الفن و السوشيال ميديا

صلاح جاهين فيلسوف الفقراء و شاعر الثورة والبُسطاء في ذكري ميلاه

كتبت صفاء مصطفي الكنانة نيوز

حدث في مثل هذا اليوم  ميلاد المبدع الراحل صلاح جاهين،فيلسوف الفقراء، شاعر الثورة والبُسطاء، وغيرها من الألقاب التي وصفت أحد المبدعين في الشعر والفن والأدب، إنه الشاعر ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين، الذي خلد اسمه في التاريخ المصري بأعماله التي نتذكرها حتى يومنا هذا فتعالو نتعرف عليه:-

ولد صلاح جاهين في 25 ديسمبر 1930، في شارع جميل باشا في شبرا في القاهرة. عمل والده المستشار بهجت أحمد حلمي في السلك القضائي، حيث بدأ كوكيل نيابة وانتهى كرئيس محكمة استئناف المنصورة. درس الفنون الجميلة ولكنه لم يكملها حيث درس الحقوق.

صلاح جاهين فيلسوف الفقراء و شاعر الثورة والبُسطاء في ذكري ميلاه

تزوج صلاح جاهين مرتين، زوجته الأولى «سوسن محمد زكي» الرسامة بمؤسسة الهلال عام 1955، وأنجب منها أمينة جاهين وإبنه الشاعر بهاء، ثم تزوج من الفنانة «منى جان قطان» عام 1967، وأنجب منها أصغر أبنائه سامية جاهين عضو فرقة إسكندريلا الموسيقية.

فيلسوف الفقراء، شاعر الثورة والبُسطاء، وغيرها من الألقاب التي وصفت أحد المبدعين في الشعر والفن والأدب، إنه الشاعر ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين، الذي خلد اسمه في التاريخ المصري بأعماله التي نتذكرها حتى يومنا هذا، إذ تحل اليوم ذكرى وفاته، لنسرد بعض التفاصيل عن الراحل، ونكشف عن حقيقة إصابته باكتئاب تسبب في وفاته، وفقا لما ذكرته ابنته سامية خلال حديثها مع «الوطن».

صلاح جاهين فيلسوف الفقراء و شاعر الثورة والبُسطاء في ذكري ميلاه

من هو صلاح جاهين؟

في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1930 في شارع جميل في شبرا مصر، وُلد «فيلسوف البُسطاء» محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمي، وهو الاسم الحقيقي للشاعر صلاح جاهين، لأب يعمل رئيس محكمة استئناف في المنصورة، بعدما كان يشغل أحد المناصب ضمن السلك القضائي، وقد كانت عائلته كثيرة التنقل من مدينة لأخرى لمدة 12 عاما.

درس جاهين الفنون الجميلة، وكان لعمل والده تأثيرا كبيرا في تخليه عن هذه الفنون، لينخرط بدراسة الحقوق، بناءً على رغبة والده، فتأثر جاهين هو الآخر بمهنة والده، الذي يجوب مختلف المحافظات، ويتحدث مع الناس بلغاتهم المختلفة في كل بلد، ويحقق في جرائم المجتمع.

حياته الشخصية

ذاق الشاعر والروائي صلاح جاهين مذاق الحُب مرتان في حياته، ففي عام 1955 تزوج جاهين للمرة الأولى من زميلته في مؤسسة الهلال الرسامة سوسن محمد زكي، وأنجب منها طفلين، وهما ابنه الشاعر بهاء جاهين وابنته أمنية جاهين، ثم تزوج مرة أخرى من اللبنانية منى قطان، وأنجب منها أصغر بناته سامية جاهين، التي عملت في بعد عضو فرقة إسكندريلا الموسيقية.

صلاح جاهين فيلسوف الفقراء و شاعر الثورة والبُسطاء في ذكري ميلاه

أبرز أعمال صلاح جاهين

 أنتج صلاح جاهين العديد من الأعمال، واكتشف العديد من النجوم مثل الفنان شريف منير، وأنتج الكثير من الأفلام الممتعة مثل «أميرة حبي أنا» وكتب سيناريو فيلم «خلي بالك من زوزو» الذي حقق نجاحا باهرا في سبعينيات القرن الماضي.

وكتب جاهين أيضا الرباعيات، التي يعتبرها الكثيرين أنها قمة أعماله، إذ تجاوزت مبيعاتها الـ125 ألف نسخة في بضعة أيام، فكان معاصريه يحفظونها عن ظهر قلب، ولحن سيد مكاوي جزءا منها، وألقاها الفنان علي الحجار بصوته. 

