أخبارالسياسة والمقالات

عارف من القرن السابع الهجري سلطان العلماء الإمام (العز بن عبدالسلام 

إعداد/ د. محمد احمد غالى
الإمام العز بن عبدالسلام الفقيه الدمشقي هو : ” أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن مهذّب السُلمي” واشتهر باسم العزّ بن عبد السلام. لقب بسلطان العلماء وبائع الملوك والأمراء، وهو أشعرى العقيدة، شافعي المذهب. وُلد الإمام العز بن عبد السلام في عام ٥٧٧هـ بمدينة دمشق. نشأ في أسرة رقيقة الحال، فلم يتهيأ له أن يبدأ التعلم صغيراً، إلا أنه حين بدأ التحصيل أقبل عليه بهمة لا تعرف الملل، وفؤاد ذكي، وتطلُّع إلى رضوان الله، ففاق الأقران، وصار عَلَم الزمان. لم يطلب العزُّ العلم صغيراً كغيره من الأئمة المشهورين بل طلب العلم متأخراً كابن حزم، وحصل الكثير والكثير حتى كان له باع في شتى العلوم الشرعية. تلقى العلم في دمشق التى كانت منذ العصر الأموي تذخر بالعلماء، ويؤمها الجميع من المشرق والمغرب، وكانت تتميز وقتها بحسن العلم وسطوع نجم العلماء. انقطع المريد الشاب العز بن عبدالسلام آنذاك للعلم والدرس، فحفظ المتون وتردد على كبار الشيوخ فى عصره، وجلس إلى العلماء واقتدى بهم، وبلغ من الذكاء والفطنة أنه كما قال السبكى عنه: “أعلم أهل زمانه ومن أعبد خلق الله تعالى”، وعن نفسه يقول ابن عبدالسلام: “ما احتجت فى علم من العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذى أقرأ عليه إلا وقال لى الشيخ: قد استغنيت عنى، فاشتغل مع نفسك، ولم أقنع بذلك، بل لا أبرح حتى أكمل الكتاب الذى أقرأه فى ذلك العلم”. تلقى العز بن عبد السلام العلم على جلة علماء دمشق وبغداد والقاهرة، وقد ذكر ابن السبكي أهم شيوخ العز وأشهرهم وبين اختصاصهم، فقال: “تفقه على الشيخ فخر الدين بن عساكر، وقرأ الأصول على الشيخ سيف الدين الآمدي وغيره، وسمع الحديث من الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر، وشيخ الشيوخ عبد اللطيف بن إسماعيل بن أبي سعد البغدادي، وعمر بن محمد بن طَبَرْزَد، وحنبل بن عبد اللطيف الرصافي، والقاضي عبد الصمد بن محمد الحرستاني، وغيرهم، وحضر على بَرَكات بن إبراهيم الخُشُوعي”. جمع العز في تحصيله بين العلوم الشرعية والعلوم العربية، فدرس التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، والحديث وعلومه، واللغة والتصوف، والنحو والبلاغة وعلم الخلاف. كان أكثر تحصيله للعلم في دمشق، ولكنه ارتحل أيضا إلى بغداد للازدياد من العلم، فقد كانت الرحلة لطلب العلم قد أصبحت قاعدة مستقرة في الحضارة الإسلامية، وتعتبر منقبة ومفخرة ومزية لصاحبها. رحل العز إلى بغداد في ريعان شبابه عام ٥٩٧هـ وأقام بها أشهرا، يأخذ العلوم والمعارف، ثم عاد إلى دمشق. برز الإمام العز بن عبدالسلام في عصر الحروب الصليبية وعاصر الدول الإسلامية المنشقة عن الخلافة العباسية في عصرها الأخير. كان له نشاط في ريادة الدعوة لمواجهة الغزو المغولي التتري ووقوفه إلى جانب الحكام الذين قادوا المقاومة والحرب