سلسلة أسوة في الخير حال الصالحين في رمضان 19

15
بقلم د/ محمد بركات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
ونجد كذلك من حال الصالحين مع الصلاة
و القرآن كانت لياليهم معمورة بالصلاة ، وقراءة
القرآن وشأنهم في ذلك عجب في شهر رمضان المبارك ، وفي غير رمضان أيضا.
، فقد كان الأسود النخعي يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب، والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليالٍ.
، وأما قتادة السدوسي فكان يختم في كل سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاءت العشر ختم في كل ليلة، وأما الشافعي فكان يختم في رمضان في كل شهر ستين ختمة، وفي غير رمضان في كل شهر ثلاثين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة.
، وأما البخاري صاحب الصحيح فكان يختم في النهار في كل يوم ختمة، ويصلي التراويح، ويقوم بعد التراويح بنفسه يختم في كل ثلاث في الصلاة بختمة.
؛ هؤلاء علماء، وهكذا كان ختمهم، وأما سعيد بن جبير فكان يختم في كل ليلتين، وعروة بن الزبير قد مضى خبره حيث كان يقرأ في المصحف نظراً ربعَ القرآن، ويقوم به في الليل في سائر أيام السنة، ولربما فات الواحد منهم، ورده فظل يبكي يومه حسرة على ما فاته من هذا الورد
؛ وكما فعل كرز بن وبرة دخل عليه بعض أصحابه، وهو يبكي فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: إن بابي لمغلق، وإن ستري لمسبل، مُنعت حزبي أن أقرأه البارحة، وما هو إلا من ذنب أحدثته، ولذلك انظر حالهم وتأمل نفسك كم أنت مقصر في ذلك؟.
قال الإمام أحمد – رحمه الله -: “من واظب على ترك الوتر فهو رجل سوء، ترد شهادته، وتسقط عدالته” وهذا الإمام مالك إمام دار الهجرة، وعالم كبير، لم يشغله التلاميذ عن صلاة الليل، وقراءة القرآن، وقد سئلت أخته: ماذا كان شغله في البيت؟ فقالت: المصحف، والتلاوة، ليس في رمضان فقط، بل سائر أيام السنة.
وأما حالهم مع صلاة التراويح والقيام فكانوا إذا صلوا جماعة فقد صور لنا ذلك أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: “لقد كنت أقرأ بهم ربع القرآن في كل ليلة، فإذا أصبحت قال بعضهم: لقد خففت بنا الليلة”.
وكان أبو رجاء العطاردي يختم بهم في رمضان في كل عشرة أيام ختمة، يعني أنه في الشهر يختم بهم في التراويح ثلاث ختمات، ونحن في الشهر لربما يخاف الإمام أن يزيد عن نصف وجه في الركعة الواحدة، وإذا سلم يترقب عله يزجر من هذا، أو ذاك؛ لأنه لربما قد أطال عليهم في هذه القراءة التي هي نصف صفحة.
أما في الصلاة المكتوبة التي نحضرها في أطراف الصفوف، ولربما كان غاية همِّ الواحد منا أن يدرك التشهد، أو أن يدرك ركعة، ولربما فرح الواحد إذا كان يصلي الفجر قبل طلوع الشمس إذ إن كثيراً من المسلمين لا يصلون الفجر إلا بعد طلوع الشمس حينما يذهب إلى عمله!
، ومن العجائب، والغرائب في رمضان أن الإمام إذا كان قد اعتاد أن يقرأ سورة السجدة، وسورة الدهر يوم الجمعة، وصلى بعض من لا عهد له بصلاة الفجر لربما قامت قيامتهم من هذا التطويل، مع أنه يقرأ طوال السنة بهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة.
وانظر كيف كانت محافظة الصالحين على الصلاة المكتوبة؟
لما طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأغمي عليه دخل المسور بن مخرمة – رحمه الله – وسأل عنه!! فقالوا: كما ترى، فقال: أيقظوه للصلاة، فكانوا يحركونه، ويكلمونه فلا يرد عليهم لكثرة ما نزف من الدماء، فماذا قال له المسور بن مخرمة؟ قال له: يا أمير المؤمنين، الصلاة، ففزع عمر، وأفاق، وقال: هاالله إذن، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى، وإنَّ جرحه ليَثْعَب دماً، فلم يستطيعوا أن يوقظوه، وأن ينبهوه إلا بالصلاة لشدة حرصه عليها.
وهذا عدي بن حاتم رضي الله عنه يقول: ما جاء وقت صلاة قط إلا، وقد أخذت لها أهبتها، وما جاءت إلا وأنا إليها بالأشواق.
، وكان يقول: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، أي ما دخل وقت الصلاة إلا وهو متوضئ، وما أقيمت إلا وهو مشتاق إليها، وقد تأهب لها، وهو بالمسجد.