صلاح جاهين فيلسوف الفقراء و شاعر الثورة والبُسطاء في ذكري ميلاه

هل النكسة تسبب في وفاته؟

وذكرت ابنته سامية خلال حديثها ، أن الشاعر كان معروفا عنه دخوله في فترات اكتئاب عديدة، ونكسة 1967 كانت واحدة منها، وذلك لارتباطه بالشعب المصري والعربي بشكل كبير، فقد دخل جاهين في حالة اكتئاب حاد، وهزمه ذلك الحادث الأليم مثلما هزم كل الشعب المصري.

«بابا كان حساس ومشتبك مع مجتمع المصري والعربي»، هذا ما قالته ابنة الفنان صلاح جاهين، واصفة حزن والدها الشديد على الأحوال التي وصلت لها مصر في ذلك الوقت، ولأن الفنان إحساسه يضاعف إحساس بعض الأشخاص الآخرين، دخل جاهين في حالة اكتئاب حاد.

وأوضحت سامية أن سبب الوفاة الحقيقي هو تأثير نوبات الاكتئاب الأخيرة التي تعرض لها، بجانب إصابته بمرض القلب في أواخر أيامه: «هو طبعا بابا كان مصاب بالاكتئاب بس هو توفى في 86 بعد النكسة بعشرين سنة، فربط اكتئابه فقط بالنكسة خطأ في رأيي، هو كان مريض قلب، وكان بسبب حساسيته الشديدة، وتعرضه لنوبات اكتئاب شديدة، زادت في أواخر أيامه».

وفي حوار تليفزيوني سابق للفنان شريف منير في إحدى القنوات المصرية الخاصة، تحدث منير والذي كان معروفا بقربه الشديد من مكتشفه الأول صلاح جاهين عن حالة الشاعر النفسية التي تأثرت بعدة أمور داخلية شخصية، وأمور أخرى خارجية، ومنها حزنه الشديد على الحالة التي وصلت لها مصر في ذلك الوقت، مشيرا إلى أنه قال له إنه فقد القدرة على الكوميديا والضحك والابتسام، ليرحل عن عالمنا صلاح جاهين في 21 أبريل في عام 1986، تاركا خلفه إرثا فنيا عظيما، نشيد به وبأعماله حتى يومنا هذا.

توفى جاهين في 21 ابريل عام 86 عن عمر 56 عاما-  ويبدو أن الاجابة أصبحت مثل الأساطير التي تنسج حول الاشخاص والأحداث فتتحول الى حقيقة غير قابلة للتكذيب وتبقى في دائرة الشك فقط تدور حولها كل عام الأقاويل والآراء والتصريحات دون يقين تاركة مزيد من الحيرة والكثير من الأسئلة.

