{سلسلة أسوة في الخير} حال الصالحين في رمضان (18)

12

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين

سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

نجد في همة الصالحين في رمضان العجب في حالهم مع القرآن الكريم.

فهذا عبد الرحمن بن مهدي كان ورده في كل ليلة نصف القرآن، وهذا

وكيع بن الجراح كان لا ينام حتى يقرأ جزأه من كل ليلة ثلث القرآن،

ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر.

وهذا شعبة بن الحجاج جبلٌ في حفظ السنة ما ركع قط إلا ظن الناظر إليه أنه نسي من طول الركوع، ولا قعد بين السجدتين إلا ظن الناظر إليه أنه نسي، ويقول بعض من رأى قيامه: كان يقوم يصلي حتى تتورم أقدامه.

وهذا سفيان الثوري يقول بعض من شاهده أمام الكعبة يصلي: رأيته ساجداً فطفت سبعة أسابيع قبل أن يرفع رأسه، طاف سبعة أسابيع أي أنه طاف سبعة أطواف في كل طواف سبعة أشواط، ولا زال سفيان الثوري على حاله في السجود!

ولما قدم إلى اليمن قدم على عبد الرزاق الصنعاني، يقول عبد الرزاق: فأتيته بسَكْباج – وهو اللحم الذي طهي بالخل – وبزبيب من زبيب الطائف فأكل، ثم قال: يا عبد الرزاق، أعْلِف الحمار، وكُدَّه، ثم قام يصلي حتى الصباح!.

يقول الله تعالى : ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [سورة التكاثر، الآية :8] هل قدمت في مقابل ذلك شكراً بجوارحك لله والله يقول: اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا [سورة سبأ، الآية:13]

وهذا سفيان الثوري – رحمه الله – جلس مع أصحابه مرة، فصار يسألهم رجـلاً رجلاً عن عملهم بالليل ماذا تعملون؟

فأخبروه جميعاً، ثم سكت، فقالوا له: يا أبا عبد الله أخبرناك، فأخبرنا كيف تصنع؟ فقال: لها عندي أول نومة تنام ما شاءت لا أمنعها، فإذا استيقظت فلا أقيلها والله، أي أنه ينام نومة فإذا استيقظ فلا يقيل نفسه، ولا يرجع إلى فراشه مرة ثانية.

وأما حال الإمام أحمد إمام أهل السنة، والجماعة فكان – كما وصفه ابنه عبد الله – لا يفتر من الصلاة بين العشاءين، فيصلي بين المغرب،

والعشاء، ويصلي بعد العشاء في ورده من صلاة الليل، وكان ساعة يصلي العشاء الآخرة ينام نومة خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يصلي،

ويدعو، ورآه المروثي مرة يقوم لورده قريباً من نصف الليل حتى يقارب السحر، قال: ورأيته يركع فيما بين المغرب، والعشاء،

وكان يقرأ في كل يوم سبع القرآن، وقد يقول بعضنا: قد رقت عظامي، ووهنت، وبلغت من الكبر عتياً، فأقول: حتى مع الشيخوخة، وتقدم العمر بالإنسان لم يكونوا يفرطون في طاعة الله – تبارك، وتعالى -.

وهذا الأحنف بن قيس بلغ سناً كبيرة، وضعف، وشاب فكان يصوم، وكان أهله، ومن حوله يقولون: إنك ضعيف، والصوم يضعفك!! فكان يقول: إني أُعده لسفر طويل، وكان عامة صلاة الأحنف بالليل، وكان يضع أصبعه على المصباح، ثم يقول: حس، ويقول: ما حملك يا أحنف على أن صنعت في يوم كذا كذا، وكذا؟.

ونحن إذا أراد الواحد منا أن يصوم قال له الأب، أو الأم: إنك ضعيف، والصوم يضعفك، فلا يزالون به حتى يترك ما أراد من التقرب إلى الله  مع أن صوم يوم في سبيل الله يباعد بين، وجهك، وبين النار سبعين خريفاً،د.

