عرفات الخير دعاء مستجاب الجزء الأول

134

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
لبيك اللهم لبيك..لبيك لا شريك لك لبيك
إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
إنه أعظم الأيام مثوبة وأجرا وحضورا من ملائكة الرحمن، مباهاة بعباد الله أهل الأرض لأهل السماء.
يا له من ثناء وسناء وفداء وشفاء
يوم يجاب ويستجاب فيه الدعاء
فمن بين الليالي والأيام، والشهور والأعوام، تمنح المنح من الله تعالي لعباده ، ليوجد لهم الخير والرضا والسعادة والمحبة والسرور والهداية .
فهي مواسم للخيرات، وأزمنة للطاعات، تزداد فيها الحسنات، وتكفر فيها السيئات، ومن تلك الأزمنة العظيمة في الأجر يوم عرفة.
لماذا سمي يوم عرفة بهذا الاسم؟
يعدّ يوم عرفة من أعظم الأيّام التي تمرّ على المسلمين؛ إذ أنّه يوم توبة وإنابة العباد إلى ربّهم -عزّ وجلّ-، كما أنّه يوم الطاعات والعبادات التي تقرّبهم منه -سُبحانه-، ليُدركوا بأنّ ما أعدّه له من الأجر والثواب خيرٌ من الدُّنيا وما فيها من ملذّاتٍ وأهواءٍ، ولذلك يُستسحن بكلّ مُسلمٍ الإقبال على الطاعات والعبادات فيه، واستغلاله بما يحقّق رضى الله -سُبحانه-، ويقي النّفوس من الشحناء والبغضاء.
وجاء في سبب تسمية يوم عرفة بهذا الاسم وردت العديد من الأقوال في بيان سبب تسمية يوم عرفة بهذا الاسم؛ فقيل لأنّ الوقوف في عرفة يكون فيه، وقيل لأن إبراهيم -عليه السلام- عَلِمَ في ذلك اليوم أنّ رؤيته حقٌّ،
(شمس الدين الزركشي (1993)، شرح الزركشي (الطبعة الأولى)، صفحة 640، جزء 2).
، إذ كان قد رأى في منامه ليلة التروية أنّه يذبح ابنه إسماعيل -عليه الصلاة والسلام-، وقد تروّى بالحكم إن كان من الله أم لا، ثمّ عَلِم أنّه من الله -سُبحانه- في الليلة التالية.
(شمس الدين ابن المفلح (2003)، الفروع وتصحيح الفروع (الطبعة الأولى)، صفحة 88، جزء 5)
وقيل إنّه سُمّي بذلك من العَرْفِ؛ أيّ الطِّيبُ، وقيل لأنّ العباد يعترفون فيه بما فعلوه من ذنوبٍ،
( محمد البركتي (1986)، قواعد الفقه (الطبعة الأولى)، صفحة 558).
وقال النّسفي رحمه الله : إنّه سُميّ بيوم عرفة لأنّ لقاء آدم بحوّاء كان في ذلك اليوم عند جبل عرفات، إذ كانا قد افترقا بعد هبوطهما من الجنّة،
(الحسين بن محمود البغوي (1420)، معالم التنزيل في تفسير القرآن (الطبعة الأولى)، بيروت: دار إحياء التراث العربي، صفحة 254، جزء 1)
، وقيل إنّه سُميّ بيوم عرفة؛ لعلوّ العباد فيه على الجبل، إذ كانت العرب تُطلِق على ما علا عن الأرض عرفة.
( وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، صفحة 337، جزء 45).
وقد تضافرت النصوص من الكتاب والسنة على فضله :
فيوم عرفة هو أحد أيام الأشهر الحرم قال الله- عز وجل- :
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) [سورة التوبة ، الآية: 39].
والأشهر الحرم كما هي معلومة : ذو القعدة ، وذو الحجة ، ومحرم ، ورجب ويوم عرفه من أيام ذي الحجة.
و يوم عرفة أحد أيام أشهر الحج قال الله – عز وجل- : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)
[سورة البقرة ، الآية: 197]
وأشهر الحج كما هي معلومة :
شوال ، ذو القعدة ، ذو الحجة.
ويوم عرفة هو أحد الأيام المعلومات التي أثنى الله عليها في كتابه قال الله – عز وجل- : (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)
[سورة الحج ، الآية:28].
قال ابن عباس –رضي الله عنهما : الأيام المعلومات : عشر ذي الحجة.
و يوم عرفة هو أحد الأيام العشر التي أقسم الله بها منبها على عظم فضلها وعلو قدرها قال الله – عز وجل- :
(وَلَيَالٍ عَشْرٍ )
[سورة الفجر ، الآية:2].
قال ابن عباس – رضي الله عنهما – :
إنها عشر ذي الحجة قال ابن كثير: وهو الصحيح.
و يوم عرفة هو أحد الأيام العشرة المفضلة في أعمالها على غيرها من أيام السنة: قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(ما من عمل أزكى عند الله – عز وجل- ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى قيل: ولا الجهاد في سبيل الله – عز وجل- ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله – عز وجل- إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)
(رواه الدارمي)
ويوم عرفة هذا اليوم الذي أكمل الله فيه الملة، وأتم به النعمة، قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- ، أن رجلا من اليهود قال :
يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال : أي آية؟ قال: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا)
[ سورة المائدة ، الآية:5].
قال عمر – رضي الله عنه- :
قد عرفنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.
ولذلك كان صيام يوم عرفة أجره عظيم:
فقد جاء الفضل في صيام هذا اليوم على أنه أحد أيام تسع ذي الحجة التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على صيامها ، فعن هنيدة بن خالد-رضي الله عنه- عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :
(كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر : أول اثنين من الشهر وخميسين)
(صححه الألباني في كتابه صحيح أبي داود) .
كما جاء فضل خاص لصيام يوم عرفة دون هذه التسع قال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن صيام يوم عرفة :
” يكفر السنة الماضية والسنة القابلة)”
(رواه مسلم في الصحيح ).
وهذا لغير الحاج وأما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف.
ويوم عرفة هو يوم العيد لأهل الموقف قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام )
(رواه أبو داود وصححه الألباني) .
ومن هنا عظم الدعاء يوم عرفة والمسلم العاقل يدعوا الله بما شاء ويكثر في الدعاء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(خير الدعاء دعاء يوم عرفة )
(صححه الألباني في كتابه السلسة الصحيحة). قال ابن عبد البر – رحمه الله – : وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره.
ويكفينا في عرفة كثرة العتق من النار في يوم عرفة قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة)
(رواه مسلم في الصحيح).
ويكفي المسلم عظمة مباهاة الله بأهل عرفة أهل السماء قال النبي صلى الله عليه وسلم:
( إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء)
(رواه أحمد وصحح إسناده الألباني) .
وفي يوم عرفة ركن الحج العظيم قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(الحج عرفة)
( متفق عليه) .

اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام وزيارة قبر نبيك المصطفي صلي الله عليه وسلم خير الأنام.