شمشـــون وهــرقــل وأدب التراث بقلم الأديب المصــــرى د. طــارق رضـــــوان جمعـــه

32٬644

تتـــكرر الأحداث والمشــاهد مع تغيير الشخصيات وقد تظل الأماكن هى نفس أماكن

الحدث الأسبق.وهذا أن دل فإنما يدل على وجود رب قدير ينظم الكون وفقاً لمشيئته.

إن قصة شمشون، وهو واحد من أشهر الشخصيات الأسطورية في العهد القديم، هي

عبارة عن نسخ شبه كامل عن أسطورة هرقل الإغريقية: شمشون، آخر قضاة بني

إسرائيل القدامى، كان نصرانياً وُهب قوة هائلة لدرجة لم يكن بالمقدور قص شعره بأي

وسيلة. من بين الأفعال الخارقة للطبيعة التي كان شمشون يقوم بها، والتي تم ذكرها

في الكتاب المقدس، هي قتله لأسد بيديه العاريتين، وهزم ”الفلستينيين“ —شعوب

قديمة ذكرت في العهد القديم— وجيوشهم باستعمال عظم فك حمار فقط لمفرده،

وكذا انهيار معبد (داغون) عليه. تملك هذه الشخصية تشابها يستحق الذكر مع

شخصيات نضبت بها الفلكلورات الشعبية لبعض الحضارات السابقة للكتاب المقدس،

بما في ذلك شخصية (إنيكدو) السومرية وشخصية هرقل اليونانية القديمة.

وكان هرقل، تماما مثل شمشون، قد قتل أسداً بيديه العاريتين، وكان كلا الشخصيتان قد

حطم بوابات مدينة بنفسيهما، وتعرض كلاهما للخيانة من طرف نساء غير جديرات

بالثقة، واللواتي كن في نهاية المطاف سبب هلاكهما.

قصة يونس التي وردت في الإنجيل هي بالكاد إعادة سرد لقصة ميثولوجية موجودة

منذ القدم، وتم تداولها في عدة حضارات حول العالم: يتعلق الأمر هنا بشخصية يونس

في ”سفر يونس“ في العهد القديم، والذي عاقبه الله جزاء على تحديه له، فابتلعته

سمكة عملاقة حتى إعترف بخطيئته ووافق على أداء المهمة التي أوكلها الله إليه، وهنا

لفظته السمكة حيا من جديد.

ظهرت هذه القصة في ميثولوجيا حضارات قديمة عديدة سبقت الكتاب

المقدس.ويمكن العثور على أوجه الشبه بين قصة يونس في الكتاب المقدس وما

سبقه من ديانات على وجه الخصوص في الأسطورة الهندوسية (ساكتيديفا)، الذي كان يتمنى الزواج من أميرة (فاردامانابورا)، وسافر في رحلة بحرية لإكتشاف المدينة الذهبية من أجل الظفر بيدها. خلال هذه المغامرة، تبتلع سمكة عملاقة (ساكتيديفا) قبل أن يتم تحريره في نهاية المطاف سالماً معافى.

يُبتلع البطل الفنلندي (إيلمارينان) من طرف سمكة كبيرة هو الآخر حتى يولد من جديد أيضاً، وهرقل، الذي يقتبس الكتاب المقدس منه مرة أخرى، يتم ابتلاعه أثناء معركته مع وحش البحر المزعوم قبل أن يتمكن من هزيمته وشقّه من الداخل، ومما يقترح أن الإنجيل قد تأثر بشكل أكبر بنسخة هرقل عن القصة هو أن هذا الأخير قد ابتُلع بالقرب من ميناء ”يافا“، وهي منطلق رحلة يونس في رواية الكتاب المقدس.

كما إستعار الكتاب المقدس قصص وجود الملائكة والشياطين، والصراع الأبدي بين الخير والشر من أنظمة معتقداتية سابقة:

يعتبر الكتاب المقدس –بعهديه القديم والجديد– مثالا ممتازاً للأدب القديم، حيث يمتد تاريخه من منتصف الألف الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول ، فإن قسماً كبيراً جداً من الكتاب المقدس، وكذا لحظات مهمة جداً في قصصه، في العهد القديم والعهد الجديد، هي في الواقع مشتقة من تقاليد قديمة جدا، أقدم من التوراة والإنجيل، بما فيها الديانة الزرادشتية، والبوذية، والمعتقدات السائدة في بلاد ما بين النهرين القديمة.

معجزات المسيح، والتي هي عبارة عن أفعال خارقة للطبيعة أثبتت ألوهيته كما منحت في نفس الوقت أمثلة عن تعاطفه وتسامحه، الخصلتان اللتان شكلتا قلب تعاليمه الدينية التي ظل يرددها أتباعه وحوارييه من بعده.