الدفاعية ضد الغزاة – ووقوفه خاصة بجانب السلطان المملوكي قطز الذي كان قائد قوات السلطان عز الدين أيبك؛ ومن أغرب وأطرف مسائله؛ إفتائه بملكية المماليك للشعب و إمكانية بيعهم لصالح الشعب في الوقت الذي كان المماليك يحكمون ويسوسون الشعوب العربية كالمصريين. كان للإمام العز دورا بارزا فى معركة عين جالوت الفاصلة بين التتار والمسلمين، والتى جاءت فى أصعب وأخطر الأوقات فى التاريخ الاسلامي. كان التتار خطرا حقيقيا يهدد العالم الاسلامي والعالم أجمع بالفناء والدمار والإبادة، بقيت مصر الحصن الاسلامي الأخير فى مواجهة ومجابهة هذا الخطر المحدق. جاءت معركة عين جالوت بعد انتكاسات مريرة لدول ومدن العالم الإسلامي، وكانت مصر في تلك الفترة تئِنُّ من الصراعات الداخلية والتي انتهت باعتلاء سيف الدين قطز عرش مصر (عام ٦٥٧ هـ الموافق لعام ١٢٥٩م) سلطانا لمماليك مصر. جمع قطز القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم فيما يلزم لمواجهة التتار وأن بيت المال بحاجة إلى أموال الشعب ليتمكن من الجهاد، ووافقه جُلّ الحاضرين على جباية الضرائب لهذا الأمر، ولم يذْكروا ما عند الأمراء من أموال. وعندئذ تكلم العز فقال: “إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وبشرط أن يؤخذ كل ما لدى السلطان والأمراء من أموال وذهب وجواهر وحُليّ، ويقتصر الجند على سلاحهم ومركوبهم، ويتساووا والعامة…” وكانت الكلمةُ كلمةَ عز الدين، وراح يعبّئ النفوس، ويشحنها بالإيمان، ويحرّض المؤمنين على القتال، وخرج الجيش من مصر على أكمل استعداد، وبلغوا سهل عين جالوت الذي يقع تقريباً بين مدينة بيسان شمالاً ومدينة نابلس جنوباً في الوسط الشرقي من فلسطين في ٢٥ رمضان لعام ٦٥٨ هـ، وفيها تواجه الجيشان الإسلامي والمغولي، واستمرّ الشيخ يُذكي روح العزيمة، ويذكّر بنصر الله، وعظيم فضل الجهاد والمجاهدين، ومكانة الشهيد عند الله. وكانت المعركة الهائلة التي حارب فيها جيش الإسلام تحت صيحات : «الله أكبر، واإسلاماه» واندحر جيش التتار في عين جالوت.
وكانت الغلبة للمسلمين، واستطاع الآلاف من المغول الهرب من المعركة واتجهوا قرب بيسان، وعندها وقعت المعركة الحاسمة وانتصر المسلمون انتصاراً عظيماً، وأُبيد جيش المغول بأكمله، ونصر الله المسلمين نصرا عزيزا مؤزرا .
ترك العز بن عبدالسلام تراثا علميا ضخما في علوم التفسير والحديث والسيرة والعقيدة والفقه وأصول الفقه والزهد والتصوف وتلاميذ جهابذة، وحارب البدعة وأحيا السنة. يعد من أبرز مؤلفاته ما يلى : (تفسير العز بن عبد السلام، الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، أمالي عز الدين بن عبد السلام، بداية السول في تفضيل الرسول، الفرق بين الإسلام والإيمان، شجرة المعارف، الغاية في اختصار النهاية، الجمع بين الحاوي والنهاية، مختصر الرعاية، القواعد الكبرى في فروع الشافعية، القواعد الصغرى، مسائل الطريقة في علم الحقيقة، قواعد الإسلام، عقائد الشيخ عز الدين، نهاية الرغبة في أدب الصحبة).