، وهذا مصداقاً لقول الله – تبارك، وتعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [سورة التغابن، الآية :14] فهي عداوة كما قال ابن القيم – رحمه الله -: الجالب لها الشفقة، والمحبة؛ إذا أراد الإنسان أن يصوم قالوا: الصوم يتعبك شفقة عليه، فيترك الصوم،

وإذا أراد أن يصلي الليل قالوا: هذا سهر يعقبه عناء، وعندك عمل، أو دراسة فيقعدونه، وإذا أراد أن يحج، أو يعتمر إن كان صغيراً قالوا: أمامك عمر طويل، وإذا كان كبيراً يقولون: أنت ضعيف، وإن كان قد حج، أو اعتمر يقولون: قد حججت، واعتمرت، وهكذا يقعدونه عن طاعة الله، ويثبطونه عنها، فلا يحصّل المراتب العالية عند الله فيفعلون به فعل عدوه الذي يقعده عن معالي الأمور، لكن فعلهم إنما كان الجالب له هو الشفقة، والمحبة.

إن صور التعبد هذه للصالحين ليست فقط في حال الإقامة بل حتى في الأسفار، ونحن لربما نسافر فيعجز الواحد منا عن أن يوتر بركعة واحدة.

فهذا ابن عباس صحبه ابن أبي مليكة من مكة إلى المدينة فكان يصلي ركعتين على الراحلة، فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفاً حرفاً، ويكثر في ذلك من النشيج، والنحيب، وكان بعضهم يقسم الليل على ثلاثة أقسام: قسم لمذاكرة العلم، وقسم ينام فيه، وقسم للصلاة، وكان عمرو بن دينار، وأبو عبيد القاسم بن سلام، والإمام الشافعي، وأبو هريرة، وجماعة من سلف هذه الأمة يفعلون ذلك.

وبعضهم كان يقسم الليل أثلاثاً لكن بطريقة أخرى، فكانوا يقسمونه على أهل الدار يقوم هذا، وينام الآخرون، ثم ينام هذا، ويقوم الآخر، ثم ينام هذا، ويقوم الثالث، وكان الحسن بن صالح مع أخيه، ومع أمه قد قسموا الليل أثلاثاً، فلما ماتت أمه قسموه على نصفين يصلي الحسن بن صالح شطراً، ويصلي أخوه الشطر الآخر، فلما مات عليٌّ كره الحسن بن صالح – رحمه الله – أن يقطع عادته من إحياء بيتهم بصلاة الليل فكان يصلي الليل جميعاً يقوم بورده، ويصلي الوقت الذي كان يصلي فيه أخوه، وأمه.

فالصالحون رحمهم الله – كانت تؤثر فيهم الكلمة، وابن عمر – رضي الله تعالى عنه – لما شاهد رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة يقعد لأصحابه، ثم يسألهم عن رؤيا رأوها فيخبرونه، ثم يؤوّل لهم ذلك، يقول: فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ﷺ وكان شاباً أعزبَ ينام في المسجد، يقول: فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني الذئب، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال: فلقيهما ملَك فقال لي: لم تُرَعْ، يقول: فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل يقول سالم بن عبد الله بن عمر : “فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً[أخرجه البخاري في أبواب التهجد – باب: فضل قيام الليل (1070) (ج 1 / ص 378)، ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة  باب: من فضائل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- (2479) (ج 4 / ص 1927)]

إنها كلمة واحدة سمعها: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فكان لا ينام من الليل إلا قليلاً، حتى كان يصلي، ثم إذا قارب الفجر يقول لمولاه نافع: أسْحَرْنا؟ أي أدخلنا في السحر؟ فيقول: لا، فيعاود الصلاة، ثم يقول ذلك ثانية، وثالثة، ويقعد يستغفر، ويدعو حتى يصبح، وكان له محراب يقوم فيه، ويصلي – رضي الله عنه -.

هكذا كانت ليالهم، فلم تكن الليالي مشغولة أمام غرف المحادثات بجميع أنواعها في الإنترنت، ولم تكن لياليهم مشغولة أما الفوازير، والمسلسلات، والتمثيليات، والشقراوات اللاتي يستعرضن الفتنة أمام الصغير، والكبير، ولم تكن لياليهم تُقضى في القيل، والقال، ولعب الورق، والغيبة، والنميمة، والتجول في الأسواق.

اللهم تقبل دعائنا وصيامنا وركوعنا وسجودنا وسائر أعمالنا في هذا الشهر المبارك.