“عقل”..نظرة حول الواقع ولكن بآليات سينمائية

4٬594

بقلــم الأديــب المصـــرى

د. طــارق رضــوان جمعـة عقــل

السينما ليست الواقع، بل هي نظرة للواقع، نظرة الأنا للمخرج. وإذا كان هناك نقص في تصوير الواقع او

إغفال لبعض جوانبه أو تعامي، فعلى الناقد أو المتفرّج أن يتفطّن إلى ذلك. المبدع ليس نبيّا، هو إنسان

ومواطن مثل غيره، يقدّم نظرة حول الواقع ولكن بآليات سينمائية، وفنيّة، وبجمالية خاصة. ولأن المهمّ

ليس ما يقوله الشريط بل اللاوعي الكامن وراء الصور، وهو ما نسميه بالقراءة النقدية للأفلام. وكما يقول

كوندارا: “الأثر الناجح يفوق ذكاء كاتبه”، أو كما يقول آخر: “الكاتب انتقل إلى جوار ربه، عاش أثره”، خاصة

أن معنى ودلالة الأثر تزيد ثراءً مع مرور الوقت، حتى وإن كانت تحمل في طياتها تناقضات.

إن الأعمال الإبداعية تمنح المتلقي فرصة قراءة واقعه بطريقة أخرى تحرره من (ديماغوجية) الخطاب
السياسي، و(سطحية) خطاب الصحافة… حتى يُصبح هذا المتلقي عندما يستمع أو يقرأ خطابا معينا
يستحضر أيضا إرادة الشخص أو المؤسسة التي تتخفى وراء ذلك الخطاب. والسينما التي تُوصف بأنها
“ميتا- خطاب” هي التي تعطينا فرصة أن نرى إنسانيتنا، فالمبدع يتكلّم بأحاسيسه الشخصية وبأزماته

 

النفسانية، وما يصنع الفارق هو النزاهة الفكرية لدى المُبدع. السينما لها دور كبير، وخاصة السينما

 

الوثائقية، التي يتحوّل معها السينمائي إلى شاهد عيان على الحقبة التاريخية لمجتمعه.
لكن أليست وظيفة المبدع تجاوز الخطوط الحمر هذه؟ فعلا هذه هي وظيفته الحقيقية، ولكن الأمر يتعلّق

 

بكيفية “الإلتفاف” على هذه الرقابة لا المواجهة معها، من خلال كتابة وإبداعات جديدة. يقول بورخيس

 

الذي عاش في ظل الدكتاتورية في الأرجنتين: “المبدع كحبة الزيتون، لا يمكن أن تحصل منها عن الزيت إلا

 

بعد طحنها وعصرها”. وكما يُقال “الأزمة تخلق الهمة”.
ولذلك حاولت المخرجة السينمائية السعودية هيفاء المنصور ، وصاحبة أول فيلم روائي مطول يُصوّر

 

داخل المملكة. هيفاء المنصور أثارت الدهشة والفضول أينما حلّت. تشتهر هيفاء المنصور في أعمالها

 

السينمائية والتلفزيونية وفي الإعلام المكتوب باختراق جدار الصمت المحيط بحياة النساء السعوديات
ومنحهن منصة لإسماع صوتهن. فالمرأة السعودية تغيرت كثيرا في الواقع، وبات الآن في المملكة العديد

 

من كاتبات القصص والمقالات والنساء العاملات بالمجالين الإذاعي والتلفزيوني. حتى مظهر المرأة في

 

السعودية بدأ يتغير بحيث لم يعد يقتصر على ذلك الشكل الوحيد المتداول في نشرات الأخبار، والذي تبدو فيه النساء بالزي السعودي التقليدي والنقاب. فهنالك المرأة المحجبة والمرأة كاشفة الوجه. أصبح تنوع في

 

المظهر وتنوع في الفكر. والسعودية أساسا ابتدأت تتغير من بلد محافظ جدا إلى بلد أكثر اعتدالا ويوجد
فيه أكثر من صوت.
فتقول هيفاء المنصور:” لا يمكنني القول أن السينما بدأت في السعودية، ولكن هنالك ثقافة سينمائية

 

بدأت تتأصل في المجتمع، بحيث صار الناس يعرفون ما معنى فيلم قصير، وما معنى فيلم وثائقي،

 

