سلسلة أسوة في الخير حال الصالحين في رمضان (١٢) بقلم د. محمد بركات

87

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة

للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

كان الصالحون علي علم تام بقدر هذا الشهر المبارك ،فكان العبد

الصالح يستقبله بالتوبة النصوح، والعزيمة الصادقة على اغتنامه،

وعمارة أوقاته بالأعمال الصالحة، سائلين الله الإعانة على حسن عبادته.

ومن جملة ما عرفوه عن الشهر المبارك والذي تتأكد فيه الأعمال الصالحة :

{ الصوم } : قال صلى الله عليه وسلم : { كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة

ضعف. يقول عز وجل: “إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به”، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك } [أخرجه البخاري ومسلم]

، وقال: { من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه } [أخرجه البخاري ومسلم] ولا شك أن هذا الثواب الجزيل لا يكون لمن امتنع عن الطعام والشراب فقط.

، وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه } [أخرجه البخاري].

، وقال صلى الله عليه وسلم : { الصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل، فإن سابّه أحد فليقل إني امرؤ صائم } [أخرجه البخاري ومسلم].

فإذا صمت – يا عبد الله – فليصم سمعك وبصرك ولسانك وجميع جوارحك، ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء.

{القيام} : قال صلى الله عليه وسلم : { من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه } [أخرجه البخاري ومسلم].

قال الله تعالى: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً } وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (سورة الفرقان، الآية: 63، 64)

، وقد كان قيام الليل دأب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قالت عائشة رضي الله عنها: ( لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً ).

وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي من الليل ما شاء الله

حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، ثم يقول لهم الصلاة الصلاة.. ويتلو: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ

وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [سورة طه، الآية:132].

، وكان ابن عمر يقرأ هذه الآية: أَمَّنْ

هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [سورة الزمر، الآية :9].

قال: ذاك عثمان بن عفان رضي الله

عنه، قال ابن أبي حاتم: وإنما قال ابن عمر ذلك لكثرة صلاة أمير

المؤمنين عثمان بالليل وقراءته حتى أنه ربما قرأ القرآن في ركعة.

وعن علقمة بن قيس قال: ( بت مع

عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ليلة فقام أول الليل ثم قام يصلي، فكان يقرأ قراءة الإمام في مسجد حيه يرتل ولا يراجع، يسمع من

حوله ولا يرجع صوته، حتى لم يبق من الغلس إلا كما بين أذان المغرب إلى الانصراف منها ثم أوتر.

وفي حديث السائب بن زيد قال: ( كان القارئ يقرأ بالمئين – يعني بمئات الآيات – حتى كنا نعتمد على

العصي من طول القيام قال: وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر ).

والعاقل من المسلمين من يحرص

على أن يكمل التراويح مع الإمام حتى تكتب في القائمين، فقد قال صلى الله عليه وسلم :

{ من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة } [رواه أهل السنن].

( الصدقة) : كان رسول الله أجود

الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الريح

المرسلة.. وقد قال صلى الله عليه وسلم :

{ أفضل الصدقة صدقة في رمضان.. } [أخرجه الترمذي عن أنس].

وقد روى زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله

عنه يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك مال عندي، فقلت اليوم أسبق

أبا بكر إن سبقته يوماً، قال فجئت بنصف مالي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

{ ما أبقيت لأهلك } قال: فقلت مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال رسول الله صلى الله عليه

وسلم : { ما أبقيت لهم؟ } قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيءٍ أبداً.

وعن طلحة بن يحيى بن طلحة، قال: حدثتني جدتي سعدي بنت

عوف المرية، وكانت محل إزار طلحة بن عبيد الله قالت:

دخل علي طلحة ذات يوم وهو خائر النفس فقلت: مالي أراك كالح الوجه؟ وقلت: ما شأنك أرابك مني

شيء فأعينك؟ قال: لا؛ و لنعم حليلة المرء المسلم أنت. قلت: فما شأنك؟ قال: المال الذي عندي قد كثر وأكربني، قلت:

ما عليك، اقسمه، قالت: فقسمه حتى ما بقي منه درهم واحد، قال

طلحة بن يحيى: فسألت خازن طلحة كم كان المال؟ قال: أربعمائة ألف.

وتأتي الصدقة في صور كثيرة منها:

١ـ إطعام الطعام: قال الله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً .

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ

جَزَاء وَلَا شُكُوراً . إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً . فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً

وَسُرُوراً . وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [سورة الإنسان، الآيات :8-12]

، فقد كان الصالحون رضوان الله

عليهم يحرصون على إطعام الطعام ويقدمونه على كثير من العبادات. سواء كان ذلك بإشباع جائع أو

إطعام أخ صالح، فلا يشترط في المطعم الفقر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

{ يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام،

وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام } [رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني] وقد قال بعض السلف لأن أدعو عشرة

من أصحابي فأطعمهم طعاماً يشتهونه أحب إلى من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل.

وكان كثير منهم يؤثر بفطوره وهو

صائم منهم عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي ومالك بن

دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة.

وكان منهم من يطعم إخوانه

الطعام وهو صائم ويجلس بخدمهم ويروّحهم… منهم الحسن وابن المبارك.

قال أبو السوار العدوي:

( كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من

يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه ).

وعبادة إطعام الطعام، ينشأ عنها عبادات كثيرة منها:

التودد والتحبب إلى إخوانك الذين أطعمتهم فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة: { لن تدخلوا الجنة

حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا }. كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين واحتساب الأجر في

معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك.

٢ ـ إفطار الصائمين: قال صلى الله عليه وسلم : { من فطر صائماً كان

له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء } [أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني]

وفي حديث سلمان: { من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء }، قالوا: يا رسول الله

ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يعطي الله هذا الثواب

لمن فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء، ومن سقى صائماً

سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها، حتى يدخل الجنة }.

(يتبع إن شاء الله)

اللهم تقبل دعائنا وصيامنا وقيامنا

وركوعنا وسجودنا وسائر أعمالنا في هذا الشهر المبارك.