تتنوع هذه المعجزات من شفاء بعض الأمراض والعلل العويصة على شاكلة العمى، والجذام، والشلل، كما ورد في ثلاثة أناجيل أنه على الأقل في مناسبة واحدة كان اليسوع مسؤولاً عن إحياء الموتى.

بالنظر إليها من منظور ثقافي، نجد أن المعجزات كانت ظواهر خارقة للطبيعة انتشر الإيمان بها بشكل واسع قبل ألفي سنة، والتي ظهرت بشكل متكرر في الميثولوجيا الإغريقية واليهودية، وهما اللتان كُتب الإنجيل مناهضاً لهما.

يملك البطل الميثولوجي الإغريقي (أسيلبيوس) تشابها كبيراً فيما يتعلق بمعجزات شفاء الأمراض التي قيل أن يسوعاً كان يقوم بها، ويعتقد أن هذه الشخصية الإغريقية كانت تتمثل في معالج وشافٍ أسطوري ارتقى لمرتبة الألوهية بفضل أعماله الخيّرة. كان (أسيلبيوس) قادراً على علاج أي مرض وفقا للميثولوجيا الإغريقية، وكان حتى قادراً على إعادة الحياة للموتى، وقدرته الأخيرة هذه هي ما دفع (زيوس) أن يجعل منه شهيدا في نهاية المطاف من أجل الحيلولة دون تملص البشر من الموت بشكل دائم.

يحمل السرد المسيحي عن يوم القيامة تشابها وموازاة كبيرة مع ما ورد في الديانة الزرادشتية الأقدم عن يوم (فراشوكيريتي):

ظهر في سفر رؤيا يوحنّا، وهو آخر كتب العهد الجديد، أن العودة الثانية للمسيح سترمز لنهاية العالم. توقع هذا الكتاب خراب ودمار الأرض وظهور الله ليحاسب الناس على أعمالهم، غير أن هذا التصور عن نهاية محتملة للعالم كما نعرفه لا يجد أصله ولا جذوره في الكتاب المقدس، بدل ذلك، تملك معظم ديانات العالم، حتى الديانات التي سبقت الديانات المسيحية واليهودية، قصصاً مفصّلة عن هذه الحكاية التي يبدو أن الكتاب المقدس استلهم الكثير منها.

من أبرز هذه الديانات التي جاءت على ذكر نهاية العالم ويوم القيامة تماما تقريباً مثلما أبرزه الإنجيل نجد الديانة الزرادشتية، التي تعتبر من أقدم الديانات التي سجلها التاريخ، والتي يتضمن الإنجيل قصصا مشابهة لما ورد فيها عن يوم الحساب والهلاك.

يعود تاريخ الديانة الزرادشتية إلى الألف الثاني قبل الحقبة العامة، وقد أصبح الإيمان بالآخرة والماورائيات مكونا كاملاً ورئيسيا لهذه الديانة على الأقل لخمسة قرون قبل ميلاد المسيح وظهور إنجيل يوحنا.

توقعت الزرادشتية أن يخفت ضوء الشمس، وأن تصبح الأيام أقصر، وأن تصبح الأرض قاحلة جرداء، وأن تندلع معركة عظيمة بين الأخيار والأشرار والتي يتبعها الـ(فراشوكيريتي)، الحدث الذي يميزه وصول الـ(ساوشيانت)، وهو المخلص الأخير للإنسان، ثم سيقوم الأموات من قبورهم وتتم مكافأة من عمل بتعاليم الديانة بأن يخلد في النعيم حيث لا يتعين عليه القلق حيال شيء ولا يصيبه خوف إلى الأبد.

إن الوصايا العشر، التي أتى بها النبي موسى من جبل سيناء، هي في الواقع مجموعة من المبادئ الدينية التي تشكل الأساسيات الأخلاقية للتقاليد اليهودية – المسيحية. غير أنه على الرغم من مركزيتها بالنسبة لكل من الديانة المسيحية واليهودية، فإن الوصايا العشر في واقع الأمر ليست أصلية بالنسبة لأي منهما.

يعود تاريخ الوصايا العشر إلى زمن أسبق من زمن النبي موسى الذي يفترض أنه عاش في سنة 1490 قبل الميلاد، حيث يحمل الكتاب المصري القديم بعنوان «كتاب الموتى»، الذي يعود تاريخه إلى سنة 2600 قبل الميلاد، تشابهاً كبيراً في بعض أقسامه مع الوصايا العشر، فبينما ورد في ”سفر الخروج“ في الآية 20:7 ما يلي: «لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً»، فإن «كتاب الموتى» أورد: ”لم أجدّف“.

