عائشة التيمورية خنساء العصر الحديث وذكري رحيلها

7

كتب وجدي نعمان

التاريخ الإسلامي حافل بذكر العالمات الأدبيات من النساء في عصوره كلها، وفي كتب الجرح والتعديل ذكر المئات من المحدثات اللائي كنا أساتذة الرجال، وكثير من المحدثين عندما يذكرون أساتذتهم، يعدون أساتذة من النساء، وهذه هي الشاعرة الأديبة الكاتبة التي سبقت زمانها، والتي كانت أعجوبة في بيانها، إنها امرأة خلدها البيان، إنها السيدة عائشة عصمت بنت إسماعيل باشا ابن محمد كاشف تيمور، واشتهرت بعائشة التيمورية، وهي أخت العلامة المحقق أحمد تيمور، وعمة رائد الأقصوصة العربية ابنه محمد تيمور، وأخيه كبير القصصيين محمود تيمور.

 هي  ابنة إسماعيل باشا تيمور رئيس القلم الإفرنجي للديوان الخديوى في عهد الخديوى إسماعيل “وهو منصب يعادل منصب وزير الخارجية حاليًا”، ثم أصبح رئيسًا عامًا للديوان الخديوى.

ــ اسم والدتها هو ماهتاب هانم وهى شركسية تنتمى للطبقة الارستقراطية.

ــ والدتها أخت العالم والأديب أحمد تيمور ولكن من أم أخرى هي مهريار هانم وهي شركسية الأصل، وعمها الكاتب المسرحى محمد تيمور، والكاتب القصصي محمود تيمور.

ــ كانت عائشة التيمورية تعشق المطالعة، مثل والدها، إلا أن أمها كانت تعارض هذا وأصرت على أن تتعلم عائشة ما تتعلمه الفتيات.

ــ استمرت عائشة في المطالعة، فتفهم أبوها طبعها فأحضر لها أستاذين أحدهما لتعليم اللغة الفارسية والآخر للعلوم العربية.

ــ تزوجت وهى في الرابعة عشرة من عمرها سنة 1854 من محمد بك توفيق الإسلامبولى.

ــ هيأت لها حياتها بعد الزواج أن تستزيد من الأدب واللغة، فاستدعت سيدتين لهما إلمام بعلوم الصرف والنحو والعروض، ودرست عليهما حتى برعت.

ــ أتقنت نظم الشعر باللغة العربية، كما أتقنت اللغتين التركية والفارسية، وقد أخذتهما عن والديها.

ــ انقطعت عن الشعر والأدب، عندما فقدت عائشة ابنتها توحيده التي توفيت في سن الثانية عشر وظلت سبع سنين ترثيها حتى ضعف بصرها وأصيبت بالرمد،  وأحرقت في ظل الفاجعة أشعارها كلها إلا القليل.

ــ لها ديوان باللغة العربية باسم (حلية الطراز) وآخر بالفارسية طبع بمصر وبالأستانة وبإيران، ولديها رسالة في الأدب بعنوان “نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال” طبعت بمصر وتونس، كما لديها رواية بعنوان “اللقا بعد الشتات”.

مولد عائشة التيمورية ونشأتها

ولدت عائشة التيمورية سنة 1256هـ= 1840م، ونشأت في أسرة تركية غنية فتعلمت القراءة والكتابة في القصر على طريقة بنات الأكابر، فتنبهت في نفسها الرغبة في المطالعة والإشراف على مجالس العلم في القصر، فأخذت النحو والعروض عن فاطمة الأزهرية وستيتة الطبلاوية، وأخذت الصرف والفارسية على علي خليل رجائي، وأخذت القرآن والخط والفقه على إبراهيم تونسي، وحفظت عشرات الدواوين، وطالعت كتب الأدب حتى صارت تنظم الشعر بالعربية والفارسية والتركية ولها دواوين فيها جميعًا.

مكانة عائشة التيمورية الأدبية

استطاعت عائشة التيمورية كتابة الشعر بالعربية والتركية والفارسية، وعاشت أيامها الأخيرة في القاهرة بعد وفاة زوجها الذي كان قد اصطحبها إلى اسطنبول‏، وعندما ماتت ابنتها وهي شابة‏، رثتها في عدة قصائد تُعد من أفضل المرثيات في العصر الحديث، وقد جمع شعرها في ديوان باسم “حلية الطراز”.
نشرت عائشة في جريدة الآداب والمؤيد عدداً من المقالات عارضت فيها آراء قاسم أمين، وكانت أسبق في الدعوة إلى تحسين أحوال المرأة والنهوض بها من قاسم أمين، ومهدت السبيل في مجال المقالة الاجتماعية لباحثة البادية.

وفاقت عائشة التيمورية أدباء عصرها، وسبقت في مضمار الرثاء العاطفي أدباء العصور كلها، وكانت واحدة جمعت عجيبتين اثنين:

أولهما: أنها مجودة، والمجودات في الشعر من النساء أقل من القليل، لا في العربية وحدها، بل في كل ألسنة العالم.

والثانية: أنها نشأت في عصر النساء فيه كن أسيرات الجهل، وضيق الفكر واستبداد الرجل، فكان من أعجب العجاب أن تنشأ فيه شاعرة مجودة وكاتبة بليغة.

