طريق الحرير بين صراعات القوى العالمية

كتب-ياسرصحصاح
من خلال هذه السطور نحاول أن نسلط الضوء على الأزمات العالمية المؤثرة على الاقتصاد الصيني والتى من شأنها التأثير على مشروعات الصين في مصر، مثل التوترات الصينية الأمريكية، وأزمة الطاقة، وانخفاض الطلب العالمي على المنتجات الصينية في ظل أزمة كوفيد-19، الأمر الذي يستلزم اتخاذ الدولة التدابير الاستباقية لتقييم أثر المشروعات الصينية، وتحديد آليات مواجهة المخاطر المحتملة جراء توقف مشروعات الصين في مصر.
انتهجت الصين استراتيجية كان محورها النمو الاقتصادي المستدام، حتى باتت اليوم التحدي الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية التي أدركت أن الصين تسعى حاليًّا، من خلال سياساتها الثقافية والاقتصادية والأمنية في العالم، إلى تبوُّء مكانتها كقوى عظمى تنفرد بقيادة النظام الدولي؛ سعيًا إلى نظام متعدد الأقطاب.
ومبادرة “الحزام والطريق” إحدى السبل التي انتهجتها الصين نحو تحقيق هذا الهدف؛ ففتح قنوات التعاون الاقتصادي، وضخ الاستثمارات ومنح القروض، والوجود في مناطق غنية بالموارد الطبيعية كقارة إفريقيا والمناطق الاستراتيجية حول العالم، خاصة الممرات الملاحية، كل هذا مثَّل هدفًا استراتيجيًّا للصين، بما يحافظ على معدلات النمو الاقتصادي ويعزز من قدرات الصين خلال السنوات القادمة.
وتواجه الخطط الصينية العديد من التحديات التي قد تحد من الطموح الصيني، ومنها تحديات تضعها الولايات المتحدة؛ للحد من النمو والصعود الصيني على المستوى الدولي.
وقد عززت الصين علاقاتها بمصر اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا خلال السنوات الماضية، وتمثل ذلك في العديد من الاتفاقيات والشراكات الاقتصادية والأمنية، ومنها الاتفاق الذي تم بين الجانبين في الأسبوع الثاني من نوفمبر 2021؛ حيث يأتي هذا الاتفاق تكليلًا للتعاون المصري – الصيني، على مدى سنوات طويلة من مشروعات تنموية ضخمة.
وعن مستهدفات مبادرة “الحزام والطريق” فتتعدد أهداف مبادرة الحزام والطريق من تعزيز قيمة اليوان الصيني، وتأمين إمدادات النفط، وتوسيع دائرة التغلغل التقني والأمني للصين حول العالم، ولكن يتمثل الهدف الأساسي للمبادرة في تنمية الاقتصاد الصيني من خلال تمهيد طرق برية وبحرية معززة ببنية تحتية أساسية وتقنية للتجارة الصينية حول العالم، ويتم ذلك من خلال مسارين أحدهما بري والآخر بحري؛ ويبدأ الطريق البحري من فوجو في الصين ويمر عبر فيتنام وإندونيسيا وبنجلاديش والهند وسيريلانكا وجزر المالديف وشرق إفريقيا على طول الساحل الإفريقي، متجهًا إلى البحر الأحمر مارًّا عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط نحو أوروبا، حتى يصل إلى الساحل الصينى.
أما الطريق البري، فيضم 6 ممرات برية، هي: (1) الجسر البري الآوراسي الجديد الذي يمتد من غربي الصين إلى روسيا الغربية، (2) ممر الصين/ منغوليا/ روسيا ويمتد من شمال الصين إلى شرق روسيا، (3) ممر الصين/ آسيا الوسطى/ آسيا الغربية يمتد من غرب الصين إلى تركيا، (4) ممر الصين/ شبه جزيرة الهند ويمتد من جنوب الصين إلى سنغافورة، (5) ممر الصين/ باكستان ويمتد من جنوب غرب الصين إلى باكستان، (6) ممر بنجلاديش/ الصين/ الهند/ ميانمار ويمتد من جنوب الصين إلى الهند.