تتضمن بعض التشابهات الكبيرة بين العهد القديم والكتاب المصري الأقدم الذي ورد فيه: ”أنا لم أقترف خطيئة الزنا“، و”أنا لم أسرق“، التي يقابلها في ”سفر الخروج“ الآية 20:14: «لا تزنِ»، وفي ”سفر الخروج“ أيضاً في الآية 20: 15 «لا تسرق».

كما أن الوصايا العشر كانت قد استُلهمت كذلك من قانون حامورابي الذي يعود تاريخه لسنة 1772 قبل الميلاد، والذي تم نقشه على لوح صخري بنفس الطريقة التي تم بها نقش الوصايا العشر وفقاً لرواية العهد القديم.

إن الإيمان بالثالوث هو بدون شك مكون حيوي جدا في الدين المسيحي، حيث يتكون هذا الثالوث من الأب والإبن والروح القدس، ويملي بأن الله يتمثل في ثلاثة ذوات متمايزين وكلهم إله. من بين الأناجيل التي أبرزت بشكل أخص هذا التصور إنجيل يوحنا الذي ورد فيه: «فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِد».

بالنظر إلى معتقدات ديانات أقدم، نجد أن الكثير من التصورات والمفاهيم اللاهوتية البشرية تتضمن الثالوث، كمثال آخر نتناول الديانة المصرية القديمة، التي يتكون الثالوث الإلهي فيها من (آمون)، و(رع)، و(بتاح)، وفي ديانة بلاد ما بين النهرين نجد الثالوث يتكون من (عشتار)، و(بعل)، و(تموز)، وفي الديانة السومرية القديمة نجد (آنو)، و(إينيل)، و(إيا)، بينما كانت الديانات الوثنية الأخرى تحتفظ بمكانة مميزة لثلاثة من أبرز آلهتها فوق جميع الآلهة الأخرى.

وفقا لأسطورة الخلق في الديانة الزرادشتية، كان (أهورا مازدا) يسكن في النور في الأعلى بينما كان (آنغرا ماينيو) يقطن الظلام في الأسفل. خلق (أهورا مازدا) سبعة مخلوقات سماوية لدعمه ومساعدته على أداء أعمال الخير خاصته، كما خلق كذلك ما يعرف بـ(آميشا سبينتاس) إلى جانب عدد غير محصور من الـ(يازدا) من أجل أن يؤدوا وظيفة الملائكة الأقل شأناً.

وراح يملأ الفضاء بين النور والظلام بالكمال، فكان رد (أنغرا ماينيو) أن خلق عدد مساوياً من الأضداد الموالية للشر، فحشرت البشرية على إثر ذلك في عالم انقسم بين نصفين: الليل والنهار، والخير والشر، فجعل هذا الخلق المتناقض من العالم مكانا لا يعرف الكمال حيث يتعين على الخير محاربة الشر دائماً.

ميلاد عيسى المسيح من أم عذراء له جذور قديمة سابقة للديانة المسيحية، وهو ما كان أمرا متداولاً بين العديد من التقاليد الدينية لحضارات سابقة: بتفحص هذا العنصر المسيحي نجد أن أصوله لا تنتمي للدين المسيحي ذاته بل هو متأثر بشكل كبير بما كان متعارفاً عليه دينيا في تلك الأزمنة، فقد كان ”الميلاد المعجزة“ معلما شائعاً في قصص أبطال الميثولوجيا التي تضرب جذورها في الماضي السحيق.

بينما تتضمن الكثير من هذه القصص المعاشرة الحرفية بين الذوات الإلهية والبشر، فإن الباحث في الكتاب المقدس (دايفيد ليتوا) يجادل بأن إنجيل متّى وإنجيل لوقا ارتأيا عمدا تجنب التشبه بالقصص الوثنية، غير أن الميلاد لأم عذراء يبقى متوطناً في هذا النوع من السرد الديني.

استعار الكتاب المقدس كذلك بقوة من قصة ميلاد النبي زرادشت، الذي ولد وفقا للديانة الزرادشتية لامرأة عذراء اسمها (دوغودوفا) والتي حملت بعد أن ضربها شعاع ضوء أرسله الإله (أهورا مازدا)

بالنظر إلى عدة ديانات سابقة انتشرت في العالم، نجد أن حتى الديانات الإغريقية القديمة، التي أدرجت بشكل أكثر صراحة التزاوج الصريح مثلما نعرفه بين الآلهة والبشر، تتضمن قصصاً أسطورية عن إنجاب النساء العذروات لأبناء.