا والله لك إلا علي جميل الرأي،

فإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأريد السوء لمن أرادك. فقال: يا هذا، جزاك

الله خيراً فانصرف. قلت: إن معي زاداً أريد أن آكله وأريد مؤاكلتك لتتوكد المودة بيننا

ويرى أهل العسكرين هوانهم علينا، قال: فافعل. فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا

وجمعنا أرجلنا على معارفها وجعلنا نأكل والناس قد غلبوا ضحكاً. فلما استوفينا

ودعني، ثم قلت له: إن هذا الجاهل، إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعب

وتتعبني، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل. قال: قد فعلت، فانصرف وانصرفت. فقلت لروح:

أما أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري يكفك قرنه كما كفيتك. وخرج آخر يدعو إلى البراز،

فقال لي: اخرج إليه، فقلت:

إني أعوذ بروح أن يقدمني         إلى القتال فتخزى بي بنو أسد

إن البراز إلى الأقران أعلمه         مما يفرق بين الروح والجسد

قد حالفتك المنايا إذا رصدت لها         وأصبحت لجميع الخلق كالرصد

إن المهلب حب الموت أرثكم         فما ورثت اختيار الموت عن أحد

لو أن لي مهجة أخرى لجدت بها         لكنها خلقت فرداً فلم أجد

قال: فضحك روح وأعفاني.

قال: وشرب أبو دلامة في بعض الحانات وسكر، فمضى وهو يميل، فلقيه العسس فأخذه،

فقيل له: من أنت؟ وما دينك؟ فقال:

ديني على دين بني العباس         ما ختم الطين على القرطاس

إذا اصطحب أربعاً بالكاس         فقد أدار شربها براسي

فهل بما قلت لكم من باس

فأخذوه وخرقوا ثيابه وساجه، وأتي به إلى أبي جعفر، فأمر بحبسه مع الدجاج في بيت.

فلما أفاق جعل ينادي غلامه مرة وجاريته أخرى فلا يجيبه أحد، وهو مع ذلك يسمع

صوت الدجاج وزقاء الديك. فلما أكثر قال له السجان: ما شأنك؟ قال: ويلك! من

أنت؟ وأين أنا؟ قال: قال: أنت في الحبس، وأنا فلان السجان. قال: ومن حبسني؟ قال:

أمير المؤمنين. قال: ومن خرق طيلساني؟ قال: الحرس. فطلب أن يأتيه بدواة وقرطاس،

ففعل فأتاه، فكتب إلى أبي جعفر المنصور يقول:

أمير المؤمنين فدتك نفسي         علام حبستني وخرقت ساجي

أمن صهباء صافية المزاج         كأن شعاعها لهب السراج

وقد طبخت بنار الله حتى         لقد صارت من النطف النضاج

تهش لها القلوب وتشتهيها         إذا برزت ترقرق في الزجاج

أقاد إلى السجون بغير جرم         كأني بعض عمال الخراج!

فلو معهم حبست لكان سهلاً         ولكني حبست مع الدجاج

وقد كانت تخبرني ذنوبي         بأني من عقابك غير ناج

على أني وإن لاقيت شراً         لخيرك بعد ذاك الشر راجي

فاستدعاه المنصور وقال: أين حبست يا أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج. قال: فما كنت

تصنع؟ قال: أقوقي معهم إلى الصباح، فضحك وخلى سبيله وأمر له بجائزة. فلما خرج

قال الربيع: إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله: وقد طبخت بنار الله؟ يعني

الشمس قال: لا والله، ما عنيت إلا نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد الربيع. فضحك

المنصور وقال: خذها يا ربيع ولا تعاود التعرض له.

وروى عن المدائني قال: دخل أبو دلامة على المهدي وعند إسماعيل بن علي وعيسى بن

موسى والعباس بن محمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم، فقال له المهدي: أنا

أعطي الله عهداً إن لم تهج واحداً ممن في البيت، لأقطعن لسانك أو لأضربن عنقك. فنظر

إليه القوم، وكلما نظر إلى أحد منهم غمزه بأن علي رضاك. قال أبو دلامة: فعلمت أني قد

وقعت وأنها عزمة من عزماته لا بد منها، فلم أر أحداً أحق بالهجاء مني ولا أدعي إلى

السلامة من هجاء نفسي، فقلت:

إلا أبلغ لديك أبا دلامه         فلست من الكرام ولا كرامه

إذا لبس العمامة كان قرداً         وخنزيراً إذا نزع العمامه

جمعت دمامة وجمع لؤماً         كذاك اللؤم تتبعه الدمامه

فإن تك قد أصبت نعيم دنيا         فلا تفرح فقد دنت القيامه

فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلا أجازه.

قال: وخرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فسنح لهما قطيع من ظباء، فأرسلت

الكلاب وأجريت الخيل، ورمى المهدي سهماً فأصاب ظبياً، ورمى علي بن سليمان

فأصاب بعض الكلاب فقتله، فقال أبو دلامة:

قد رمى المهدي ظبياً         شك بالسهم فؤاده

وعلي بن سليما         ن رمى كلباً فصاده

فهنيئاً لهما ك         ل امرئ يأكل زاده

فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه، وقال: صدق والله أبو دلامة، وأمر له بجائزة

سنية، فلقب عبي بن سليمان بعد ذلك صائد الكلب، فغلب عليه.

قال: وتوفيت حمادة بنت عيسى، حضر المنصور جنازتها، فلما وقف على حفرتها قال

لأبي دلامة: ما أعددت لهذه الحفرة؟ قال: ابنة عمك يا أمير المؤمنين حمادة بنت عيسى

يجاء بها الساعة فتدفن فيها. فضحك المنصور حتى غلب وستر وجهه.

قال الهيثم بن عدي رحمة الله عليه: حجت الخيزران، فلما خرجت، صاح أبو دلامة:

جعلني الله فداك، الله الله في أمري! فقالت: من هذا؟ قالوا: أبو دلامة. فقالت: سلوه ما

أمره، قالوا له: ما أمرك؟ قال: أدنوني من محملها، قالت: أدنوه، فأدنى، فقال لها: أيها

السيدة، إني شيخ كبير وأجرك في عظيم. قالت: فمه! قال: تهبيني جارية من جواريك

تؤنسني، وترفق بي وتريحني من عجوز عندي، قد أكلت رفدي، وأطالت كدي، فقد عاف

جلدي جلدها، وتشوقت فقدها. فضحكت الخيزران وقالت: سوف آمر لك بما سألت.

فلما رجعت تلقاها وأذكرها وخرج معها إلى بغداد، فأقام حتى غرض. ثم دخل على أم

عبيدة حاضنة موسى وهارون فدفع إليها رقعة قد كتب بها إلا الخيزران، فقها:

أبلغي سيدتي با         لله يا أم عبيده

أنها أرشدها ا         لله وإن كانت رشيده

وعدتني قبل أن تخ         رج للحج وليده

فتأنيت وأرسل         ت بعشرين قصيده

كلما أخلقن أخلف         ت بعشرين قصيده

ليس في بيتي لتمهي         د فراشي من قعيده

غير عجفاء عجوز         ساقها مثل القديده

وجهها أقبح من حو         ت طري في عصيده

ما حياة مع أنثى         مثل عرسي بسعيده

فلما قرأت عليها، ضحكت ودعت بجارية من جواريها فائقة الجمال، فقالت لها: خذي كل

مالك في قصري، ففعلت، ثم دعت بعض الخدم وقالت له: سلمها إلى أبي دلامة. فانطلق

الخادم بها فلم يصادفه في منزله، فقال لامرأته: إذا رجع أبو دلامة فادفعيها إليه وقولي له:

تقول لك السيدة: أحسن صحبة هذه الجارية فقد أمرت لك بها. فقالت له نعم. فلما خرج

الخادم دخل ابنها دلامة فوجد أمه تبكي، فسألها عن خبرها فأخبرته وقالت: إن أردت أن

تبرني يوماً من الأيام فاليوم. قال: قولي ما شئت فإني أفعله. قالت: تدخل عليها فتعلمها أنك

مالكها وتطؤها فتحرمها عليه وإلا ذهبت بعقله فجفاني وجفاك، ففعل ودخل إلى الجارية

فوطئها ووافقها ذلك منه، وخرج. فدخل أبو دلامة فقال لامرأته: أين الجارية؟ قالت: في

ذلك البيت، فدخل إليها شيخ محطم ذاهب، فمد يده إليها ذهب ليقبلها، فقالت: مالك

ويحك! تنح وإلا لطمتك لطمة دققت منها أنفك. فقال لها: أبهذا أوصتك السيدة؟ قالت:

بعثت بي إلى فتى من  هيئته وحاله كيت وكيت، وقد كان عندي آنفاً ونال مني حاجته.