وهذا سعيد بن المسيب – رحمه الله – كان يقول: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد، وبعض المؤذنين لربما يؤذن، ثم يخرج ليستنفع، أو يقضي بعض أشغاله – بزعمه – ثم يرجع؛ لأنه يستثقل هذا الوقت أن يقضيه في المسجد، ولربما الواحد منا إذا غلط في يوم فدخل المسجد، وهو يظن أنه قد أذَّن، ثم فوجئ أنه لم يؤذن أكلته الحسرة، والندامة على هذا الخطأ، وبدأ يفكر كيف يستدرك هذه الغلطة هل يخرج أم لا؟
ويقول ابن المسيب: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد، فكم مرة أذَّن المؤذن، وأنت في المسجد في عمرك جميعاً؟
وكان سعيد بن المسيب يقول أيضاً: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة – أي أنه كان يصلي في الصف الأول – فهل مرَّ علينا يومٌ واحد، ونحن ندرك التكبيرة الأولى مع الإمام في الفروض الخمسة؟ وهل حاولنا أن نربي أنفسنا على ذلك؟
وتجد الكثير منا تفوته الصلوات عن عمد وتهاون وتقصير .. نسأل الله العفو والعافية.
فهذا عامر بن عبد الله بن الزبير سمع المؤذن يؤذن لصلاة المغرب، وهو في مرض الموت فقال: خذوا بيدي، فقالوا: إنك عليل، فقال: أسمع داعي الله فلا أجيب؟! فأخذوا بيده فدخل مع الإمام لصلاة المغرب فركع الركعة الأولى، ثم سقط فمات، نعم مات، وهو يصلي!!.
وهذا أبو سليمان الداراني يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللذات في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
وهذا محمد بن المنكدر يقول: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث، ما هي؟ أهي مشاهدة القنوات أم مجالس الغيبة، والنميمة، والاستراحات، وقضاء الليل فيها بلا طائل؟
و كما يقول ابن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان – يعني الَّذين يذكرونه بالله – والصلاة في الجماعة.
ويقول مسروق: ما بقي شيء يُرغب فيه إلا أن نعفر، وجوهنا في التراب، وما آسى على شيء – يعني ما أتأسف على شيء – إلا السجود لله تعالى.
وكان الواحد منهم عند موته يبكي ليس أسفاً على هذا الحطام الدنيوي الذي سيفارقه، وإنما يبكي أسفاً، وحزناً على فراق صلاة الليل، وصيام النهار.
فقد احتُضِر عامر بن عبد القيس فبكى فقيل له: أتجزع من الموت؟ فقال: وما لي لا أبكي، ومن أحق بذلك مني؟
والله ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على دنياكم رغبة فيها، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، يعني الصيام، والهاجرة هي العطش في شدة الحر في منتصف النهار، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومعلوم أن ليل الشتاء طويل، فهو كان يتأسف على فراق هذه الأمور، ويحزن، ويبكي عند موته.
ولما احتضر عبد الرحمن بن الأسود النخعي بكى كذلك فلما سئل؟ قال: أسفاً على الصلاة، والصوم، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات، بل كان ثابت البناني – رحمه الله – يدعو ربه، ويقول: اللهم إن كنت أعطيت أحداً الصلاة في قبره فأعطني الصلاة في قبري!.
فما كانوا يتضجرون من الصلاة، ولا يتثاقلون عنها؛ لأنهم روضوا أنفسهم على ذلك؛ وجاهدوها في أول الأمر حتى استقامت لهم، ولهذا يقول ثابت البناني نفسه: كابدت الصلاة عشرين سنة – أي بالمجاهدة – وتنعمت بها عشرين سنة.
وكان محمد بن المنكدر من أئمة التابعين، كان يقول واصفاً حاله بالليل: “إني لأدخل في الليل فيُهْوِلُني فينقضي فأصبح حين أصبح، وما قضيت منه إربي” أي لا أشبع إذا دخل الليل حيث أبدأ بالصلاة فيتقطع الليل – يتصرم، ويمضي – ولم تشبع نهمته من الصلاة، كأنه مرَّ بلحظات، واللحظات السعيدة جداً عند الإنسان تمضي سريعاً؛ أما ترون يوم العيد كأنه أقصر من غيره من الأيام؟ أما ترون أيام الأحزان كم هي طويلة؟ فاللحظات السارة تكون أسرع في نظر الإنسان، لا يشعر بالوقت، وهو يمضي؛ فإذا جلس الإنسان في مجلس يأنس فيه انقضى عليه الزمان، وهو لم يشعر به، فهذا يدخل في الليل يصلي يقول: فينقضي انقضاءً سريعاً، ولم يشبع من هذه الصلاة.
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.