هي ذاتها  الحالة الابداعية والانسانية ” المحيرة” للغاية التي عاشها بين قوسين وداخل رسوماته الكاريكاتيرية ورباعياته الشعرية..بين منتهى الفرح والسعادة والأمل والبهجة..ومنتهى الحزن والآسى والكآبة.. في حالة مزاجية حادة لا منطقة وسطى تعيش فيها أو تلوذ بها وتهرب اليها. هكذا عاش جاهين ” حالته النفسية والانسانية” شديدة الخصوصية التي امتزجت واختلطت فيها كافة المشاعر الانسانية من أدناها الى أقصاها من فرط اللذة والعشق والبهجة والانبساط ومرح الطفولة الى منتهى الحزن والانسحاب والاكتئاب وآنين الشيخوخة.
فهو الذي قال في احدى رباعياته:”
أجمل ما فيها العشق والمعشقة
وشويتين الضحك والتريقة 
شـفت  الحيـاة، لفيـت، لقيـت   الألـذ
تغييـرهـا،  وده  يعنـى  التعب   والشـقا
عـجبى !!”
وقال أيضا:”
أنا اللي بالأمر المحال اغتوى
شفت القمر نطيت لفوق في الهوا
طلته ما طلتوش وايه أنا يهمني..؟
وليه مادام بالنشوى قلبي اغتوى”
وهو ذاته الذي قال:
مرغم عليك يا صبح . . مغصوب يا ليل
لا دخلتها برجليا ولا كان لي ميل
شايليني شيل جيت أنا للحياة
وبكرة هخرج منها شايلينني شيل
وعجبي”
وأيضا :”
عجبي عليك.. عجبي عليك يا زمن يا أبو البدع
يا مبكّي عيني دما
ازاي أنا اختار لروحي طريق
وأنا اللي داخل في الحياة مرغماً”
“قالوا السياسة مهلكة بشكل عام..
وبحورها يا بني خشنة مش ريش نعام..
غوص فيها تلقى الغرقانين كلهم..
شايلين غنايم.. والخفيف اللي عام..
عجبي”
بين قوسين.. ” بمبي والحياة بأة لونها بمبي ” و” والورد مفتح شوفوا شوفوا بيضحك ويداري كسوفه” وبين ” ساعات أقوم الصبح قلبى حزين..أطل بره الباب ياخدنى الحنين. اللى لقيته ضاع واللى اشتريته انباع واللى قابلته راح وفات الأنين”
كان هو الأكثر معرفة وبدقة متناهية فلسفة الحياة التي عاشها، فهو العاشق الأول للحياة والزاهد الأكبر فيها  ..العائش في المساحة الغامضة في الحياة بين ” الزهور والقبور”-كما في وصيته لابنه- أي ابن من قراءه- :
“أوصيك يا ابني بالقمر والزهورْ
أوصيك بليل القاهرة المسحورْ
وإن جيت في بالك.. اشتري عُقد فل
لأي سَمرا.. وقبري إوعك تزورْ!”.
أمثلة بسيطة من شعره وأغانيه لكنها تختزل وتلخص سيرة حياة لم تتعدى سنواتها 56 عاما فقط منذ ولادته نشأته في شبرا  في شارع جميل باشا في 25 ديسمبر 1930حيث عمل والده المستشار بهجت حلمي في السلك القضائي حيث بدأ كوكيل نيابة وانتهى كرئيس محكمة استئناف المنصورة.درس الفنون الجميلة ولكنه لم يكملها حيث درس الحقوق. وده هو الصحفي القديم أحمد حلمي الذي وصفه البعض بـ«أول صحفي سياسي في مصر» وعمل مع الزعيم مصطفى كامل في صحيفة ” اللواء” وأسس صحيفة ” القطر المصري” وتوفى عام 36
كانت ولادة صلاح جاهين متعثرة، فخرج إلى الحياة أزرق اللون حتى استعاد أنفاسه، ويبدو أن هذا التعثر لدخوله الحياة- كما يؤكد الكاتب الصحفي محمد توفيق- تجلى لاحقا في حالته النفسية التي تأرجحت بين الفرح والاكتئاب الذي عاشه لفترات.
تزوج صلاح جاهين مرتين، زوجته الأولى «سوسن محمد زكي» الرسامة بمؤسسة الهلال عام 1955 وأنجب منها أمينة جاهين وإبنه الشاعر الكبير بهاء جاهين، ثم تزوج من الفنانة «منى جان قطان» عام 1967 وأنجب منها أصغر أبنائه سامية جاهين عضو فرقة إسكندريلا الموسيقية.
بين الفرح والاكتئاب سارت حياة صلاح جاهين منذ أن تفتح وعيه وبدأ في الانخراط في الحياة العملية كرسام وفنان وصحفي وشاعر  ولم تكن لها علاقة بالأساطير التي تسببت في اصابته بالاكتئاب عندما بلغ من العمر منتصفه وما يتردد ويقال عن أن هزيمة يونيو أصابته بالاكتئاب وأن وفاة عبد الناصر زادت من حدة هذا المرض.
