قد تبدو الهندسة والأدب مجالين متباعدين، حيث تمثل الهندسة عالم الدقة والقوانين، بينما يرمز الأدب إلى الخيال والإبداع، ولكن عند التأمل بعمق، نجد أن العلاقة بينهما أعمق مما نتصور، إذ يجتمعان في جوهرهما على مبدأ الإبداع، سواء في بناء الروايات أو تشييد الجسور، فنتساءل ما هي اللغة المشتركة التي تجمع بينهما وما الرابط الذي يجعلنا نراهما من نفس المنظور؟ نرى أن في جوهر كل منهما، هناك نظام معماري متكامل؛ فالمهندس يبني الجسور والمباني، بينما يبني الأديب الشخصيات والعوالم المحيطة بها، فكلاهما يتبعان نفس النظم التدريجية للبناء حيث يتطلب من المهندس تشيد المباني على أسس قوية، يلتزم الأديب ببناء الحبكة والصراع وصولا لخاتمة العمل. فكما لا يمكن للمهندس أن يهمل قوانين الفيزياء، لا يستطيع الكاتب أن يتجاهل قواعد السرد والتسلسل الزمني في نصوصه. فالهندسة تعتمد كليا على الإبداع كما حال الأدب، كما تعتمد على البحث وإيجاد الحلول لأي ثغرة فنية وكما يبتكر الكاتب قصصا مختلفة ونهايات رائعة، يسير المهندس على خطاه في خلق عالم من الجمال والفن المعماري. وعلى سبيل المثال فأدوات المهندس والكاتب تبدأ أولا من الإلهام، لكننا نرى أن المهندس تبدأ خطوته الثانية تبعا للأدوات العملية، وأدوات الكاتب تعتمد على الصور البلاغية والتراكيب اللغوية ليخلق تأثيرًا عاطفيًا على القارئ، وقد لعب الأدب دورًا في شرح النظريات الهندسية وتقديمها بطريقة أكثر إنسانية، فلولا الأدب ما تقدم فكر المهندس في تعاليم جديدة وطرق متطورة للتقدم في عمله، فعلى سبيل المثال، يمكن لرواية أو قصة قصيرة أن تسلط الضوء على حياة المهندسين وتحدياتهم، كما فعلت العديد من الروايات التي تناولت عبقرية المهندسين مثل “كاتدرائية البحر” لإلديفونسو فالكونيس، التي تتحدث عن بناء كاتدرائية في العصور الوسطى. ومن جهة أخرى، نجد أن العديد من الكُتّاب استفادوا من الهندسة في كتاباتهم، فروايات الخيال العلمي تعتمد على مبادئ الهندسة لتصميم العوالم المستقبلية، كما استخدم دان براون في “شفرة دافنشي” الهندسة المقدسة لخلق ألغاز معمارية ضمن الحبكة. ولهذا نرى الترابط بين الأدب والهندسة قويا وقد يكونان متصلان بحبقة واحدة وقد نقول ليس فقط هذا المجال بل شتى المجالات التي ناقشت الكثير من المواضيع العلمية وكان للأدب دوره الهام في التقدم بها وتحقيقها، وكما أشرت سابقا فالأدب والهندسة يلتقيان في نقطة جوهرية ألا وهي الإبداع والنظام وليست فقط أدوات عملية، فكلاهما يسعى للبناء الذي يخدم البشرية ويحقق النصر العلمي والعملى