{سلسلة أسوة في الخير} حال الصالحين في رمضان (17)

37

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

وليس أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه المقربون منه من كانوا يلزمونه كظله في رحله وترحاله كيف كانت استفاداتهم بهذا الشهر المبارك.

فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: الصـلاة الصلاة.

وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه لما اجتمع عليه أؤلئك، وأرادوا قتله قالت امرأته: إن تقتلوه فإنه كان يحيي الليل كله في ركعة يجمع فيها القرآن.
، ولهذا قال حسان رضي الله عنه يمدح عثمان رضي الله عنه:

ضَحَّوْا بأشمطَ عنوانُ السجودِ

به يُقطِّع الليلَ تسبيحاً وقرآنا

يقول عبد الرحمن بن عثمان: قلت ليلة: لأغلبن على مقام إبراهيم – أي يريد أن يصلي الليل خلف المقام – يقول: فبكرت، وسبقت إليه، فقمت أصلي، فإذا برجل يضع يده على ظهري،

فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه في أيام خلافته كأنه ينحيه قليلاً، يقول: فتنحيت عنه، فقام فافتتح القرآن حتى فرغ منه، ثم ركع، وجلس، وتشهد، وسلم في ركعة واحدة لم يزد عليها، فلما انصرف قلت: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة قال: هي وتري، سبحان الله ختم القرآن خلف المقام في ركعة واحدة.

وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع ما جرى في وقته من الفتن، والمصائب العظام، والحروب بين المسلمين؛ دخل عليه رجل من أصحابه بعد هجعة الليل، وهو قائم يصلي، فقال: يا أمير المؤمنين: صوم بالنهار، وسهر بالليل، وتعب فيما بين ذلك، فلما فرغ علي  من صلاته قال: سفر الآخرة طويل يحتاج إلى قطعه بسير الليل.

وهذا ابن الزبير رضي الله عنه قد امتدت خلافته في المشرق، والمغرب، ولم تستعص عليه إلا الشام، وكان يكابد الحروب مع أهل الشام، وقد حاصر الحجاج الكعبة، وكان ابن الزبير متحصناً بالمسجد الحرام، وكان المنجنيق ربما أصاب ثوبه، وهو كالغصن يصلي لا يتحرك، ولربما مرت حجارة المنجنيق بجوار أذنيه، وهو قائم يصلي لا يتحرك، ولا يفزع، ولا يلتفت؛ لأنه مستغرق في صلاته كأنه غصن شجرة.

وهذا عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى ورضي عنه – في أيام خلافته تقول زوجته فاطمة: كان إذا صلى العشاء قعد في مسجده، ثم يرفع يديه فلم يزل يبكي حتى تغلبه عينه، ثم ينتبه، فلا يزال يدعو رافعاً يديه يبكي حتى تغلبه عينه، يفعل ذلك ليله أجمع، فما هي أشغالنا، وبم نحن مشغولون؟

فأين أشغالنا ومشاغلنا إلي جانب هؤلاء ؟

مع تجارتهم وخلافتهم ومشاغلهم في الحروب والأسفار ومع ذلك هم أحرص الناس علي الطاعة واستثمار رمضان.

وهذا علقمة بن قيس النخعي رضي الله عنه بات مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: فنام أول الليل، ثم قام يصلي حتى لم يبق من الغلس إلا كما بين أذان المغرب إلى الانصراف منها، ثم أوقف.

وأما أنس بن مالك رضي الله عنه فقد كان يصلي حتى تقطُر قدماه دماً من طول القيام، وهذا تميم الداري من علماء الصحابة  كان يصلي بالناس في زمن عمر، فكان يقرأ القرآن في ركعة إذا صلى لنفسه، ولربما بقي يردد آية واحدة حتى يصبح، وكان يردد ليلة قول الله : أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [سورة الجاثية، الآية:21] رددها ليلة كاملة.

وهذا سعيد بن جبير الذي قال فيه الإمام أحمد: قتله الحجاج، وليس على وجه الأرض أحد إلا هو محتاج إلى علمه، إنه عالم كبير بكتاب الله  وفقيه في الدين، قام يصلي ليلة في جوف الكعبة فقرأ القرآن في ركعة واحدة، وهذا مسروق الأجدع كان يصلي حتى تتورم قدماه، حتى إن امرأته كانت تبكي مما ترى من تعبه، ومعاناته.

وأما عروة بن الزبير رضي الله عنه، وهو من فقهاء المدينة فكان يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف في النهار، ثم يقوم به في الليل، لقد كان يقرأ بمعدل نصف القرآن في يومه، وليلته، وما تركه إلا ليلة واحدة حينما قطعت رجله في سفرته المعروفة حينما ذهب إلى الشام.

وهذا عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله كان ورده كل ليلة طوال السنة نصف القرآن، وهذا طلق بن حبيب كان إذا افتتح سورة البقرة في الصلاة لا يركع حتى يبلغ العنكبوت – أي أكثر من نصف القرآن – وكان يقول: أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صلبي.

وهذا منصور بن المعتمر رحمه الله يقول بعض جيرانه: هذا صبي صغير، أو صبية كانوا يرون منصور بن المعتمر يصلي على سطحه يظنونه في الليل خشبة، أو عموداً من طول قيامه، فلما مات فُقِدَ، فقال هذا الصبي، أو الصبية لأبيه: أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة؟ قال يا بنية: ذاك منصور كان يقوم الليل.

هؤلاء أسوة في الخير بأيهم اهتديتم..اقتديتم

اللهم تقبل دعائنا وصيامنا وركوعنا وسجودنا وسائر أعمالنا في هذا الشهر المبارك.