والدلائل كثيرة، فالرباعيات التي يستشهد البعض بها ويتم تناولها وتحليلها نفسيا بما يعكس الحالة المزاجية لصاحبها، بدأ صلاح جاهين  في كتابتها عام 1959، وكان ينشرها أسبوعيا في مجلة صباح الخير حتى عام 1962، وحين انتقل إلى الأهرام توقف عن كتابة الرباعيات ثم عاد لكتابتها عام 1966 حين أصبح رئئيس تحرير مجلة ” صباح الخير” وذلك لمدة عام واحد، توقف بعده نهائيا عن كتابة الرباعيات، إلا خمسا نشرها في مربعه بالأهرام تعليقا على مظاهرات الطلبة عام 1968.
والطبعة الحالية المتداولة من الرباعيات هي نسخة التي نشرت الذي نشر عام 1963 في طبعة الرباعيات الأولى التي وضع رسومها الفنان الكبير ادم حنين. كل ذلك حدث قبل نكسة يونيو ووفاة عبد الناصر.
كان من الطبيعي أن يتواءم مع كل مرحلة يمر بها ويعيشها في مصر وهو ما حدث مع انجازات وأحلام وأمال ثورة يوليو فأصبح جاهين هو صوت الثورة وشاعرها، فكل ما كتبه كان يتحول الى أغاني ثورية شعبية بصوت “عبد الحليم حافظ” وبألحان كمال الطويل ومنها “إحنا الشعب” و “بالأحضان” و “المسؤلية” و “يا أهلا بالمعارك” واستطاع جاهين أن يترجم مشاعر وأحلام وأفراح المصريين إلى كلمات زاخرة بالحماس والزهو بمشاعر مشاعره صادقة وعفوية. لكنه مثله مثل ملايين المصريين أصابهم الحزن الشديد واليأس من هزيمة يونيو ، بلغت هذه الحالة مداها معه لفرط حزنه ومشاعر الندم التي سيطرت عليه فتدهورت حالته الصحية وسافر للعلاج الى روسيا ولكن سرعان ما أصيب بالحزن والاكتئاب عقب وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر
فبقدر تفاعله وتواءمه مع يوليو والاشتراكية وايمانه بزعامة عبد الناصر  وحبه المفرط لكل ذلك معا، جاءت الصدمة قوية لا يتحملها انسان في مزاجية صلاح جاهين المتقلبة من النقيض الى النقيض. فقد اعتبر نفسه واحدا من أهم رموز المرحلة الناصرية والمشروع الناصري ومنظرا فنيا لها واعتباره ” جبرتي الثورة” كما أطلق عليه صديقه كمال الطويل، بالتالي تأثره ومرضه واكتئابه استثنائيا مقارنة مع أي فرد آخر في المشروع الناصري. فقد كان مريضا بحب يوليو وزعيمها. كان حب وعشق عبارة عن انحياز جاهين للغلابة وللفقراء ولمكانة مصر وللحرب ضد الاستعمار قبل الانحياز للزعيم كفرد.
حتى في اكتئابه لم يكن جاهين هذا الشخص السوداوي المحب للموت والكاره للحياة على العكس تماما فهو مؤمن بالقدر ومجبر على الاكتئاب ومقبل على فكرة الموت ولكنه في الوقت ذاته محب للحياة وللحرية وعاشقا لها
البـط    شـال  عـدى   الجبال   والبحـور
ياما  نفسـى  أهـج … أحج   ويا  الطيـور
أوصـيك  يا  ربى  لمـا  أمـوت … والنبى
مـا  تودنـيش  الجنـة …  للجنـة  سـور
عـجبى “
لم تكن هزيمة يونيو ووفاة عبد الناصر سببا في اكتئاب و” انتحار ” صلاح جاهين فالرجل عاش بعدهما حوالي 19 عاما بالنسبة للهزيمة و16 عاما بالنسبة لرحيل الزعيم، واستمر بعدهما يكتب ويسعى إلى تحويل كل شيء يجيده من شعر ورسم وكتابة وفن إلى متعة  وإلى منتج للذة والبهجة والفرحة للناس حتى لوكان يهرب بذلك من حزنه الخاص. افرط جاهين حتى في انتاج الفرحة حتى أحرقته الحياة التي عشقها فقد قرر الانتحار على طريقته الخاصة بالكتابة والاندماج فيها ولا شيئ سواها. فقد كتب الأغاني لقيلم ” غرام في الكرنك” عام 67، وكتب فيلم ” خلي بالك من زوزو” عام 72 وهو أحد أكثر الأفلام عرضا في دور السينما حوالي 54 أسبوعا وقام بتأليف أغانيه، وألف فيلم ” أميرة حبي أنا” وعودة الابن الضال 76، وفيلم ” شيلني وأشيلك ” عام 77، وشفيقة ومتولى 1978 والمتوحشة عام 79، وموت أميرة- تمثيل- عام 80 ووداعا بونابارت 1985 -تمثيل-  وحلقات “هو وهي” و” اتنين على الهوا”، وفيديو كليب (اللعبة) عام 1985 وتأليف أغاني فيلم” اليوم السادس”عام 86 وبعد رحيله تم انتاج أفلام انقلاب والمخطوفة الذي كان قد  ألف وكتب كلمات الأغاني لهما.
