طووووف… اتفرج وشووووف

بقلم الأديب المصرى

د. طارق رضوان جمعه

بالأمس شاهدت فيلم بعنوان “”Exodus. Gods. And. Kings ،الذى طرحه المخرج العالمي ريدلي سكوت عام 2014 والذي يتناول قصة خروج سيدنا موسى من مصر. وجذبنى الفيلم لما به من شكلٍ جذاب ومبهر من حيث المؤثرات البصرية والتقنيات الحديثة، كما قام بتسليط الضوء على معجزة شق البحر لموسى، وعلى تسليط الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم على فرعون وقومه، ويظهر أيضاً العلاقة بين موسى وفرعون مصر «رمسيس». وكتب سيناريو الفيلم 3 كتاب كبار هم ستيف زيلين، وآدم كوبر، وبيل كولاج، حيث اعتمدوا على التوراة في تنفيذ الفيلم.

الا أن بالفيلم مغالطات دينية وتاريخية واضحه خالفت ما نعرفه من القرأن عن قصة النبى موسى”كليم الله”.وأنقسم النقاد بين مؤيد ومعارض وفى هذا المقال وبحيادية الكاتب سأعرض وجهتى النظر، تاركاً للقارىء نافذة للبحث واعتناق ما يناسب فكره ودينه وثقافته ومقدرته البحثية. ولكن قبل أن تقبل أو ترفض مثل هذه الأفلام بمغالطاتها التاريخية عليك أولاً أن تسال نفسك لماذا يلجأ الغرب إلى إنتاج وإخراج فيلم دينى أو تاريخى،الم يكفيهم نجاحهم بافلام الأكشن أم أنها رغبة فى استعادة مكانتهم بعد فشل سابق؟ ما الذى سيضيفه إنتاج مثل هذه الأفلام لهم؟

فى بحث مقدم فى جامعة وهران كلية الأداب والفنون عن السينما والتاريخ أوضح أن أهم الصعوبات التي يواجهها الباحث و طالب العلم في مثل هذه الدراسة تتمثل في صعوبة اقتناء المادة العلمية لتفرقها و تناثرها في ثنايا الكتب و المجلات والمقالات وكذلك التداخل المصطلحاتى فى بعض الأحايين.

والحق يقال أن هذا البحث قد أفادنى كثيرا فى التفرقة بين بعض الأمور حيث ذكر البحث ان المؤرخ يدرس الماضى بهدف كشف الحقيقة الموضوعية لكن الفنان السينمائى يستلهم الماضى بهدف تحقيق التواصل الإنسانى من خلال تجربة فنية. فالفنان لا يعني بالتاريخ مجردا، وإنما بفلسفة التاريخ التى من شأنها معالجة الثغرات وقصور المعرفة التاريخية بكيان فني خاص يجعل من وقائع التاريخ المتراكمة والمتلاحقة دات معنى وهدف، متكامل ومستقل نسبيا، وذلك باظهار ما بين تلك الوقائع والاحداث من علاقات.

فلسفة التاريخ كما يقول كروتشة:”تأليف وتركيب أكثر منها تسجيل وتقرير”. وهنا سر الإختلاف بين وجهة النظر الفنية ونظرة المؤرخ والمجتمع بجوانبه الدينية والتاريخيه التى ترفض مشاهدة اى تشويهات فى الحقائق الثابته دينياً او تاريخياً.فالسينما تتعامل مع التاريخ بنظرة فلسفية.

واذا كان التاريخ يعني بدراسة الماضي الذي يتوقف عند اللحظة الأنية الحاضرة فان فلاسفة التاريخ كما يقول كروتشه “قد تجاوزوا نطاقه الى المستقبل، بل جعلوا المستقبل هدفه ومن ثم الغوا واقعية التاريخ واستبدلوا بها جانبا شاعرياً.

فالوضعيون اصحاب نظرية التطابق مع الوقائع، التي يعتبرونها معيار الحقيقة يرون “ان ما يكتبه المؤرخ يعد صادقا اذا كان ما يذكره قد وقع بالفعل ومن ثم فان عمل المؤرخ ان يسجل في دقة وامانة ما وقع وان يسعى الى هذه الدقة والامانة ما استطاع”.اما المثاليون الذين اقتربوا من الأدب الرومانسي فقد دعوا الى اعادة تمثل الماضي في زمن المؤرخ الذي “لا يكتفي بمجرد فهم مادته التاريخية وانما يتجاوب معها الى حد ان تعيش فى حد ذاته وبذلك يبعث فيها الحياة، ان ينفخ فيها من روحه ، بل لقد ذهبوا الى ان يشترطوا فى المؤرخ ان يمتلك موهبةالفنان فى البصيرة النافذة التى تمكنه من ان يعيش فى موضوعه.