لم يفوق عائشة التيمورية من شعراء عصرها إلا البارودي، والساعاتي، ولها كتابة منها المسجع، ومنها المرسل، ومنها البليغ، وهي أول من دعا إلى تعليم المرأة، ولها في ذلك مقالات وأشعار، وكانت تحبّذ الحجاب، وترى أنه لا يمنع من العلم والأدب، ولها قصيدة مشهورة في ذلك:

بيد العفاف أصون عز حجابي … وبعصمتي أسمو على أترابي
وبفكرة وقادة وقريحة … نقادة قد كملت آدابي
ما ضرني من أدبي وحسن تعلمي … إلا بكوني زهرة الألبابِ
ما ساءني خدري وعقد عصابتي … وطراز ثوبي واعتزاز رحابي
ما

ما مؤلفاتها فهي كالتالي:
 
نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال:
وهو كتاب عربي، فيه قصص لتهذيب النفوس، أسلوبه إنشائي وقد تم طبعه سنة 1888.
مرآة التأمل في الأمور:
وهي رسالة باللغة العربية، تتضمن 16 صفحة في الأدب، دعت فيه الرجال إلى الأخذ بحقهم من الزعامة والقوامة على المرأة دون تفريط في واجبهم نحو المرأة من الرعاية والتكريم، وقد تم طبعه قبل سنة 1893.
حلية الطراز:
وهو ديوان لمجموعة أشعارها العربية، وقد تم طبعه في القاهرة.
شكوفة أو (ديوان عصمت):
هو ديوان أشعارها التركية، وهو يحتوي على بعض الأبيات التي قالتها الشاعرة في أبنتها توحيدة التي فقدتها.

عاقني خجلي عن العليا ولا … سدل الخمار بلمتي ونقابي

نشرت عائشة في جريدة الآداب و المؤيد عددا من المقالات عارضت فيها آراء قاسم أمين و دعوته إلى السفور ، و من آثارها الأدبية الأخرى «مرآة التأمل في الأمور» و كتاب يضم مجموعة من القصص باسم «نتائج الأحوال في الأقوال و الأفعال» ..
..

عائشة التيمورية … ورثاء ابنتها

عاشت عائشة التيمورية في سعة من العيش، وربيت في العز والدلال، ولكن الدهر رماها بالنكبة التي تصدع قلوب الأبطال من الرجال، وأصابها بما لم تطق له احتمالًا، كانت لها بنت بلغت ثماني عشرة سنة وتزوجت، فما مر على عُرسها شهر حتى أصابها مرض مفاجئ فماتت.

وروعت عائشة الصدمة وشهدتها، ولم تستطع التصبر، ونسيت كل شيء إلا ابنتها، وتركت كل شيء إلا الانقطاع لرثائها، ولبثت على ذلك سبع سنين كوامل قالت فيها قصائد تبكي الصخر وتحرك الجماد، وأثر طول البكاء في عينيها فلم تعد تبصر، ثم ألهمها الله الصبر بعد سبع سنين، وشُفي بصرها، ولكنها لم تنسى هذه النكبة أبدًا، وهاكم أبياتًا من قصيدة في رثاء ابنتها تقول فيها:

بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي … قد زال صفو شأنه التكدير
والله لا أسلو التلاوة والدعا … ما غردت فوق الغصون طيور
كلا ولا أنسى زفير توجعي … والقد منك لدى الثرى مدثور
إني ألفت الحزن حتى أنني … لو غاب عني ساءني التأخير
قد كنت لا أرضى التباعد برهة … كيف التصبر والبعاد دهور
أبكيك حتى نلتقي في جنة … برياض خلد زينتها الحور

وفاة عائشة التيمورية

توفيت عائشة التيمورية في سنة 1320هـ= 1902م، ولها من الكتب مرآة التأمل في الأمور، ونتائج الأحوال في الأقوال والأفعال في الأدب، وحلية الطراز وهو ديوان شعرها العربي، وكشوفة وهو ديوان شعرها التركي[1].  

استحقت أن يؤول إليها اسم الشارع، بعدما عرف في البداية باسم “الوالدة باشا” أم الخديوى إسماعيل وزوجة إبراهيم باشا، لكن لم يعمر اسمها طويلًا في المنطقة فقد أطيح به من القصر والشارع، فعندما توفى الخديوى إسماعيل عام 1895 بالأستانة، ونقل جثمانه إلى القاهرة، كشفت وصيته أنه باع القصر العالي الذي كانت تسكنه والدته لزوجاته الثلاث، وكان هذا سببًا لخلاف كبير بين ورثته، فذهب الشارع بعدها لاسم عائشة التيمورية.

أشجار شاهقة الارتفاع تزين جانبية حتى أصبحت كالبوابات تستقبل الزائرين المتألقين، شارع تمنى الكثيرون دخوله إلا أنهم حرموا منه، فاكتفوا بالمرور بجواره وسماع قصصه وحكاياته، واليوم يمرون به خنقا وغيظا من تاريخ الشارع الذي حرم على عامة الشعب دخوله وسمي باسم سيدة حيرت الكثيرين حول هذا شارع، عائشة التيمورية.

انغلق الشارع على قاطنيه، وانحسر دخوله على الأمراء والمقربين من العائلات الملكية، الشارع يحتضن قصورا ملكية، جمعت بداخلها عائلات وأسر ارستقراطية، بدأ بممر صغير تظلله الأشجار الكثيفة بين قصور أمراء أسرة محمد علي، وأولها القصر العالي الذي بناه إبراهيم باشا بن محمد علي، وكان يمتد من نهر النيل إلى شارع قصر العيني.