فهل المصاب بالاكتئاب والكاره للحياة يكتب ويؤلف كل هذه الأعمال وانتاج كل هذه البهجة والفرحة والخفة ؟!
صلاح جاهين يجيب بنفسه في حوار نادر مع الاعلامي طارق حبيب على التليفزيون المصري، قال إن الاكتئاب هو مرض مهنة رسامى الكاريكاتير، فقد لوحظ أن كثيرا من المهرجين والممثلين الكوميديين ورسامى الكاريكاتير مصابون بالاكتئاب، وأضاف: «سافرت في زيارات كثيرة لصحف أجنبية وقابلت رسامى الكاريكاتير هناك ولاحظت أنهم مكتئبون»، موضحًا أن زوجته أصرت على اصطحابه إلى طبيب عالمى خارج مصر لعلاجه، وعندما ذهبا قالت للطبيب: «جوزى ده في مصر بيشتغل رسام كاريكاتير»، فقال لها الطبيب: «وإيه يعنى، ما كل رسامى الكاريكاتير بيجيلهم اكتئاب، منهم فيكي»، وأكد «جاهين» أنه عندما سأل عن «فيكي» عرف أنه مات منتحرًا، فقال: «حسيت إن شعر راسى وقف».
في عام 2009 ووفقا لشهادة الكاتب والناقد السينمائي سمير فريد في احدى مقالاته قال  أنه كان شاهد عيان على تناول “جاهين” لأقراص معينة قاصدًا قتل نفسه، وقال المنتج حسين القللا إنه حاول إحضار مضادات لهذه الأقراص، التى تناولها “جاهين”، من سويسرا، لكنها وصلته حين كان “صلاح” قد قرر الخلاص بالعالم الآخر
الكاتب الصحفي والإعلامي عادل حمودة، قال في برنامجه” واجه الحقيقة” بقناة القاهرة الاخبارية في نهاية العام الماضي انه حسب الدكتور أحمد عكاشة كان صلاح جاهين يعاني من مرض «الثنائي القطبي»، وهو مرض نفسي من أهم أعراضه التغير الشديد في المزاج، حيث ينتقل من الحزن إلى السعادة في مدة زمنية قصيرة أحيانا. ويستشهد الدكتور عكاشة على حالة صلاح جاهين من أشعاره «دخل الربيع يضحك لاقاني حزين، نده الربيع على اسمي قلت مين، حط الربيع أزهاره جنبي وراح، وايش تعمل الأزهار للميتين».. هذه حالة الحزن، ثم كانت حالة الانبساط، «الدنيا ربيع والجو بديع قفلي على كل المواضيع».
وبسبب الحزن الشديد الذي عانى منه مات وعمره 56 سنة، مات وهو في زهوة قدرته على الإبداع والعطاء.. إن من السهل جبر الأجساد المكسورة، ومن الصعب جبر النفوس المقهورة.
يذهب الى  إن هزيمة يونيو 67 نزلت كالصاعقة على المصريين، وكان الكتاب والشعراء الأكثر انهيارًا، وشعروا أنهم ساهموا دون أن يقصدوا فيما حدث، والحقيقة أن الجميع صدقوا الحلم وآمنوا به، وكان الحلم  جميلًا ورحبًا، ولكن بقدر حجم الحلم جاء حجم الصدمة. صلاح جاهين سقط مريضًا بالاكتئاب، وكان يبكي وحيدا في غرفته مغلقًا بابه عليه وكان يكلم نفسه حتى كاد أن يجن، وأُجبر على السفر إلى موسكو للعلاج من الاكتئاب ودخل مستشفى الكرملين تحت رعاية شقيقته بهيجة، وكان زوجها ضابطا في الجيش انتدب إلى مكتب المشتريات في العاصمة السوفيتية. وفقد نصف وزنه في اكتئابه بسبب هزيمة 67، فبعد أن كان وزنه 125 كيلو جرام
أصبح 75 كيلوجرامًا، وسخر من نفسه قائلا: «فقدت نصف صلاح جاهين»، وفي أثناء وجوده في موسكو تعرف على سعاد حسني وجها لوجه، كان ذلك في صيف عام 1971، إذ ذهبت سعاد إلى موسكو برفقة عزت العلايلي ويوسف شاهين لحضور مهرجان موسكو السينمائي. زارته سعاد وبخفة ظلها قالت له: «أنا كمان عندي اكتئاب، بصرة»، وفي تلك الزيارة بدأت صداقة فنية راقية بينهما.