وأصبح لدينا عدد من المخرجين المعروفين بأفلامهم الوثائقية مثل عبد الله العياف، وغيره ممن يصنعون
أفلاما ويضعونها على الإنترنت لتصبح متاحة لعامة الجمهور، لاسيّما في أوساط الشباب الذي أصبح يهتم
أكثر بالسينما ويتعاطى أكثر مع الأفلام القصيرة والوثائقية بصفتها وسيلة للتعبير.”
وتضيف هيفاء :” أنا حاولت إنجاز فيلم يحفظ صوتي كمخرجة وكاتبة، دون أن يتصادم مع الحضارة
السعودية وثقافتها المحافظة التي تهاب الفيلم وتخشاه. بالنسبة لي، كان من المهم جدا أن أصنع فيلما

 

عندما يشاهده السعوديون يشعرون أنه يتحدث عنهم ولا يتصادم معهم ويُنفرهم من السينما. وهذا صع

لأنني جلست طويلا أفكر في كيف ستكون ردة فعل الناس على هذه الكلمة أو ذاك المشهد أو تلك
الجملة، حاولت دائما أن يكون هنالك احترام للثقافة، ومن المهم جدا أن ينبع العمل السينمائي من داخل

بيئته. فأنا لا أحاول أن أكون صارخة ولكن أحاول إسماع صوتي بهدوء، أحاول خلق الحوار أكثر من إثارة

 

التصادم. من المهم جدا إقامة حوار مع الآخرين ومع المحافظين في السعودية. ليس الهدف التصادم بل

 

الاحترام والتبادل بين بعضنا البعض.”

السينما تزوّد المتفرّج بفطنة وذكاء يجعله منتبها ومتحفّزا لأشياء لم يكن يعطيها قيمة من قبل، وبذلك
يُصبح الفرد نفسه منتجا للفكر وليس مجرد متلقي، لكن في حوار وتفاعل مع الآخر. فلا يختلف إثنان في أن

 

السينما العربية البديلة نجحت نسبياً في إحتلال موطئ قدم لها على الخريطة الدولية. وتصطدم السينما

 

المستقلة أو غير التجارية في جميع أنحاء العالم بعراقيل خاصة بسبب طبيعة قضاياها النقدية وطريقة
السرد السينمائية غير المباشرة، على عكس الثقافة الفنية السائدة. لكن في العالم العربي يضاف إلى هذه
العوامل، المحرمات الدينية والمحظورات الثقافية والقيود السياسية. وبالفعل، تؤثر هذه الخصوصية على

 

 

محدودية التمويل وتنعكس على فرص تصوير الفيلم وحتى إمكانية عرضه في دور السينما.
وهذا ما أوضحته قالت المخرجة السورية سؤدد كعدان إنها واجهت صعوبات في تمويل فيلمها “لأن
المتفرج الغربي ينتظر أفلاما مليئة بمشاهد الدمار والحرب والكليشيهات عن المواطن السوري، الذي هو
بالنهاية إنسان وليس فقط ضحية أو قاتل أو جندي. وهذه الجوانب غائبة عن السينما التي تبحث عن إثارة
الحرب”.
وهذا التمويل الغربي يطرح غالبا مشكلة بالنسبة لمضمون الأفلام إذ يُتهم أولئك المخرجين العرب أحيانا

 

بالالتزام بشروط الممول الغربي في أسلوب طرح ومعالجة قضية أو قضايا الفيلم وبالتالي الابتعاد عن

 

الروح والقيم العربية…
مارسيال كنيبل: يبدو لي أن هذا الأمر يعتمد على ما يريد المخرج العربي الوصول إليه. فهل يبحث عن

 

الشهرة أو عن سوق لطرح عمله، وبالتالي فهو يُخرج الفيلم بشكل مغاير. عندما يبحث عن منتج مشارك

 

 

لشريطه ولمساعدته على فتح سوق لعمله، فهو قد يبدي استعدادا لتقديم تنازلات على مستوى الإخراج

والمونتاج، إلخ.

لكن هنالك مخرجون آخرون يبحثون عن إنجاز إبداع سينمائي ويبحثون بالتالي عن منتج مشارك لإيجاد المال

 

لصناعة ذلك الإبداع، لا أقل ولا أكثر، ولئن كانوا يريدون أن يشتهر فيلمهم. فذلك التصور (فكرة التمويل

 

الغربي) يختلف من مخرج لأخر، ففي حين يبحث البعض عن سوق، يبحث البعض الآخر عن مجال للتعبير
عن فنهم. وبالتالي، يختلف تأثير واهمية المنتج المشارك حسب الهدف الذي يرسمه المخرج لعمله.
صعوبة التطرق إلى قضايا شائكة لا يقتصر على مجال السياسة في العالم العربي، فالرقابة تطال أيضا

 

معالجة المسائل الإجتماعية الحساسة وعلى رأسها الجنس والدين. وفي هذا الصدد، يشير رائد رفاعي إلى
أن “الجهات الممولة نوعان، عربية وأخرى غربية. والجهات العربية لديها شروط معينة، كان من المستحيل

 

بالنسبة لي أن أحصل على الدعم من مؤسسة عربية”.
من جهة أخرى، فإن الصراعات السياسية الدائرة في منطقة الشرق الأوسط ليست بعيدة عن المشهد
السينمائي، فبعض الممولين والمهرجانات ترفض مشاريع وأفلاما لأنها تعكس رؤية تتعارض مع سياسة

 

الجهة الراعية للفعالية. وهناك من يستغل التمويل الأجنبي لانتقاد الفيلم ووضعه في دائرة الشك وعلى
اللائحة السوداء منذ البداية.
نجحت المرأة الإفريقية في العقود الأخيرة في أن تجد لنفسها موطئ قدم أمام عدسة الكاميرا وخلفها، إلا
أن ما تقوم به من جهد ونضال يبقى مغيبا عن الرأي العام.فهل يصح أن نتحدث عن سينما نسائية؟ وهل هي حقا
موجودة؟ الأحاسيس غير مرتبطة بالجنس! وأن هناك أفلاما خشنة جدا أخرجتها نساء، وأفلاما ناعمة جدا أخرجها
رجال. وفي العادة، الرجال هم الذين يصنعون هذه الصورة النمطية، من خلال الإيحاء بأن العواطف والأحاسيس في
أي فيلم هي صنعة المرأة.
وتذكر كلير دياو (مشرفة أحد المهرجانات السينمائية الدولية) أن الشىء المذهل حقاً، خاصة في السنوات الأخيرة، هو
الطريقة التي يصور بها المخرجون الأفارقة المرأة، ولدي إنطباع بأن هناك جرعة زائدة من الأفلام عن العاهرات،
وخاصة السمراوات، هل هذا معقول؟ أن نُظهِر المرأة إما كأم أو كأخت وإما كعاهرة، مثل هذا الشيء حرام، ولا أجد له

 

تفسيرا… وأسأل نفسي عمّا إذا كان المخرجون واعين للرسالة التي يحملونها.
وتضيف كلير أن للسينما دور فعال فى تنمية وعى الجماهير وعلى سبيل المثال، في مجال الأدب، في بلد به نسبة أمية
عالية، تتوجه الأنظار في الأساس نحو المثقفين، الذين يمكن “عزلهم” بسهولة، أما بالنسبة للفيلم، فإنه يصل إلى جميع

 

