سلسلة أسوة في الخير} حال الصالحين في رمضان (20)

9

{سلسلة أسوة في الخير}

حال الصالحين في رمضان (20)

بقلم د/ محمد بركات

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

 

وتجد الصالحين حال عجيبة مع الحج

فبعضهم حج أربعين حجة كسعيد بن المسيب، وكان ابن عباس رضي الله عنه على عبادته، وتشميره في طاعة الله يقول: “ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشياً”.

 

ولقد حج الحسن بن علي خمساً، وعشرين حجة ماشياً؛ وإن النجائب لتقاد معه، وأما طاوس بن كيسان فقد حج أيضاً أربعين حجة، وحج عطاء أكثر من سبعين حجة.

 

وكان ابن وهب قد قسم دهره أثلاثاً، فجعل ثلثاً في الرباط في سبيل الله في الجهاد، وجعل الثلث الآخر في تعليم الناس العلم، وجعل الثلث الثالث في الحج، وكان قد حج ستاً، وثلاثين حجة.

 

وأما مكي بن إبراهيم الحنظلي فقد حج خمسين حجة، وحج أيوب السختياني – رحمه الله – أربعين حجة، وحج سفيان بن عيينة ثمانين حجة، يقول: شهدت ثمانين موقفاً – يعني عرفة – والواحد منا إذا حج حجة، أو حجتين تكاثر ذلك، وتكاثر مَن حوله ذلك منه، وربما يردد عبارات نسمعها لتثبيط أنفسنا، وتثبيط غيرنا عن هذه العبادة، وهذا عيسى بن يونس غزا خمساً، وأربعين غزوة، وحج خمساً، وأربعين حجة، وهذا عمارة بن زادان حج سبعاً، وخمسين حجة، وحج أبو عمرو العدني سبعاً، وسبعين حجة، فكم حجة حججتها أنت؟

 

وكان الصالحون أكثر الناس خوفاً من الله تعالى:

مع كثرة أعمالهم الذي عملوه .

كانوا في غاية الخوف من الله – تبارك، وتعالى – فكان الواحد إذا تبع الجنازة بكى، حتى إن ثابت البناني يصور حالهم عند الجنائز يقول: “كنا نتبع الجنازة فما نرى إلا متقنعاً باكياً – يغطي، وجهه يبكي – أو متقنعاً متفكراً”

 

وكان الأعمش يقول: “إنْ كنا لنشهد الجنازة فلا ندري مَن نعزي مِن حزْن القوم”.

 

واليوم تجد العجب من الناس منهم من يدخن في المقبرة، والبعض ربما يتحدث عن العقارات، ويقول بعض الطرائف، والنكت، ولا يرى الموت واعظاً.

 

وكان يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه إذا حضر جنازة لم يتعشَّ تلك الليلة؛ ولا يقدر أحد أن يكلمه لما فيه من الحزن، بل كان سفيان الثوري – رحمه الله – إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أياماً، وكان إذا ذُكر عنده الموت يكون في غاية الوجل؛ وإذا سئل عن شيء يقول: لا أدري لا أدري.

 

ولما أراد عبد الله بن رواحة رضي الله عنه الخروج إلى مؤتة من أرض الشام، وجاءه أصحابه يودعونه فبكى فقيل له: ما يبكيك..الخوف، والجزع؟

 

قال: أما والله ما بي حب الدنيا، ولا صبابة لكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [سورة مريم، الآية:71] فقد علمت أني وارد النار، ولا أدري كيف الصدور بعد الورود؛ فلاحظْ – أخي الكريم – هذا الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ وهو أحد القادة الثلاثة حيث خرج غازياً في سبيل الله، وعقد لهم هذا اللواءَ أشرفُ من وطِئ على الأرض رسول الله ﷺ ومع ذلك يبكي يقول: لا أدري إذا وردت النار هل أخرج منها، أو لا أخرج، يقول ذلك، وهو في موقف عظيم، في خروج للغزو في سبيل الله !.

 

وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا قرأ قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [سورة الحديد، الآية:16] يبكي، ويغلبه البكاء، وكان لربما شرب ماءً بارداً فبكى، واشتد بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟

 

فقال: ذكرت آية في كتاب الله : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سورة سبأ، الآية:54] فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئاً كما يشتهون الماء البارد، وقد ذكر الله قولهم: أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ [سورة الأعراف، الآية:50] فلاحظ كيف كانوا يتفطنون إلى معانٍ لا نتفطن لها نحن!

 

وكان إذا قرأ آيتين من سورة البقرة بكى وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهٌُ [سورة البقرة، الآية:284] ويقول: إن هذا الإحصاء شديد، وكان في وجنتي ابن عباس رضي الله عنه موضع كالشراك البالي فيه خطان أسودان من كثرة البكاء.

 

وبكى عبد الله بن رواحة ليلة فبكت امرأته معه، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك بكيتَ فبكيتُ، فقال: إني أنبئت أني وارد – يعني النار – ولم أنبأ أني صادر.

 

ويقول بعض من رأى الحسن البصري – رحمه الله -: ما رأيت أحداً أطول حزناً منه، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، وكان الحسن يقول: “إن المؤمن يصبح حزيناً، ويمسي حزيناً، ولا يسعه غير ذلك؛ لأنه بين مخافتين، بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك”.

 

ويقول إبراهيم التيمي – رحمه الله -: “ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار؛ لأن أهل الجنة قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [سورة فاطر، الآية:34] وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف ألا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [سورة الطور،الاية :26].

 

ويقول الحسن:” يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيامة بين يدي الله تعالى مشهده أن يطول حزنه”.

 

بل كان بعضهم إذا وجد من قلبه قسوة لا يحتاج أن يتكلف دواءً، وإنما يقول:” كنت أنظر إلى وجه محمد بن واسع نظرة، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبت أنه وجه ثكلى؛ من كثرة البكاء، والحزن.

 

فهم لم يكونوا سادرين في لهوهم، وغيهم، وغفلتهم، ولم يكن الواحد منهم يضحك ملء فيه، ويعيش في فكاهة دائمة.

 

وكان علي بن الحسين زين العابدين إذا قام إلى الصلاة ارتعد، وإذا توضأ اصفر لونه، فسئل عن هذا، فقال: أتدرون بين يدي من أقوم، ومن أناجي؟!

 

لقد كان الصالحون..نعم بهذه المثابة من الخوف مع كثرة عبادتهم؛ ومع ذلك كانوا في غاية الإخلاص، وإخفاء العمل، والخوف ألا يقبل الله منهم في شائبة شابت هذه الأعمال.

 

وكان أبو وائل شقيق بن سلمة – رحمه الله – إذا صلى في بيته نشج نشيجاً لو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله؛ وما كان يتكلم، أو إذا صلى بالناس فيتعمد التباكي أمام الناس، فهذا أمر لا يسوغ، بل ينبغي للإنسان أن يخفي بكاءه، ويخفي عبرته، ولقد كان سفيان الثوري – رحمه الله – إذا غلبه البكاء في مجلس وضع المنديل على وجهه، أو على أنفه، وقال: ما أشد الزكام، ثم يقوم؛ لئلا يراه الناس، وهو يبكي، ولذلك يقول أيوب السختياني: “ما صدق عبد ربه إلا سره أن لا يُشْعَر بمكانه”.

 

فشدوا من أزركم وجهدكم فيما بقي من أيام هذا الشهر المبارك.