المقالات والسياسه والادب
طقوس الحرف في زمن الانطفاء بقلم هدى عبده

طقوس الحرف في زمن الانطفاء
في زمنٍ صارت فيه الكتابة مهربًا لا ملجأ، والورق مقبرةً تنتظر دفن الأسرار، تخرج الكلمات من صمتها كأنها نجاة أخيرة. لا تُكتب، بل تتسلل من بين الضلوع، على هيئة ندم، أو شهقة مؤجلة.
هذا النص ليس نصًا، بل طقس عبور. لا يُقرأ كما تُقرأ الجُمل، بل يُعاش كما تُعاش النبوءات القديمة، حين كانت الأرواح تُختبر قبل أن تُخلق، والحروف تُختار كما تُختار القرابين.
في حضرة الحرف، يتعرّى الكاتب من اسمه، من ملامحه، من تاريخه، ويصبح ظلًا يهمس بما لا يستطيع أن يقوله. لا يبحث عن المجاز، بل عن الوجع الذي يسكن ما بينه وبين الحقيقة، عن الصدق حين يُكسر في صمت العبارة.
كل كلمة هنا ليست اختيارًا، بل قَدَر. كل فاصلة ليست فصلاً في المعنى، بل توقف قلب لحظة. كل نقطة ليست نهاية، بل اندلاع لِبدءٍ لم يتشكل بعد.
الكاتب في هذا الطقس ليس من يكتب، بل من يُكتب به. يضع روحه على الطاولة، ويستدير، تاركًا الحرف ليحفر ما يشاء. لا يملك سلطة على المعنى، بل يترك نفسه رهينة له، لأن المعنى حين يُقاوَم، ينتقم.
ولذلك…
لا تطلب من هذا النص أن يُرضيك، أو يُفسَّر.
لا تسأله عن مغزاه.
قف أمامه كما تقف أمام مرآة تعرف أنها ستكسر شيئًا فيك،
لكن لا مفر.
هذا ليس نصًا…
إنه صوتٌ خرج من صدع في الجدار،
وترك خلفه ريحًا لا تهدأ.
د. هدى عبده