وبالرغم من تلك العلاقة المتفاعلة بين الفن والتاريخ واشتراكهما في بعض الجوانب، الا انهما لا يتطابقان من حيث الوظائف والأهداف،فالتاريخ يتمتع بوظيفة معرفية وتربوية، بينما الفن يتميز بتعددية مهامه ووظائفه.

فما هو الفيلم الروائي التاريخي؟ هل هو الفيلم الذي يحكي او يروي قصص الماضي او ينقل هذا الماضي عبر الصورة كما هو او كما حدث بكل تفصيلاته؟ ام هو وهم ورواية متخيلة؟ يبرر البعض ما نجده من مغالطات تاريخية أو دينية بأن التاريخ واحداثه تنقصه الدراما، لهذا يلجأ الكتاب لاضافة احداث جانبية وقصص خيالية بعيدا عن الحقيقة، ووصلنا لنتيجة اخرى عند تحليلي لفيلم الام المسيح وهو ان اللوحات التشكيلية تعتبر مرجعية فنية للمخرج لنسج وبناء لقطاته. ولكن تبقى الحقيقة كما اطلقت عليها من قبل فهى غضبة لله يدافع عنها الأزهر الشريف وعلماؤه فمنع تجسيد الأنبياء والصحابة قاعدة فقهية.

بعد مرور عدة أشهر على أزمة عرض فيلم نوح، أصدر جهاز الرقابة على المصنفات الفنية في مصر قرارًا بمنع عرض الفيلم اﻷمريكي “Exodus: Gods and Kings” للمخرج ريدلي سكوت وبطولة كريستيان بيل في مصر.

وصرح وزير الثقافة جابر عصفور أن منع الفيلم بسبب تزييفه لحقائق تاريخية ودينية فيما يتعلق بهروب النبي موسى من مصر، كما يشكك في واحدة من معجزات موسى المذكورة في القرآن وهي معجزة شقه البحر إلى نصفين، بالإضافة إلى تأكيده معلومة صهيونية مزيفة تاريخيا وهي قيام اليهود ببناء الأهرامات.

أكد علماء بهيئة كبار العلماء بالأزهر، حرمانية مشاهدة تلك الأعمال، بالإضافة إلى تحريم تجسيد الأنبياء، فيما أكدت الفتاوى الشيعية أنه لا يوجد دليل شرعي على تحريم التجسيد. وقال الدكتور محمود مهني عضو هيئة كبار العلماء، إن تجسيد الأنبياء والصحابة محرم شرعاً، فنحن نؤمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً ونؤمن بالأنبياء الموجودين في القرآن الكريم والذين لم يذكروا ونحترمهم ونجلهم وأمرنا كذلك أن نحترم أولي العزم من الرسل وهم خمسة سيدنا محمد وموسى وعيسى وإبراهيم ونوح. وأضاف أنه من أجل ذلك يجب أن نحترم الأنبياء قولاً وفعلاً فلا يجوز لنا أن نمثل نوح أو موسى أو عيسى وما ينطبق على النبي ينطبق على النبيين السابقين. فما بالك تجسيد الذات العليا ( الله سبحانه وتعالى ) فهى مرفوضة بكل الاشكال

الفيلم نفى اى من الصفات الروحية للدين ونزع اى قداسة سواء من الله سبحان وتعالى او للرسول المبعوث وجعل الدين مجرد فعل انسانى اى من صنع الانسان والادلة على ذلك هى : تصوير الاله ( رب العزة سبحانه وتعالى ) كطفل وهو بالمنطق غير راشد والراشدين هم اصحاب العقول النيرة واصحاب الحداثة فقط !!

حوارات موسى مع الاله والندية فى التعامل وكأن الامر ليس امر الهى الى رسول يقول سمعا وطاعة

الفيلم نسف كافة المعارف والايات المعلومة عن سيدنا موسى كرسول واولها العصا التى سأله الله عنها – العصا التى اظهرها لفرعون واصبحت ثعبان – العصا التى ابتلعت كل العاب السحرة .. كل هذا ليؤكد صناع القيلم ان موسى ليس برسول !!

على المستوى التقنى كان الفيلم متفردًا كاخراج وانتاج سخى للغاية وسيطرة على المجاميع الكبيرة والملايس كانت ممتازة .والموسيقى كانت مبهرة جدا. والصور المعروضة فائقة الجمال خاصة استخدام الناى .. كل من ظهر على الشاشة من الممثلين كان منغمس فى الشخصية بشكل رائع، وكان احد الابطال الحقيقون للفيلم هم من خلف الكاميرا من ماكيير وفنون الجرافيك التى كانت على اعلى مستوى .

كل هذا الجمال كان لسبب واحد فقط وهو تسويق القبح الحقيقى وهو ان الدين ليس من الله بل منا نحن اصحاب العقول والتكنولوجيا الحديثة

الفيلم يواجه موجة من الإنتقادات، حيث إعترض النقاد الأجانب على عدم تصوير الفيلم فى مكانه الطبيعى، وهو مصر، وفى نفس الوقت على إعتماد مخرج الفيلم على الإستعانة بفنانين من أصحاب البشرة البيضاء، وهو الأمر البعيد شكليا عن الفراعنة، الذين كانوا يتمتعون ببشرة سمراء.

من جانبه علق عالم الآثار الدكتور زاهى حواس وزير الآثار الأسبق على ذلك قائلا لـ «اليوم السابع» إن ذلك يعد تشويها متعمدا للحضارة الفرعونية،وأوضح زاهى حواس أنه يجب تقديم أفلام سينمائية على مستوى عالمى للحد من تعمد تشويه التاريخ المصرى.

يحتوي الفيلم على أكثر من مغالطة تاريخية إلى جانب الأخطاء الدينية، ربما أهمها زعمه مشاركة اليهود في بناء أهرام الجيزة، ودور اليهود في مصر، ثم زعمه أن اليهود خرجوا من مصر بسبب زلزال أرضي وليس بسبب معجزة شق البحر بعد مطاردة فرعون وجنوده لهم، وهو الأمر الذي أعلنه مخرج الفيلم في تصريحات صحفية له في الكثير من المواقع الإخبارية العالمية، وكذلك تلك التصريحات التي أدلى بها بطل الفيلم كريستيان بيل وتطاول فيها على سيدنا موسى

والفيلم إخراج الهوليوودي، ذي الأصل البريطاني ريدلي سكوت، أحد أهم المخرجين الذين أبهروا العالم بأفلام الدراما والأكشن في القرن العشرين، وبلغت ميزانية الفيلم 150 مليون دولار أمريكي، وتم بناء الاستوديو في شهرين، أما التصوير الخارجي فتم في استوديوهات “غابة الصنوبر” في المغرب، وتم تصوير بعض المشاهد في لندن، وإسبانيا وفي جزر الكناري، إضافة إلى التصوير في بعض المعابد الفرعونية في “أسوان” .

وحول كيفية دخول فريق العمل إلى مصر والتصوير في أسوان، دون الاطلاع على سيناريو الفيلم، والوقوف على الأخطاء التاريخية والدينية به، قال الدكتور عبدالستار فتحي، مدير الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات في مصر: الإدارة تعرضت لخدعة، حيث دخل فريق الفيلم مصر في وقت كانت السياحة فيها تعاني بشكل كبير، بحجة تصوير فيلم عن السياحة والآثار، ولهذا لم نطلب سيناريو العمل، كما هو متبع في أي فيلم يتم تصويره على أرض مصر، فقاموا بالتصوير في محافظة أسوان (جنوبي مصر) تحت هذا الزعم .

ورغم التباس المفاهيم الدينية التي يطرحها سكوت في فيلمه، إلا أن الرسالة السياسية للعمل تؤكد بناء اليهود الأهرام الثلاثة، وعلى الوعد الإلهي لهم بأرض الميعاد، وهي مزاعم “صهيونية” وليست يهودية.

وختاماً، طووف وعلم اولادك سر الحروف.علمهم التفرقة بين الاسرائيليات وبين مصداقية كتاب الله وتاريخنا الإسلامى وتاريخنا المصرى العريق.