والمريض بالاكتئاب كما شرح المرحوم الدكتور عادل صادق- وفقا لليوم السابع 23 ديسمبر 2009- يرى فى الانتحار النجاة وليس الموت، مثل من يلقى بنفسه من الدور العاشر للنجاة من حريق. وقد قاوم صلاح جاهين الاكتئاب بروحه الإنسانية العالية وسخريته المصرية الصميمة، ولكن المرض الوحشى هاجمه عام 1986، فانتحر وأنا لا يعنينى هنا من ينكرون انتحاره وكأنه جريمة، فقد عاصرت الموقف بنفسى، والساكت عن الحق شيطان أخرس، وعاصرت محاولات المنتج السينمائى حسين القللا وهو يأتى بالدواء المضاد للحبات التى تناولها صلاح جاهين، ولكنها وصلت من سويسرا بعد فوات الأوان.
في حين تكشف ابنته الصغرى سامية جاهين اللحظات الأخيرة في حياته عندما أصيب والدها بالاكتئاب، قائلة إن سوء أحوال المصريين والعرب خلال الفترة الأخيرة من حياته تسبب في إصابته بحالة اكتئاب شديدة، فهو كان فنانا مشغولا دائمًا بمشاكل وهموم المواطنين ويشعر بالحزن الشديد بمجرد أن يشاهد أو يسمع أي خبر سيئ.
وأكدت، أن نكسة 1967 ليست هي السبب وراء إصابة والدها بالاكتئاب، لأنه توفى بعد النكسة بنحو 19 عاما، ولكن ما حدث أنه دخل في حالة حزن مثل جميع المصريين بسبب الهزيمة، ولكن مرحلة الاكتئاب بدأت معه في السنوات الأخيرة من حياته بسبب أحوال الناس الاقتصادية والسياسية، موضحة أنه كان مرهف الحس وشديد التأثر بالناس.
وحكت «سامية» موقفًا نقلته عن شقيقتها، بأنها تلقت اتصالًا من والدها قبل وفاته بأسبوع في أثناء قيام الطائرات الأمريكية والبريطانية بشن غارة وقصف على طرابلس ومنطقة بنغازى في ليبيا في 15 أبريل 2024، وقال لها: «إحنا بقينا مستباحين جدًا»، وكان في حالة حزن شديد من أحوال العرب في تلك الفترة.
وعلى الرغم من التفسيرات والتحليلات الصحفية والنفسية عن أسطورة ” الاكتئاب” فقد خاض صلاح جاهين معارك أدبية وسياسية طوال فترة السبعينات والثمانينات وحتى وفاته، فقد نالت منه بعض الكتابات واتهمته بأنه تخلى عن ثورة يوليو  و”كفر” بمبادئها فرد في مقال نشرته صحيفة ” الأهالي” اليسارية الناطقة بلسان حزب التجمع، وقال: «إننا عندما نعترف بأخطائنا وندرك المناطق التي أخفقنا فيها وننتقد أنفسنا ونتكلم عن هذه الأخطاء فهذا لا يعني أننا كفرنا بمبادئنا،” مؤكدا على استمرار إيمانه بمبادئ الثورة والمساواة والعدالة الاجتماعية وهي معركة من أهم المعارك التي خاضها.
كما اتهمته كتابات آخرى بالهروب والانسحاب ومواجهه الواقع بكتابة أفلام من نوعية «خلي بالك من زوزو»، و«أميره حبي أنا»، وهي أفلام فترة السبعينات، البعيدة عن هموم السياسة ومشاكلها في ذلك الوقت واستنكرت عليه أنه اتجه إلى أعمال مبهجة في الوقت الذي كانت البلاد مهمومة فيه بمشاكل كثيرة واعتبروا هذا التوجه بمثابة انفصال عن المجتمع وغير مناسب لتلك الفترة.
كان رد جاهين عمليا، بأن استمر في هذا الاتجاه في إصرار يؤكد إيمانه بأن رسالة الفن لا تتوقف عند تقديم أعمال سياسية أو قضايا أخلاقية إنما ترتبط رسالة الفن أيضا بإمتاع الناس وليس رصد همومهم ومشاكلهم فقط. فالفن كان جزءا من شخصيته وكيانه.
كان آخر ما كتبه صلاح جاهين قصيدة بعنوان “ربنا” حيث يذكر أنه في أخر أيامه كان جالسًا مع ابنته سامية ذات الخمس سنوات، والتي فاجئته بسؤال “بابا يعني إيه ربنا”، فرد عليها بأخر قصيدة كتبها لتكون تأكيدا على خلفيته الدينية المؤمنة وعقيدته الثابتة، التي لم يؤثر بها الاكتئاب الشديد الذي تعرض له أكثر من مرة.
“مين اللي كوّر الكرة الأرضية
مين اللي دوّرها كده بحنية
مين اللي في الفضا الكبير علّقها
ما تقعش منها أي نقطة ميه
مين اللي عمل البنى آدمين
مفكرين ومبدعين
مين اللي إدانا عقول وقلوب
وشفايف تسأل هو مين؟
مين اللى دايمًا صاحي واخد باله
وكلنا بنحبه جلّ جلاله
ربنا
احنا بنحب ربنا.. وربنا بيحبنا
و يحبنا أكتر كمان.. لما نحب بعضنا
عمل الفراشة بأجنحة وزوقها
وكل فكرة مدهشة حققها
البحر حط له ملح لأجل يعوِّم
وما سابش حاجة إلا لما خلقها
ربنا”