ولتحقيق هذا الهدف، تسعى الصين إلى ضخ استثمارات بالمليارات في البنية التحتية لكل دولة من الدول الواقعة على “الطريق” ضمن المبادرة، والتي يبلغ عددها 75 دولة، مع الأخذ في الاعتبار أن الحجم الإجمالي لاقتصادات هذه الدول يبلغ 28.2 تريليون دولار، أو ما يساوي 35.3% من الحجم الإجمالي للاقتصاد العالمي، البالغ نحو 79.9 تريليون دولار، فإن الزيادة المتوقعة في النمو الاقتصادي لهذه الدول في ظل مشاركتها في المبادرة سوف تضيف إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي قيمة تتراوح بين 422 مليار دولار كحد أدنى، ونحو 1.6 تريليون دولار كحد أقصى، للسنوات الخمس المقبلة. وعلى أرض الواقع أسهمت المبادرة بالفعل في تعزيز نمو التجارة العالمية خلال السنوات الماضية؛ حيث بلغت قيمة التبادل التجاري بين الصين وباقي دول المبادرة 1.02 تريليون دولار عام 2016، ثم ارتفعت إلى 1.2 تريليون دولار في عام 2017، مسجلة نموًّا بلغ 17.8%، في الوقت الذي لم يتجاوز فيه معدل نمو التجارة العالمية في العام نفسه 8.1%. ولذلك فقد أسهمت هذه الدول بمفردها بنحو 14% مـن الزيادة التي طرأت على التجارة العالمية في عام 2017، الأمر الذي رفع نصيبها من التجارة العالمية من 6.3% إلى 6.9%.
أما عن مجالات التعاون المصري الصيني فيأتي الاتفاق الأخير بين مصر والصين سالف الذكر كخطوات واقعية لتنفيذ مشروعات المبادرة في مصر، والتي تتمحور غالبيتها حول مشروعات البنية التحتية من طاقة وكهرباء وطرق سكك حديدية وبنية تكنولوجية ومعلوماتية، ونذكر، على سبيل المثال لا الحصر، عددًا من المشروعات الصينية الجاري تنفيذها، مثل: القمر الصناعي المصري سات 2، ومركز تجميع واختبار الأقمار الصناعية، ومركز التدريب المهني بالمنطقة الاقتصادية بقناة السويس، ومشروع القطار الكهربائي (مدينة السلام العاصمة الإدارية الجديدة).
وبتناول مجالات التعاون بشكل أكثر سردًا، سنجد تاريخًا حافلًا من المشروعات التنموية المعتمدة على الاستثمارات والقروض الصينية، مثل: خط إنتاج جوشي مصر لصناعة الفايبر جلاس بالعين السخنة، والتصنيع المشترك للحفارات والتنقيب، ومجالات تصنيع الوقود الحيوي وبدائل الغاز الطبيعي، ونقل التكنولوجيا وتدريب العمالة، ومشروعات الطاقة التقليدية، بالإضافة إلى التعاون في مجال البيئة وتغير المناخ والتخلص من النفايات الصلبة والخطرة، إلى جانب الاستثمار الصناعي من خلال تدوير قش الأرز والمخلفات الزراعية والحد من التلوث الناتج عن مصانع الأسمنت، ومشروع شركة هاندا الصينية لتصنيع الملابس الجاهزة بمحافظة الشرقية، والتعاون مع إحدى كبرى الشركات الصينية لتنفيذ مشروع فوسفات أبو طرطور بمحافظة الوادي الجديد، والمساعدة في بناء أكبر منشأة للبتروكيماويات في مصر؛ مجمع التحرير للبتروكيماويات في عام 2017، والتعاون في بناء أطول مبنى في إفريقيا، وهو واحد من 20 مبنى تبنيها الصين بالتعاون مع عدد من شركات المقاولات المصرية في الحي التجاري بالعاصمة، أضف إلى ذلك قطاع الاتصالات والتعاقد على تطوير شبكات الـ5G في مصر.
