أخبارالسياسة والمقالات

علم من أعلام التصوف سلطان الزاهدين إبراهيم بن أدهم

إعداد/ د. محمد احمد محمود غالى

سلطان الزاهدين، إبراهيم بن أدهم هو؛ “أبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن زيد بن جابر العجلي ويقال التميمي الخراساني البلخي” أحد علماء أهل السنة والجماعة، من أهل بلْخ في أفغانستان. كان مولده في حدود المائة هـجري، الموافق ١٣ مايو عام ٧١٨م، كان من الأشراف، وحدث رضى الله عنه عن : أبيه، والأعمش، ومحمد بن زياد الجمحي، صاحب أبي هريرة ومالك بن دينار عليهما الرضوان. كان من أبناء الملوك والمَياسير، كان أبوه كثير المال والخدم والمراكب، فبينما هو في رحلة صيد على فرسه يركضه ، إذا هو بصوت من فوقه : يا إبراهيم : ما هذا العبث ؟ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ، اتق الله ، عليك بالزاد ليوم الفاقة. فنزل عن دابته، ورفض الدنيا، وصادف راعيا لأبيه ، فأخذ عباءته، وأعطاه فرسه وما معه، وترك طريقته في التزين بالدنيا، ورجع إلى طريقة أهل الزهد والورع. خرج إلى مكة، وصحب الثوري والفضيل بن عياض، ودخل الشام، وكان يأكل من الحصاد وحفظ البساتين. الإمام إبراهيم بن أدهم كان كثير التفكر والصمت، بعيداً عن حب الدنيا، وما فيها من شهرة وجاه ومال، حريصاً على الجهاد في سبيل الله لا يفتر عنه. وكان برغم زهده يدعو إلى العمل والجد فيه وإتقانه، ليكون كسباً حلالاً. ولذلك أعرض عن ثروة أبيه الواسعة، وعما كان يصيبه من غنائم الحرب وآثر العيش من كسب يده.
من أقواله السديدة الحكيمة ومواعظه الراشدة ما يلى :
قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: : “أقرب الزهاد من الله عز وجل أشدهم خوفا، وأحب الزهاد إلى الله أحسنهم له عملا، وأفضل الزهاد عند الله أعظمهم فيما عنده رغبة، وأكرم الزهاد عليه أتقاهم له، وأتم الزهاد زهدا أسخاهم نفسا وأسلمهم صدرا، وأكمل الزهاد زهدا أكثرهم يقينا”. مر إبراهيم بن أدهم برجل يتحدث فيما لا يعنيه فوقف عليه، فقال: “كلامك هذا ترجو به الثواب؟ قال: لا، فقال: أفتأمن عليه العقاب؟ قال: لا. قال: فما تصنع بكلام لا ترجو عليه ثوابا وتخاف منه عقابا”. عن إبراهيم بن بشار، قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: “ذهب السخاء والكرم والجود والمواساة فمن لم يواس الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسهم ببسط الوجه والخلق الحسن”. وعن مكي بن إبراهيم ، قيل لابن أدهم : ما تبلغ من كرامة المؤمن ؟ قال : “أن يقول للجبل : تحرك ، فيتحرك . قال فتحرك الجبل ، فقال : ما إياك عنيت”. ولإبراهيم بن أدهم أيضا حكما وجيزة منها : ( من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره الكلام يظهر حمق الأحمق، وعقل العاقل، طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه. إذا أردت أن تعصي الله فاعصه في مكان لا يراك فيه. إذا كنت بالليل نائماً، وبالنهار سائماً، وفي المعاصي دائماً؛ فكيف ترضي من هو بأمرك قائماً. اعلم أن ما يزيل عن قلبك هواك إذا خفت من أن تعلم أنه يراك. مالنا نشكو فقرنا إلى مثلنا، ولا نسأل كشفه من ربنا).
لإبراهيم بن أدهم أشعار رقيقة بديعة تخاطب القلب والروح والوجدان منها قوله رضي الله عنه :
اطرقت باب الرجا والناس قد رقدوا وقمت ادعو الى مولاي ما اجد*
وقلت يا أملي في كل نائبة يا من عليك لكشف الضر اعتمد*
يا مالك الملك يا من لا شريك له يا حي يا قيوم يا فرد يا صمد*
أشكو اليك امورا انت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلد*
وقد مددت يدي بالذل مفتقرا اليك يا خير من مدت اليه يد*
فلا تردنها يا ربي خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد*
ولا تكلنا على تدبير انفسنا والنفس تعجز عن اصلاح ما فسد*
والحمد لله حمدا دائما ابدا فهو المهيمن لم يولد ولم يلد*
ومن أشعار البليغة الجميلة أيضا قوله :
قم الليل يا هذا لعلك ترشد الى كم تنام الليل والعمر ينفد*
أراك بطول الليل ويحك نائمًا وغيرك في محرابه يتهجد*
ولو علم البطال ما نال زاهد من الأجر والاحسان ما كان يرقد
ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حيًا مخلد*
أترقد يا مغرور والنار توقد؟ فلا حرها يطفأ ولا الجمر يخمد*
فيا راكب العصيان ويحك خلها ستحشر عطشان ووجهك أسود*
فكم بين مشغول بطاعة ربه وآخر بالذنب الثقيل مقيد*
فهذا سعيد في الجنان منعم هذا شقي في الجحيم مخلد*
كأني بنفسي في القيامة واقف وقد فاض دمعي والمفاصل ترعد*
وقد نُصب الميزان للفصل والقضا وقد قام خير العالمين محمد*
ذاعت شهرة ابن أدهم في شتى أرجاء العالم الاسلامي، فنجد أخباراً لسيرته وقصصاً حوله، وخصوصاً في الهند وملاوي واندونيسيا وغيرها. وأطلق عليه الناس لقب سلطان الزاهدين ويرصد الباحث ياسر ماري الكتابات التاريخية المتناثرة في مسجد ابراهيم بن أدهم، الذي بني على ما يبدو سنة ٩٩٤ هـ.
١- فعلى الحائط الخارجي لغرفة الضريح الى يمين الباب، لوحة مكتوب عليها :
{ قد نال ابراهيم من ربّه
ما نال أدهم من قبله
ناس تأتي الى بابه
ويطعمون الطعام على حبّه }
٢- أما اللوحة الثانية، فتقع في الجدار الشرقي المجاور لغرفة الضريح، ونص الكتابة فيها :
{ بحمد اللّه والهادي المعظّم
وأسرار الولي طرز معلّم
تكمّل ذا البنا في خير عام
ومتولي المقام رقى مكرّم
وعبدالقادر الراجي ثوابا
وغفرانا له والله أعلم
برمْضانَ المعظّمِ جاء تاريخ
اتمـامٍ لابراهيمَ أدهـم }
٣- أما اللوحة الثالثة، فتقع في الجدار الشمالي، ونصّ الكتابة فيها:
{ وفي عام تسعين مع تسعمائة
وأربع سنين قد مضين تمام
مقام ابن أدهم قدّس الله سرّه
تكمّل في خير وحسن ختام }
وبعد عطاء كريم فى حياة كريمة حافله بالعلم والأخلاق وعامرة بالتقوى والإيمان والعبادة توفي إبراهيم بن أدهم في إحدى جزر البحر المتوسط، فى عام ١٦٢ هـ، الموافق لعام ٧٧٧م، وهو مجاهد مرابط، في حملة بحرية على البيزنطيين، ولما شعر بدنو أجله قال لأصحابه : “أوتروا لي قوسي، فأوتروه؛ فقبض على القوس ومات وهو قابض عليها يريد الرمي بها”. دفن رضي الله عنه في مدينة جبلة على الساحل السوري، رحم الله الإمام إبراهيم بن أدهم ورضي عنه وأرضاه وأجزل له العطاء إنه بكل جميل كفيل.

 

لا يتوفر وصف للصورة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى