عرفات الخير ..دعاء مستجاب الجزء الثاني

51

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
لبيك اللهم لبيك..لبيك لا شريك لك لبيك
إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
إنه أعظم الأيام مثوبة وأجرا وحضورا من ملائكة الرحمن، مباهاة بعباد الله أهل الأرض لأهل السماء.
يا له من ثناء وسناء وفداء وشفاء
يوم يجاب ويستجاب فيه الدعاء
يوم عرفة؛ هو اليوم التاسع من شهر ذي الحِجّة
، وهو الشهر الثاني عشر من أشهر السّنة الهجريّة، أي الشهر الأخير منها، ويأتي بعد شهر ذي القعدة، وتؤدّى فيه مناسك الحجّ، كما أنّه من الأشهر الحُرُم؛ أي الأشهر التي كان القتال مُحرّماً فيها عند العرب قديماً.
[أحمد مختار عمر (2008)، معجم اللغة العربية المعاصرة (الطبعة الأولى)، صفحة 827 ].
وليوم عرفة فضائل يوم عرفة عظيمة جداً؛ إذ إنّه يوم العتق من نار جهنّم، ومغفرة الذنوب، كما ورد عن عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها-، أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: (ما مِن يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فيه عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بهِمِ المَلَائِكَةَ، فيَقولُ: ما أَرَادَ هَؤُلَاءِ)
(رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين، الرقم: 1348، صحيح)
، لذلك يجدر بالمسلم اجتناب كلّ ما حرّم الله؛ لنَيْل العتق من النار، ومغفرة الذنب.
(محمد سعيد عبد الدايم، فضائل يوم عرفة، صفحة 11-14).
لبيك اللهم لبيك تحمل معاني الطاعة والانقياد
والقوة والاتحاد
تربط بين الماضي والحاضر
تجسد تاريخ الرجال الأقوياء…
ومن فضائل يوم عرفة؛ مُباهاة الله -تعالى- الملائكة بأهل عرفة، قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّ اللهَ عزَ وجلَّ يباهي ملائكتَهُ عشيةَ عرفةَ بأهلِ عرفةَ فيقولُ: انظروا إلى عبادي أتوني شُعثاً غُبراً).
(رواه الإمام أحمد، في مسند أحمد، عن عبدالله بن عمرو، الرقم: 12/42، إسناده صحيح ).
واعلم أن من أتمّ النِّعم التي يمنّ بها الله -تعالى- على عباده يوم عرفة؛ نزوله إلى السماء الدُّنيا، إذ قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (ما مِن يومٍ أفضلُ عندَ اللهِ مِن يومِ عرفةَ ينزِلُ اللهُ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيُباهي بأهلِ الأرضِ أهلَ السَّماءِ).[ رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن جابر بن عبدالله، الرقم: 3853، أخرجه في صحيحه].
[رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن عبد الرحمن الديلي، الرقم: 2975، حسن صحيح].
وأفضل الأعمال يوم عرفة الوقوف بعرفة حيث يعدّ الوقوف بعرفة الركن الأعظم من أركان الحجّ، فقد قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-:
(الحجُّ عرفاتٌ، الحجُّ عرفاتٌ، الحجُّ عرفاتٌ. أيامُ مِنى ثلاثٌ فمنْ تعجّلَ في يومينِ فلا إِثْمَ عليهِ ومن تأخّرَ فلا إثْمَ عليهِ، ومن أدركَ عرفةَ قبلَ أن يَطلعَ الفجرُ فقد أدركَ الحجَّ)
{محمد سعيد عبد الدايم، فضائل يوم عرفة، صفحة 31-32).
، فمن فاته الوقوف بعرفة؛ فاته الحجّ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
“الحجّ عرفة؛ أيّ هو الأصل، والباقي تَبَعٌ”، ونقل ابن قدامة إجماع العلماء على ذلك.
(رواه الإمام أحمد، في مسند أحمد، عن عبد الله بن عمر، الرقم: 7/224، إسناده صحيح).
واعلم أن ذِكْر الله تعالى يُسنّ الإكثار من ذِكْر الله -تعالى- يوم عرفة، في أي جزءٍ من أجزائه، وفي أي حالٍ من الأحوال؛ جلوساً، أو قياماً، أو إضجاعاً، ومن صور ذِكْر الله؛ التكبير، والتهليل، والتحميد، وغير ذلك، إذ قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (ما مِن أيَّامٍ أعظَمُ عِندَ اللهِ ولا أحَبُّ إليه مِن العَمَلِ فيهنَّ مِن هذه الأيَّامِ العَشرِ، فأكثِروا فيهنَّ مِن التَّهليلِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ).
[محمد صالح المنجد، 55 فائدة في يوم عرفة، صفحة 14].
( رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي قتادة الحارث بن ربعي، الرقم: 1162، صحيح)
وصيام يوم عرفة بيّن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- فَضْل صيام يوم عرفة بقَوْله: (صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتي بَعْدَهُ)
( زين الدين المناوي (1356)، فيض القدير شرح الجامع الصغير (الطبعة الأولى)، مصر: المكتبة التجارية الكبرى، صفحة 162)
وقال الإمام النوويّ -رحمه الله- مبيّناً المقصود من الحديث النبويّ: “المراد غير الكبائر”، أيّ أنّ الذّنوب التي تُكفّر بصيام يوم عرفة من غير الكبائر منها.
(رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن جد عمرو بن شعيب، الرقم: 3585، حسن)
وقال البلقينيّ أيضاً:
“الناس أقسام: منهم من لا صغائر له ولا كبائر؛ فصوم عرفة له رفع درجاتٍ، ومن له صغائر فقط، بلا إصرارٍ؛ فهو مكفّرٌ له باجتناب الكبائر، ومن له صغائر مع الإصرار؛ فهي التي تُكفّر بالعمل الصالح؛ كصلاةٍ، وصومٍ، ومن له كبائر وصغائر؛ فالمكفّر له بالعمل الصالح الصغائر فقط، ومن له كبائر فقط؛ يُكفّر عنه بقَدْر ما كان يُكفّر من الصغائر”.
[مجدي بن عبد الوهاب الأحمد، شرح حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة، الرياض: مطبعة سفير، صفحة 327، جزء 1]
ثم الدعاء في يوم عرفة فالدعاء في يوم عرفة مستحبّ الدُّعاء يوم عرفة؛ إذ إنّه من أوقات الاستجابة، كما أنّ ثوابه أعظم، قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (خيرُ الدُّعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ)، كما يُستحبّ الثناء على الله -عزّ وجلّ- قبل الدُّعاء.
وقت الدعاء في يوم عرفة يبدأ الدُّعاء يوم عرفة بعد زوال الشّمس؛ أي بعد أداء الحجّاج لصلاتي الظُّهر والعصر، جَمْعاً وقَصْراً وقت الظُّهر، بأذانٍ واحدٍ وإقامتَين، فيتوجّه الحجاجّ إلى عرفة، ويتقرّبون من الله -سُبحانه- بالدُّعاء، والذِكْر، والتلبية، والدُّعاء بعد حَمْد الله، والصلاة على النبيّ محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-، ويستمرّ الحجّاج على ذلك الحال إلى غروب الشّمس.

اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام وزيارة قبر نبيك المصطفي صلي الله عليه وسلم خير الأنام.