أما عن التبادل التجاري بين الصين ومصر فتستورد مصر من الصين 15% من جملة وارداتها من العالم، فيما يعادل 9 مليارات دولار أمريكي، ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 9.6 مليار دولار تقريبًا، وتعد الصين الشريك التجاري الأول لمصر على مستوى العالم، بينما تعتبر مصر رابع أكبر شريك تجاري للصين على مستوى العالم، وتتمثل غالبية الواردات من الصين في الآلات والأجهزة الإلكترونية والمعدات الكهربية والأجهزة الطبية، والنسيج والملابس ومستلزماتها، ومصنوعات الحديد والصلب والألمونيوم، والمواد البلاستيكية والمطاط ومصنوعاته.
تُعبِّر الصورة الواردة عن الحجم الكبير للوجود الصيني في مصر من مشروعات واستثمارات وقروض، وضخامة المشروعات البنيوية والتقنية. الأمر الذي يستلزم تقييم الموقف الإجمالي للمشروعات الصينية في مصر، خاصة في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية التي قد تتعرض لها الصين خلال الأعوام القادمة؛ مما يتعين معه تحليل مؤشرات تأثر المشروعات الصينية بالأزمات السياسية والاقتصادية، وتبني السيناريوهات الاستباقية في التعامل مع هذه الآثار، ومنها:
الوقوف على المعوقات أو تحديات استمرار المشروعات الصينية في مصر من خلال دراسة المؤثرات الخارجية المتمثلة في: (1) القيود التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لفرضها على الصين، من خلال منظمة التجارة العالمية، متمثلة في الحد من دعم المصدرين، وفرض الضرائب والرسوم الجمركية على الواردات الصينية؛ مما قد يؤثر على التجارة البينية المصرية الصينية من ناحية، ومن ناحية أخرى قد يؤثر على استمرارية تنفيذ المشروعات الصينية في مصر بكفاءة نتيجة تأثر الاقتصاد الصيني وموارد الدولة بالقرارات المفروضة عليها دوليًّا. (2) أزمة الطاقة وتداعياتها على الاقتصاد الصيني. (3) توسع مشروعات مبادرة الحزام والطريق والأعباء المالية والإدارية جراء إنشاء شبكة بنية تحتية وتقنية واسعة، والتي قد تفوق في وقت ما قدرة الجانب الصيني على إدارة مشروعات المبادرة وتعثُّر تمويلها إذا ما زادت الضغوط الاقتصادية على الجانب الصيني.
تقييم الأثر الاقتصادي للمشروعات الصينية في مصر، لا سيما ما يتعلق بالمشروعات التقنية واستشراف أمن المعلومات على مستوى الدولة، وذلك في ضوء المحاذير الأمريكية تجاه التقنيات الصينية، خاصة تقنيات الجيل الخامس، والشركات الصينية التي تتعامل مع تلك التقنية، بعد ما أُثير حول وجود أبواب خلفية للتجسس وتسريب المعلومات.
كما تجدر الإشارة إلى ضرورة دراسة حجم التمويل المقدم من الصين، ونصيبها من إجمالي الاستثمارات الخارجية المباشرة، ومعدل نمو هذا الاستثمار عبر السنين، وتصنيف مجالات إنفاق التمويل الصيني ونسبة مشروعات البنى الأساسية التحتية والتقنية منه، بهدف التنبؤ بمدى التغلغل الصيني في الاقتصاد المصري وزيادة حجم الدين للجانب الصيني، وكذلك التنبؤ بالتأثر في حال انسحاب الشريك الصيني من المشروعات لأسباب اقتصادية، والسيناريوهات المحتملة حول قدرة الجانب المصري على تدارك الأزمة.