من أقوال الإمام العز بن عبد السلام الحكيمة السديدة : قال الإمام العز بن عبد السلام في حكم الالتزام برسم المصحف العثماني: “لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة؛ لئلا يوقع في تغيير من الجهال”. وقال فيمن أتلف مال غيره بغير حق: “من وضع يده خطأ على مال غيره لزمه ضمانه إلا الحكام وأمناء الحكام”. كما قال في السعي في طلب الرزق، وتحصيل ما يعود على النفس بالنفع في الدنيا والآخرة: “واعلم أن مصالح الآخرة لا تتم إلا بمعظم مصالح الدنيا كالمأكل والمشارب والمناكح وكثير من المنافع”. ولما سُئل العز عن الإنشاد والتواجد والرقص والسماع أجاب : “الرقص بدعة، لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلا للنساء، وأما سماع الإنشاد المحرك للأحوال السَّنِيَّة بما يتعلق بالآخرة فلا بأس به، بل يندب إليه عند الفتور وسآمة القلوب، لأن الوسائل إلى المندوب مندوبة، والسعادة كلها في اتباع الرسول ﷺ واقتفاء أصحابه الذين شهد لهم بأنهم خير القرون، ولا يَحضُرُ السماعَ مَنْ في قلبه هوى خبيث، فإن السماع يُحرك ما في القلوب من هوى مكروه أو محبوب، والسماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم، وهم أقسام”.
أثنى عليه كثير من العلماء، قال عنه تاج الدين السبكي: “شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء، إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه، المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمقاصدها، ولم ير مثل نفسه، ولا رأى من رآه مثله علمًا وورعًا وقيامًا في الحق، وشجاعة، وقوة جنان، وسلاطة لسان”. وقال عنه تلميذه أبو شامة: “كان أحق الناس بالخطابة والإمامة، وأزال كثيرًا من البدع التي كان الخطباء يفعلونها: من دق السيف على المنبر، وأبطل صلاتي الرغائب، ونصف شعبان”. أما ابن كثير فقد قال : “العز بن عبد السلام شيخ المذهب، ومفيد أهله، وله مصنفات حسان، وبرع في المذهب، وجمع علومًا كثيرة، وأفاد الطلبة، ودرَّس بعده مدارس، وانتهت إليه رياسة الشافعية، وقُصِدَ بالفتاوى من الآفاق”. وكان من أمثال مصر: «ما أنت إلا من العوام ولو كنت ابن عبد السَّلام». يقول محمد الزحيلي: “والخلاصة أننا نرى أن العز كان صوفياً حسب قواعد الشرع، ومن الناحية الفكرية والقلبية والروحية، وبحسب المعنى العام الوارد في الشرع عن هذا الجانب التربوي في الإسلام، وأنه ملتزم بكل ما جاء في القرآن والسنة من التربية الروحية والقلبية والتهذيب النفسي، ولم يكن متصوفاً بالمعنى الاصطلاحي والعرفي، ولم ينتسب إلى طريقة يلتزم بطقوسها ومصطلحاتها وقواعدها، ولم يدخل في المتاهات الغامضة التي تحتمل الظاهر والباطن، والصحيح والفاسد”. تخرَّج على يد العز بن عبد السلام طلاب كثيرون، منهم شيخ الإسلام ابن دقيق العيد مجدّد القرن الثامن (محمد بن علي بن وهب القشيري: ٦٢٥- ٧٠٢ هـ)، وهو الذي لقّبه بسلطان العلماء، ومنهم جلال الدين الدشناوي الزاهد الورع شيخ الشافعية بـ”قوص” في صعيد مصر، ومنهم المؤرخ أبو شامة المقدسي. وبعد عطاء كريم فى حياة كريمة حافله بالعلم والأخلاق والعطاء وعامرة بالتقوى والصلاح والإيمان توفي الإمام العزّ بن عبدالسلام في القاهرة، في ١٠ جمادى الأولى لعام ٦٦٠ ه‍ ، الموافق لعام ١٢٦٢م، عن عمر يقارب الثلاثة والثمانين عاماً. دُفن العز بن عبد السلام في ضريح بمنطقة البستانية في القاهرة، بالقرب من جبانة الإمام الليث وجبانة التونسي، وهو الآن بحالة خربة وإن كانت بقاياه تدل على أنه يشبه إلى حد كبير من الناحية المعمارية القباب التي أقيمت في أوائل العصر المملوكي، مثل قبة شجر الدر، وقبة الأشرف خليل بن قلاوون، وقبة الخلفاء العباسيين وكلها ترجع إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري. رحم الله الإمام العز بن عبدالسلام ورضي عنه وأرضاه وأجزل له العطاء إنه بكل جميل كفيل.

قد تكون رسمة لـ ‏معبد‏

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى