عش نصف حياة

22

م.عزام حدبا

 

يقول جبران “لا تجالس أنصاف العشاق، ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل”. لكن يا ترى هل نستطيع فعلا ان نعيش كما طلب منا جبران؟ ما أراه ان الحياة لا تعاش الا كنصف حياة.. واقتبس هنا من قصة الأمير الصغير مقطعا صغيرا يفسر ما اصبو اليه: قال الثعلب: أيتصيدون على ذلك الكوكب؟ قال الأمير: لا. قال الثعلب: هذا مما يغري. لكن هل هناك دجاج؟ قال الأمير: لا. قال الثعلب: ليس من شيء كامل في الكون.

 

ما من شيء كامل في هذه الأرض.. ان لم نقتنع بهذه الحقيقة سنتعذب كثيرا.. وحتى لو اقتنعنا سنتعذب ايضا.. لكنه عذاب مختلف.. عذاب ممزوج بشيء من الرضى.. تذكروا أن الحياة أنصاف كما قلنا.. لا يوجد كائن صاف بشكل مطلق بل كل الكائنات عبارة عن مزيج وأنصاف وشطور.. لا سعادة بدون حزن.. لا راحة بدون تعب.. لا لقاء بدون غياب.. او كما قال الرافعي “لولا فرحة التلاق ما كانت ترحة الفراق”.. المرأة التي ستسعدك هي من ستشقيك.. البعد متعب والقرب مرهق.. جرحك هو مرهمك.. وداءك هو الدواء..

 

مع ذلك هناك وصفة سحرية.. قل من يعرفها أو بالأحرى الكل يعرفها ولا أحد يطبقها.. انظر الى النصف الملآن من الكوب.. تجاهل النصف الفارغ.. لأنه.. لأنه فارغ.. وحينما أقول نصف اقصد به الشطر ولو كان قليلا.. ذلك انه من طبعنا التوسعة لو كان كأسك ملآنا ولا ينقص منه الا القليل فسيتوسع هذا القليل ويتوسع حتى يصبح نصفا كاملا.. هكذا خلقت حواسنا.. هكذا خلق قلبنا.. لا يستطيع ان يفهم الشطور.. لا يفهم الحياة الا بالأنصاف.. فقط العقل يقيم الأمور.. ولكن كيف للعقل أن يحكم في اختصاص القلوب؟؟ من سيسمح له بذلك؟؟ هيهات… مع ذلك لا بد من المحاولة.. ففي المحاولة عزاء.. انظر الى كل شخص بمنظار مختلف.. بمنظار ما قدمه لك وتجاهل ما لم يقدمه لك.. لأنه لم يستطع.. لأن الفرصة لم تتح له.. لأن الظروف والنصيب والأقدار منعته.. لربما لو رأينا الامور بهذا المنظار لاختلفت حياتنا ولاختلفت نظرتنا لكل الناس ولكل الأمور.. نحن نعيش في عالم ناقص ونصر على الحصول على الكمال وهذا منتهى النقص ومنتهى العجز.. تذكر هذا دوما.. عش نصف حياة تعش سعيدا.. أي نعم هي نصف سعادة.. ولكن هذا هو المتاح في عالمنا..