أفراد المجتمع، ومن الممكن أن يتسبب في إيقاظهم.
وترصد السينما التاريخ العربى الماضى وترسم مستقبله فقديماً أدتالثورة على حكم الإمبراطورية العثمانية إلى إنهاء
وضع دام أربعة قرون، وأدى إلى اعادة رسم خرائط المنطقة ما نجم عنه تغيّر وجه الشرق الأوسط بشكل جذري،
وقلب حياة الإنسان العربي رأسا على عقب. وعندما ننظر إلى العالم اليوم وخاصة إلى منطقتنا، نرى ان كل المشاكل
القائمة اليوم، وكل الصراعات والنزاعات، سببها المحاولات الجارية لإعادة رسم خرائط هذه المنطقة. بداية القرن
العشرين مرحلة رئيسية ومركزية لفهم التاريخ العربي الحديث والمعاصر. ليس هذا فحسب، فحياة البدو هي الأخرى
شهدت تغيرات جذرية خاصة مع وصول خط سكك حديد الحجاز، والقوى الاستعمارية البريطانية والفرنسية وطرد
العثمانيين. كل هذه المفردات نجدها في أفلام الوسترن، لذلك استوحينا هذا اللون الفني.
ولذلك تجد التشابه بين واقع البدو في الأردن، ومصير الهنود الحمر في أمريكا والسكان الأصليين في أستراليا. في
جميع هذه الحالات نجد مجموعات بشرية في مواجهة تغيّرات كبرى تعصف بنمط حياتهم ومعيشتهم، فيعانون من ذلك،
ويضطرون إما إلى مغادرة بيئتهم الحاضنة او الإنتقال إلى انماط معاشية غريبة عنهم. والسبب في أن محنة البدو ليست
معروفة على نطاق واسع هو لكون الشرق الاوسط أصلا ومنذ عقود مسرحا للنزاعات والصراعات وكل أنواع
الكوارث الإنسانية، ما لا يترك مجالا للتعرّف على قضايا أخرى أدنى خطورة ربما بالنسبة للبعض.
السينما التونسية في مُواجهة واقع مُعقّد ومتحرك: السينما التونسية بدأت تتحرّر كما تحررت الكلمة عامة (البطالة،
والهجرة، المخدّرات، الفساد الإداري،..). ثم ظهور الإسلاميين وترسيخ وجودهم كمركّب هام في المجتمع التونسي،
خلق نظرة ووضعية جديدة. لكن علينا أن نكون حذرين، ولا نطلق العنان للتفاؤل، لأن هناك رقابة ذاتية لدى المبدع،
وأصبح المجتمع أكثر فعالية في الدفاع عن قيمه. وإذا أصبح الحاكم في تونس لا يمارس الرقابة، فإن المجتمع التونسي بدأ يفرض الرقابة الأخلاقية والإجتماعية.
ويقول كمال بن ونّاس أستاذ بجامعة قرطاج و رئيس الفدرالية الإفريقية للنقد السينمائي:” الأهم من الإنتاج السينمائي هو
الثقافة. ومن يشاهد فيلما طيلة عشر سنوات، من دون أن يقرأ حوله أي تعليق أو نقد، فكأنه لم يشاهده، وقد تترسّب في ذهنه صور متواترة، بدون أن يكون لهذه الصور معنى أو ترابطا فيما بينها. النقد السينمائي في جوهره هو خطاب على الخطاب، كلام على الصور، الهدف منه إعطاء فكرة وموقف واضح لهذا الناقد، ثم منح المتفرّج فرصة ليختبر ما فهمه وما لم يفهمه، أو هو يوفّر قراءة وتأويلية أخرى. وليس معنى هذا أن الناقد له معرفة أوسع من معرفة المتلقين الآخرين. هدف الناقد أيضا خلق فضاء للحوار مع المتلقي للعمل السينمائي، حتى يكون التواصل، وحتى يتجدد المعنى، وحتى تتسع دلالات الفيلم، لأن أي فيلم لا ينظر إليه المتفرجون بنفس المقاربة. الشريط السينمائي ككل خطاب له معاني ودلالات عديدة، هي متطوّرة ومتحوّلة مع الزمن. فالمعنى الذي نستشفه من الفيلم الذي شاهدناه في الستينات من القرن الماضي، لا يحصل لدينا المعنى نفسه لو أعدنا مشاهدته الآن”.
وللنقد السينمائى مستويات عديدة: النقد الذي يتحدث في الصحافة اليومية عن الفيلم كحدث ثقافي فقط، (تاريخ العرض، المنتج والمخرج، المكان،…) بما هو إبلاغ وإعلام. والنقد السينمائي الذي يضع الفيلم في إطاره العام الثقافي والتاريخي، وخطابه موجّه إلى المعنيين بالفن السابع، وأما المستوى الثالث، فهو المستوى العلمي الأكاديمي، الذي ينظر للشريط السينمائي كمادة ثقافية تستحق القراءة العلمية بحسب مناهج متعددة.
وحتى لا يسقط هذا العمل النقدي في الإسفاف، أو في التجريح وتصفية الحسابات مع المنتجين أو المخرجين، هناك ضوابط محددة يجب احترامها:
الخطاب حول السينما له نفس المعايير ونفس الأخلاقيات كأي خطاب آخر، ولا يجب إفراد النقد السينمائي بما لا يلزم به غيره. يجب أن نعطي للناقد الحرية والفرصة في أن يعبّر عما يراه، سواء كانت دوافعه موضوعية أو غير موضوعية. فهذا الأمر يرتبط بالحالة النفسية للناقد، ونحن لسنا في كنيسة أو مسجد. إذا جاء النقد لاذعا وغير موضوعي، على القارئ أن يتفطّن لذلك، ويعرف أن الموضوعية غاية لا تُدرك، وأن الذاتية، التي هي من طبيعة الإنسان، أمر محمود في الخطاب السينمائي. عندما يشتد النقد حول بعض الأعمال، فذلك إمّا للرهانات الكبيرة التي يعبّر عنها ذلك العمل، أو لغياب التواصل بين المبدع والإعلامي. المهمّ برأيي ليس المعايير والضوابط، بل ما يمتلكه القارئ من أدوات معرفية تسمح له بالتمييز بين ما هو نقد حقيقي، وما هو مجرّد مزايدات. ومن ذلك إطلاعه المُسبق على العمل الإبداعي قبل البحث عن النقد الذي وُجّه له، حتى لا نكون مثل القائل “هذا على الحساب قبل أن أقرأ الكتاب”.