{سلسلة أسوة في الخير} حال الصالحين في رمضان (١٣)

88

{سلسلة أسوة في الخير}

حال الصالحين في رمضان (١٣)

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

 وكان من دأب الصالحين في رمضان وغيره كذلك (الاجتهاد في قراءة القرآن) : 

{أ} كثرة قراءة القرآن.

{ب} البكاء عند قراءته أو سماعه خشوعاً وإخباتاً لله تبارك وتعالى.

فكثرة قراءتهم للقرآن الكريم خلال شهر رمضان وهو شهر القرآن، ، فقد كان من حالهم رضوان الله عليهم العناية بكتاب الله.

، فكان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع.

، وبعضهم في كل عشر، فكانوا يقرءون القرآن في الصلاة وفي غيرها، فكان للشافعي في رمضان ستون ختمة، يقرؤها في غير الصلاة، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة.

، وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. 

وقال ابن رجب: إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان والأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً لفضيلة الزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم، كما سبق.

أما البكاء عند تلاوة القرآن: فلم يكن من هدي الصالحين هذّ القرآن هذّ الشعر أعني مجرد القراءة غير الواعية دون تدبر وفهم، وإنما كانوا يتأثرون بكلام الله عز وجل ويحركون به القلوب. 

ففي البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اقرأ علي }، فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! فقال: { إني أحب أن أسمعه من غيري } قال فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً [سورة النساء، الآية:41] قال: { حسبك }، فالتفت فإذا عيناه تذرفان.

، وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ [سورة النجم، الآيتان :60،59] فبكى أهل الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسهم بكى معهم فبكينا ببكائه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يلج النار من بكى من خشية الله } 

، وقد قرأ ابن عمر سورة المطففين حتى بلغ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة المطففين، الآية:6] فبكى حتى خر، وامتنع من قراءة ما بعدها. وعن مزاحم بن زفر قال: صلى بنا سفيان الثوري المغرب فقرأ حتى بلغ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة، الآية:5] بكى حتى انقطعت قراءته، ثم عاد فقرأ الحمد.

، وعن إبراهيم بن الأشعث قال: ( سمعت فضيلا يقول ذات ليلة وهو يقرأ سورة محمد، وهو يبكي ويردد هذه الآية: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [سورة محمد، الآية:31] وجعل يقول: ونبلو أخباركم، ويردد وتبلوا أخبارنا، إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا، إنك إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا، ويبكي ).

وكذلك كان من شأنهم وحالهم الجلوس في المسجد حتى تطلع الشمس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة – أي الفجر – جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس [أخرجه مسلم] 

، وأخرج الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة } [صححه الألباني]

نعم ..، هذا في كل الأيام وإن كان في رمضان الخير يتزايد ويكثر والثواب يتضاعف.

فمن له جهد وعبادة وإيمان وعلو الهمة لبلوغ الذروة من منازل الجنة حصل منها ما يكتبه الله له من كل خير .

اللهم تقبل دعائنا وصيامنا وقيامنا وركوعنا وسجودنا وسائر أعمالنا في هذا الشهر المبارك.