فعلم أنه قد دهي من أم دلامة وابنها. فخرج أبو دلامة إلى دلامة فلطمه ولببه وحلف ألا

يفارقه إلا إلى المهدي. فمضى به ملبباً حتى وقف بباب المهدي، فعرف خبره، وأنه جاء

بابنه على تلك الحال. فأمر بإدخاله فلما دخل قال: مالك؟ قال: فعل بي هذا ابن الخبيثة

ما لم يفعله ولد بأبيه، ولا يرضيني إلا أن تقتله. قال: ويحك! وما فعل بك؟ فأخبره الخبر،

فضحك حتى استلقى ثم جلس. فقال له أبو دلامة: أعجبك فعله فتضحك منه؟ فقال:

علي بالسيف والنطع. فقال له دلامة: قد سمعت قوله يا أمير المؤمنين، فاسمع حجتي. قال:

هات! قال: هذا الشيخ أصفق الناس وجهاً، هو يفعل بأمي منذ أربعين سنة ما غضبت،

وفعلت أنا بجاريته مرة واحدة غضب وصنع بي ما ترى. فضحك المهدي أشد من

ضحكه الأول، ثم قال: دعها له يا أبا دلامة، وأنا أعطيك خيراً منها، قال: على أن تخبأها

لي بين السماء والأرض وإلا فعل بها والله كما فعل بهذه، فتقدم إلى دلامة ألا يعاود مثل

فعله، وحلف أنه إن عاود قتله، ثم وهب له جارية.

قال عبد الله بن صالح رحمه الله جاء ابن أبي دلامة يوماً إلى أبيه وهو في محفل من جيرانه

وعشيرته فجلس بين يديه، ثم أقبل على الجماعة فقال لهم: إن شيخي كما تؤون قد كبر

سنه ورق جلده ودق عظمه، وبنا إلى حياته حاجة شديدة، فلا أزال أشير عليه بالشيء

يمسك رمقه ويبقى قوته فيخالفني فيه، وإني أسألكم أن تسألوه قضاء حاجة لي أذكرها

بحضرتكم فيها صلاح جسمه وبقاء حياته، فأسعفوني بمسألته معي. فقالوا: نفعل حباً

وكرامة، ثم أقبلوا على أبي دلامة بألسنتهم فتناولوه بالعتاب حتى رضي ابنه وهو ساكت،

قال: قولوا للخبيث فليقل ما يريد، فستعلمون أنه لم يأت إلا ببلية. فقالوا له: قل، فقال: إن

أبي إنما قتله كثرة الجماع، فتعاونوني حتى أخصيه، فلن يقطعه عن ذلك غير الخصاء فيكون

أصح لجسمه وأطول لعمره. فعجبوا بما أتى به وضحكوا. ثم قالوا لأبي دلامة: قد سمعت

فأجب. قال: قد سمعتم أنتم فعرفتكم أنه لم يأت بخير. قالوا: فما عندك في هذا؟ قال: قد

جعلت أمه حكماً فيما بيني وبينه، فقوموا بنا إليها. فقاموا بأجمعهم ودخلوا إليها، وقص

أبو دلامة القصة عليها وقال: قد حكمتك. فأقبلت على الجماعة فقالت: إن ابني هذا أبقاه

الله قد نصح أباه ولم يأل جهداً، وما أنا إلى بقاء أبيه أحوج مني إلى بقائه، وهذا أمر لم يقع به

تجربة منا ولا جرى بمثله عادة لنا، وما أشك في معرفته بذلك، فليبدأ بنفسه فليخصها،

فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أثر عليه أثراً محموداً استعمله أبوه. فضحك أبوه والقوم وانصرفوا

يعجبون من خبثهم جميعاً.