عمل رساما للكاريكاتير في مجلة صباح الخير، ثم في “روز اليوسف”، وانتقل إلى جريدة الأهرام التي يرأس تحريرها الكاتب محمد حسنين هيكل، ليصبح واحدا من أبرز أصوات الدعاية في النظام الناصري.

الأكثر إيمانا بثورة يوليو/تموز

تقول صحيفة الأهرام المصرية الرسمية إن صلاح جاهين كان من أكثر الشعراء إيمانا بمبادئ ثورة 23 يوليو/تموز التي غرسها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وسعى جاهدا في تطبيقها، وهو ما انعكس في كلمات الأغاني التي كتبها وتغنّى بها كبار الفنانين، مثل أم كلثوم في أغنيتها “ثوار”، والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ في أغانيه الوطنية “إحنا الشعب”، “بالأحضان”، “بستان الاشتراكية”، “المسؤولية”، “صورة”، “ناصر يا حرية”، “يا أهلا بالمعارك”.

صلاح جاهين فيلسوف الفقراء و شاعر الثورة والبُسطاء في ذكري ميلاهصلاح جاهين والفنانة شادية (مواقع إلكترونية)

الرباعيات

تميز جاهين بكتابة الرباعيات منذ نهاية الخمسينيات على صفحات مجلة صباح الخير على نحو أسبوعي، على غرار رباعيات الخيام الشهيرة، والرباعية قالب شعري يرجع إلى أصول فارسية، انتقل إلى الشعر العربي الحديث وأصبح من فنونه المحببة،

 رباعيات الخيام ترددت في أصداء بيت جاهين طفلا وفتيا، فحاول جاهين أن يستخدم قالب الرباعية على نمط قصيدة العامية المصرية ليؤكد الحضور المتميز لهذا القالب الشعري، سواء في لغته التي تتوسط بين العامية والفصحى، أو في صوره الشعرية التي تمضي مع الخيال في تأملاته التي تحلّق بين السماء والأرض.

واستعرض برنامج “خارج النص” -من إنتاج قناة الجزيرة- رباعيات جاهين، وذكر البرنامج أن جاهين كتب أولى رباعيته بعد اعتقال أستاذه فؤاد حداد الذي آمن به أكثر مما آمن بعبد الناصر:

مع إن كل الخلق من أصل طين
وكلهم بينزلوا مغمضين
بعد الدقايق والشهور والسنين
تلاقي ناس أشرار وناس طيبين
عجبي!

ووفقا للبرنامج، سمح عبد الناصر برباعيات جاهين معتبرا إياها هامشا للحرية، حيث حملت هذه الرباعيات إسقاطات منحتها مساحة للتأويل والتفسير.

القضية العربية

ولا ينفصل جاهين في رباعياته عن الواقع العربي، إذ يقول متأملا أوضاع البلاد العربية التي كانت تعاني من الاستبداد:

أنا كل يوم أسمع: فلان عذبوه
أسرح ف بغداد والجزاير وأتوه
ما أعجبش م اللي يطيق بجسمه العذاب
وأعجب من اللي يطيق يعذب أخوه
عجبي!

هل قصد عبد الناصر؟

في واحدة من أشهر رباعياته وأكثرها إثارة للجدل، كتب جاهين:

يا طير يا عالي في السما “طز فيك”
ما تفتكرش ربنا مصطفيك
برضك بتاكل دود وللطين تعود
تمص فيه يا حلو، ويمص فيك
عجبي!

نشر جاهين هذه الرباعية، فحاول البعض الإيقاع بينه وبين عبد الناصر أنه يقصده، لكن عبد الناصر رفض أن يصدق أن جاهين الذين طالما تغنى باسمه يمكن أن يكتب فيه هذه الكلمات.

ويرى الشاعر وأستاذ النقد الأدبي سيد خلف أن جاهين اختار أن يظل في المنتصف، يدافع عن عبد الناصر ثم يوجه بعض اللوم للشعب المصري الخانع الذي تنازل عن معظم حقوقه وعن الوعود التي قدمتها ثورة يوليو/تموز 1952.

ويضيف خلف -في برنامج “خارج النص”- أن هذا التحول في شخصية جاهين دفعه إلى صدام غير مباشر مع عبد الناصر، جعله يشك أنه كان مقصودا بكلمة “طز فيك”.

خشي الجهر بانتقاد عبد الناصر

يعلّق الناقد طارق الشناوي أن جاهين عاش 16 عاما بعد وفاة جمال عبد الناصر، ولكنه لم يؤكد أو ينفي أنه قصده بهذه الرباعية، وينقل عن صديقه المخرج علي بدرخان أن جاهين كان من أكثر الشعراء الذين تغنّوا بعبد الناصر.

ويضيف الشناوي -في مقال بصحيفة الشرق الأوسط– أن جاهين كان يخشى الجهر بانتقاد عبد الناصر، حتى إنه شارك في تأليف سيناريو فيلم “الكرنك” عام 1975 وطلب عدم كتابة اسمه على “التترات” لأن الفيلم ينتقد بضراوة زمن الستينيات والمعتقلات.

واستنكر جاهين محاولات السعي بالوقيعة بينه وبين عبد الناصر، وتوقف عن نشر الرباعيات أسبوعين، ثم كتب ردا على أعدائه:

أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جَرس
جلجلت به صحيوا الخدم والحرس
أنا المهرج.. قمتوا ليه خفتوا ليه
لا فْ إيدي سيف ولا تحت مني فرس
عجبي!

وهي رباعية تقطر المرارة من البسمة التي تبعثها، وتتصل بوضع الفنان أو المبدع في مواجهة مهمته الصعبة التي يفرضها عليه ارتباطه بهموم البشرية، فتجلب له المواجع وتجرّ عليه القمع، في حين يتحول الفنان إلى جرس إنذار يقرع به آذان الظلمة، كما يرى الناقد جابر عصفور.

صلاح جاهين فيلسوف الفقراء و شاعر الثورة والبُسطاء في ذكري ميلاهالشاعر صلاح جاهين تغنّى بإنجازات الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وكتب الأشعار والأغاني في مدحها (الصحافة المصرية)

النكسة

هزّت النكسة كيان جاهين كما فعلت بكثير من المثقفين، فعانى من الاكتئاب الحاد، وعلق الصحفي الشهير مصطفى أمين بعبارته الساخرة “سقط صلاح جاهين فريسة البيانات الرسمية لصديقه” (يقصد عبد الناصر).

كتب جاهين أخر رباعياته عام 1968، معبّرا عن حيرته ومعيدا التفكير في المسلّمات وإيمانه بالنظام الناصري:

ولو انضنيت وفنيت وعمري انفرط
مش عاوز ألجأ للحلول الوسط
وكمان شطط وجنون مانيش عاوز
يا مين يقول لي الصح فين والغلط
عجبي!

نعي عبد الناصر بالكاريكاتير

تميز جاهين أيضا في رسم الكاريكاتير، ونعى عبد الناصر ومشروعه القومي برسومه، فنشر على صفحات صحيفة الأهرام رسمتين تجسد أولاهما سيدتين تبكيان ناصر بعد وفاته؛ كأنهما “مصر والأمة العربية”، وخلفهما جدار عليه صورة عبد الناصر، وعلى جدار البطولات ما قدمه عبد الناصر للشعب من طاقة وجهد، وفي كاريكاتير آخر يقف رجل يحمل راية عليها رسم لناصر، وكتب معلقا “راية النضال.. الجماهير تعاهد عبد الناصر على التمسك بمبادئه”.

واجه جاهين كثيرا من الانتقادات بسبب توجهه لكتابة الأفلام التجارية، فكتب سيناريو وأغاني “خلي بالك من زوزو” للفنانة سعاد حسني والفنان حسين فهمي، وحقق الفيلم نجاحا ساحقا.

توفي صلاح جاهين في 21 أبريل/نيسان عام 1986 بعد معاناة طويلة مع الاكتئاب عن 55 عاما، لينضم اسمه إلى صفوف العباقرة الذين عبّروا عن المصريين وآلامهم وأحلامهم بشعرهم ورسومهم.

مقالات ذات صلة